بينما ينشغل العالم وفي القلب منه الولايات المتحدة بنتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية التي يرفض فيها حتى الآن الرئيس دونالد ترامب الاعتراف بهزيمته لصالح منافسه الديموقراطي «جو بايدن»، جاءت الصين من الخلف وفاجأت العالم حين أعلنت تمكنها من إتمام أكبر اتفاقية تجارة حرة في التاريخ.
وقعت على هذه الاتفاقية 15 دولة من بينها حلفاء مهمون للولايات المتحدة في آسيا، وهو ما يعد انتصارا استراتيجيا مهما لبكين على واشنطن في نزاعهما التجاري القائم منذ أكثر من عامين، وتحديدا منذ قرر الرئيس الأميركي فرض تعريفات جمركية على عدد من البضائع الصينية في عام 2018.
كيف فتح ترامب الباب أمام الصين؟
في الثالث والعشرين من يناير 2017 أصدر الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمرا تنفيذيا يقضي بانسحاب بلاده من اتفاقية التجارة الحرة المعروفة باسم «الشراكة العابرة للمحيط الهادئ» أو TPP والتي كانت تضم 12 دولة تشكل معا ما يقرب من 40% من الاقتصاد العالمي، وذلك في أول انقلاب من الرئيس الجديد وقتها على إرث سلفه باراك أوباما الذي أنجزت هذه الاتفاقية في عهده.
أزعجت خطوة ترامب كثيرا من حلفاء الولايات المتحدة الذين كانوا يعولون عليها كشريك تجاري مهم في مواجهة التوسع الصيني، وهو ما تركهم فريسة للصين التي تحاول بشتى الطرق منذ عام 2012 إقناع دول مهمة للولايات المتحدة مثل اليابان وسنغافورة وماليزيا دون جدوى بالانضمام إلى اتفاقيتها التجارية.
ولكن أخيرا وبعد 8 سنوات من المفاوضات وبفضل سياسات «ترامب» تمكنت الصين في الخامس عشر من نوفمبر من إقناع 14 دولة (كوريا الجنوبية واليابان وأستراليا ونيوزيلندا وإندونيسيا وبروناي وكمبوديا ولاوس وماليزيا وميانمار وفيتنام والفلبين وسنغافورة وتايلاند) بالتوقيع معها على اتفاقية «الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة» أو الـ RCEP.
في إطار هذه الاتفاقية التي تضم 15 دولة تشكل معا ما يقرب من ثلث سكان العالم، بناتج محلي يزيد على 26 تريليون دولار - ما يجعلها أكبر اتفاقية تجارة حرة في العالم - اتفقت الدول الموقعة على إلغاء نحو 92% من التعريفات الجمركية المفروضة بينهم.
يرى الكثير من الخبراء أن بنود هذه الاتفاقية ليست هي أفضل ما يمكن للدول الموقعة الحصول عليه، ولكن سياسات الإدارة الأميركية الحالية تركت الكثير منهم دون خيار، جدير بالذكر في هذا الإطار هو أن هناك سبع دول كانت ضمن الاتفاقية الأميركية التي انسحب منها ترامب أصبحت اليوم أعضاء ضمن الاتفاقية الصينية وهي أستراليا واليابان وبروناي وماليزيا ونيوزيلندا وسنغافورة وفيتنام.
لماذا لم توقع الهند؟
لحسن حظ الولايات المتحدة لم تتمكن الصين من إقناع الهند صاحبة ثاني أكبر كثافة سكانية في العالم بالانضمام إلى اتفاقيتها التجارية الأخيرة، وذلك بسبب خوف نيودلهي من أن يكون انضمامها سببا لاختلال الميزان التجاري بينها وبين بكين أكثر، وهو ما دفعها للانسحاب من المفاوضات مع الصين حول هذا الشأن في نوفمبر من العام الماضي.
في الفترة ما بين شهري أبريل وأغسطس من عام 2020 وصل العجز التجاري للهند مع الصين إلى ما يقرب من 12.6 مليار دولار، بينما بلغ إجمالي العجز بين البلدين العام الماضي نحو 48.66 مليار دولار لصالح الصين، وذلك مقارنة مع 53.56 مليار دولار في العام السابق.
ولكن هناك سببا آخر غير معلن دفع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي للانسحاب من المفاوضات مع الصين حول هذه الاتفاقية والتي تشترك فيها بلاده منذ 2012، وهو حالة السخط واسعة النطاق لدى الرأي العام الهندي تجاه بكين، بسبب النزاع الحدودي القائم بين البلدين في منطقة جبال الهيمالايا، والذي راح ضحيته قبل عدة شهور أكثر من 20 جنديا هنديا.
في يونيو الماضي وعلى إثر مقتل الجنود، ظهرت حملات مقاطعة شعبية للبضائع الصينية في الهند، وبينما لم تشارك الحكومة الهندية بشكل صريح في المقاطعة إلا أنها طلبت بشكل سري من مسؤولي الولايات وشركات القطاع العام الامتناع عن إصدار عقود جديدة للشركات الصينية.
ولكن مع مرور الوقت خفت نجم المقاطعة، وعادت العلاقات التجارية الهندية إلى سابق عهدها تقريبا، غير أن الرأي العام لا يزال ساخطا على الصين، وهذا شيء لن يحاول رئيس الوزراء الهندي الحريص على شعبيته اختباره أبدا.
كيف سيكون رد فعل جو بايدن؟
بالعودة إلى الاتفاقية الصينية، تشير تقديرات الخبراء إلى أن هذه الاتفاقية ستتمكن بعد دخولها حيز التنفيذ من إضافة ما يقرب من 189 مليار دولار إلى اقتصادات الدول المشاركة بحلول عام 2030، ومن المتوقع أن يكون لكل من الصين واليابان وكوريا الجنوبية نصيب الأسد من هذه الأموال، حسب تقرير لـ «أرقام».
بينما ينتظر الكثير من حلفاء الولايات المتحدة اعتلاء الرئيس الجديد جو بايدن سدة الحكم على أمل أن تتمكن سياساته من إعادة ترتيب المشهد التجاري في العالم الذي أضحى في قبضة الصين أكثر من أي وقت مضى، كشف بايدن عن عزمه الاتفاق مع 25% أو أكثر من الديمقراطيات العالمية على إنشاء تكتل تجاري يتجاوز حجمه الـ 50% من الاقتصاد العالمي.
وأكد بايدن أن لديه خطة سيعلنها في الحادي والعشرين من يناير المقبل، أي في اليوم التالي لتنصيبه وتسلمه الحكم من دونالد ترامب، مشيرا إلى أن خططه ستتمكن من خلق 18.6 مليون وظيفة في الولايات المتحدة. لكن في الوقت نفسه، امتنع نائب الرئيس السابق في فترة حكم أوباما عن كشف عن أي تفاصيل تخص خططه أو سياساته المزمع تنفيذها.