يقدم فيلم «A Quiet Place» مزيجا يجمع بين أفلام المخلوقات الغريبة والأفلام العائلية مع إضافة عنصر الرعب المميز الذي ينجح بتشكيل نوع أفلام مشوق وفي نفس الوقت يحمل تفردا مميزا، ويأتي من إخراج وبطولة جون كراسينسكي (وهذا ثالث فيلم من إخراجه)، إلى جانب زوجته الحقيقية الممثلة إيملي بلنت.
يعج الفيلم بقلق الأبوين وغضب المراهقين، ولو أخرجنا الوحوش منه لكان يصلح أن يكون دراما محلية حول الدمار الذي قد يحدث نتيجة عدم التواصل بين أفراد الأسرة، وتبدأ القصة بعد 78 يوما على حدوث كارثة ما (لا يتم شرحها)، والتي تسببت بتقليص أميركا إلى بلدة أشباح يعمها الدمار والخراب، ويعيش فيها بضعة ناجين في صمت ذاتي خشية اجتذاب انتباه وحوش مروعة لا يمكن القضاء عليها بسهولة، وهذه الوحوش مصابة بالعمى الكامل لكن تجتذبها أي أصوات، ومن حسن حظ شخصيتي كراسينسكي وبلنت، فإن إصابة ابنتهما بالصمم والتي تلعب دورها الممثلة الصماء ميليسينت سيموندز التي تقدم أداء رائعا جعلتهما أكثر تكيفا للتعامل مع هذه الحالة، وذلك لأن العائلة معتادة بالفعل على التواصل باستخدام لغة الإشارة، ولا يمكننا الخوض بالمزيد من التفاصيل لكي لا نحرق المفاجآت العديدة المثيرة التي يخبئها الفيلم، لكن يمكننا القول ان الأمور تتصاعد بسرعة، وفي حين أن هناك لحظات من حس الفكاهة للتخفيف بعض الشيء من وطأة التوتر، إلا أن هذا الفيلم مصمم للحصول على ردة فعل من المشاهد، وهو يثبت جيدا مهارة المخرج في القيام بذلك.
إن «A Quiet Place» ليس أول فيلم رعب يستخدم الصمت كمحور له، فمنذ ما يقارب العامين ظهر فيلم إثارة آخر يقدم بطلا يعاني من الصمم هو فيلم «Hush»، ودعونا لا ننسى حلقة «Buffy the Vampire Slayer» الشهيرة التي تحمل الاسم نفسه، لكن من الواضح أن «الصمت» يعد أرضا خصبة لصانعي الأفلام لاستكشاف مخاوفنا حول عدم قدرتنا على التعبير عن أنفسنا، حتى المهام العادية مثل قيادة السيارة أو نزول درج يصدر صريرا أو تناول حبة دواء تصبح محفوفة بالتوتر عندما يكون أدنى ضجيج يعني موتك المباشر والمريع، وهذا من دون حسبان ردود الفعل البشرية الأساسية مثل الضحك أو البكاء أو الصراخ عند الشعور بالألم.
ويقوم الفيلم بعمل مذهل في وضع شخصياته في مواقف صعبة بشكل متزايد، حيث تواجه المسكينة بلنت على وجه الخصوص مواقف مروعة بطرق كانت لتبدو كوميدية لو لم تقم بتأديتها بهذا الأسلوب المقنع، وفي حين أن كراسينسكي يحافظ بحكمة على الوحوش بعيدا عن الشاشة لمعظم الوقت، حيث اننا لا نراها سوى من خلال ومضات بسيطة أو عن بعد خلال أول مشهدين من الفيلم، إلا أن المؤثرات البصرية كانت ذات تأثير كبير عندما تتاح لنا فرصة رؤيتهم بشكل جيد أخيرا.
يقدم كراسينسكي إخراجا واثقا وبارعا للغاية، ففي حين أن الفيلم يعتمد بكل ثقة على لحظات الرعب المفاجئة (jump scares) فيما يخص أكثر لحظاته الصادمة، إلا أن المخرج والممثل الذي ساهم أيضا في كتابة السيناريو إلى جانب براين وودز وسكوت بيك ينجح بإضفاء شعور من التوتر الشديد الذي يحيط بكل مشهد، ويساعده في ذلك التصميم الصوتي المبتكر والرائع، وينجح الفيلم في إنشاء رابطة عاطفية بيننا وبين هذه الشخصيات حتى من دون أن نعرف أسماءها وذلك لأنه يأخذ الوقت الكافي للسماح للجمهور بالتعرف على منظور كل شخصية في الفيلم.
العيب الوحيد في الفيلم هو الموسيقى التصويرية، والتي تعتمد على النوتات الصاخبة للإشارة إلى اللحظات المرعبة، حيث ان الموسيقى في بعض الأحيان تكون صاخبة للغاية لدرجة أنها تغرق الدراما بدلا من إبرازها.
ومن اللافت أنه يتم تقديم المشهد الافتتاحي في الفيلم من دون أي موسيقى تقريبا، وبالتالي لا يسعك سوى أن تتساءل ما إذا كان «A Quiet Place» سيكون أكثر فعالية لو أنه اعتمد فقط على الأصوات التي تصدرها الشخصيات بدلا من الموسيقى التصويرية التقليدية، وقد كان التأثير ملموسا بشكل واضح ما جعلنا ندرك تماما مقدار الضجيج الذي يمكن أن يصدره البشر من دون التفكير بالأمر.
ومع حلول الدقيقة 95، نجد أن «A Quiet Place» لا يضيع الكثير من الوقت في شرح قواعد هذا العالم باستثناء معادلة «الضجيج يعني الموت» الواضحة، وعلى الرغم من أن هناك أدلة عديدة موزعة على طول الفيلم، إلا أنه يستخدم نهجا شبيها بنهج «Cloverfield»، عبر ترك المشاهد يرغب في معرفة ما يجري في العالم وكيف حصل وما المسبب؟ ومع ذلك فإن عمق بناء العالم مثير للإعجاب، نظرا إلى محدودية السرد، ابتداء من الطريقة التي استخدمتها العائلة لتعديل لعبة «Monopoly» لجعلها أكثر صمتا، ووصولا إلى نظام الإنذار العبقري باستخدام الأضواء، ما يجعل العالم يبدو قابلا للتصديق وليس بعيدا للغاية عن عالمنا.