Note: English translation is not 100% accurate
المخزون العالمي من الحبوب في أدنى مستوياته منذ 30 عاماً والعالم يواجه أزمة الوفرة وارتفاع الأسعار
15 مايو 2008
المصدر : بيروت
لم تعد الازمات في اي منطقة من العالم، و ايا كان نوعها، سياسية، اجتماعية، اقتصادية، بيئية إلخ، ازمة محلية، او اقليمية، بل انها عالمية بامتياز.
وما ان تلوح في الافق بوادر ازمة مثل ازمة المناخ والاحتباس الحراري، حتى تتولد ازمة اخرى، تتمثل في الارتفاع الحاد لاسعار المواد الغذائية العالمية التي بدأت مؤشراتها منذ سنتين تقريبا، ووصلت الآن الى مرحلة التهديد الحقيقي لحياة مئات الملايين من البشر في كل القارات، خاصة الطبقات الفقيرة، لا بل انها وصلت الى الطبقات الوسطى، ولامست بشكل اقل حدة المجتمعات الغنية مثل اوروبا واميركا وبقية الدول المماثلة.
الخبراء يعزون ذلك الى عدة اسباب مجتمعة، وتتفاوت درجات اهميتها ولكنها تشكل مجتمعة عناصر ازمة غذاء حقيقية ان لم تكن كارثية على المدى البعيد في حال استمرار هذه الاسباب التي يمكن اجمالها بتكاثر السكان وانخفاض الانتاج لمنتجات اساسية مثل الارز والقمح والذرة والصويا والسكر والزيوت بعضها بسبب المناخ والجفاف وبعضها الآخر بسبب تطوير المحروقات البديلة «الايثانول» الذي يصنع من هذه المنتجات الزراعية بهدف الحفاظ على البيئة من تلوث المحروقات النفطية، لكن العلاج ادى الى ازمة اخرى.
هناك سبب آخر لارتفاع الاسعار يتمثل فيما يسمى بـ «الشهية المفتوحة» لدى بعض الدول الصاعدة، وذات التعداد السكاني الكثيف مثل الصين والهند، اضافة الى وضع قوانين واجراءات من قبل الدول المصدرة تحد من عمليات التصدير لأسباب خاصة بها وبالسوق العالمي للغذاء.
الارقام مخيفة، فمنذ عام 2006 ارتفعت اسعار المواد الاساسية خصوصا الحبوب ضعفين او ثلاثة اضعاف، وتوضح بيانات البنك الدولي انه في السنوات الثلاث الاخيرة ارتفعت اسعار كل هذه المواد 80% لكن الوتيرة تسارعت في الاشهر الاولى من هذه السنة، فبلغت اسعار الارز والصويا ارقاما قياسية، فيما وصل سعر الذرة الى اعلى مستوياته منذ 12 عاما، وسعر القمح يواصل صعوده بارتفاع نسبته 25%.
وكانت النسب بين مارس 2007 ومارس 2008 على الشكل التالي: القمح 130% الصويا 97% الارز 74% الذرة 31% مما يترتب عليه ارتفاع في اسعار اللحوم والدجاج والبيض ومشتقات الحليب.
ففي مدينة مثل نيويورك، شهدت اسعار المواد الاساسية ارتفاعا متسارعا من اسبوع الى آخر تتجاوز احيانا 100% وبدأت المحلات التجارية الكبرى بتحديد كمية بيع المواد وخصوصا الارز للمستهلك الواحد. ولكن اذا كانت الدول المتقدمة قادرة على تحمل ارتفاع الاسعار، فإن هذا الامر مدمر للدول النامية والفقيرة، حيث الغذاء وحده يبتلع ما بين 60 و80% من دخل العائلة مقارنة بنسبة لا تتجاوز 20% في الدول المتقدمة.
الانفجارات الشعبية محورها الغذاء ومقياس الازمة اليوم هو ما تتسبب به من فقر وسوء تغذية في الدول الفقيرة.
وبدأت الطبقة المتوسطة في الدول الفقيرة تتخلى عن التأمين الصحي وتخفف من اكل اللحوم لتتمكن من الاستمرار في تناول ثلاث وجبات يوميا.
متوسطو الفقر (يعيشون بدولارين يوميا) بدأوا يسحبون اولادهم من المدارس ويخففون من اكل الارز كي يستطيعوا تحمل التكلفة. والفقراء الذين يعيشون بدولار واحد في اليوم بدأوا يتخلون عن اللحوم والخضار وعن وجبة أو وجبتين ليضمنوا تناول وجبة واحدة يوميا. اما المصنفون في فقر مدقع هؤلاء يعيشون بنصف دولار يوميا، فيواجهون كارثة.
بحسب ارقام الامم المتحدة، هناك نحو مليار شخص في العالم يعيشون بدولار واحد يوميا، واذا ارتفع سعر غذائهم بحسب اكثر التقديرات تحفظا 20% فإن مائة مليون شخص اضافي سينتقلون الى الفقر المدقع. وكثيرون انتقلوا لأن ارتفاع الاسعار تجاوز هذه النسبة في اماكن عدة.
«وضع لا يطاق للفقراء» هذا ما يقوله رئيس البنك الدولي، ففي بنغلاديش يستهلك كيس الارز زنة كيلوغرامين نحو نصف الدخل اليومي لعائلة فقيرة، وتجاوز سعر رغيف الخبز الضعفين. والفقراء في اليمن ينفقون الآن اكثر من ربع دخلهم على الخبز.
وبفعل ارتفاع الاسعار ايضا، بدأت بعض الدول المنتجة للحبوب فرض اجراءات صارمة، فالفلبين مثلا جعلت تخزين الارز بغية المضاربة جريمة عقوبتها السجن المؤبد. وفي الهند حيث انتحر 25 الف مزارع عام 2007 نتيجة اليأس من نقص الحبوب وتراكم الديون، قررت الحكومة تقييد تصدير الارز. ومثلها فعلت اوكرانيا وڤيتنام وغيرهما.
وحددت منظمة الزراعة والاغذية الدولية (فاو) 36 دولة حتى الآن تعاني ازمة غذاء منها 21 دولة في افريقيا وكلها تحتاج الى مساعدة.
وفي لائحة الدول هناك اكثر من 73 مليون شخص في 78 دولة يعتمدون في غذائهم على مساعدات برنامج الغذاء العالمي الذي يؤمن اساسا اكثر من نصف المساعدات الغذائية في العالم، هؤلاء يواجهون احتمال تقلص حصصهم ما لم يتأمن التمويل الكافي للبرنامج الذي يعاني ازمة ايضا مع ارتفاع كلفة المساعدات اكثر من 50% في السنوات الخمس الاخيرة، ويتوقع ان تسجل 35% ارتفاعا اضافيا في 2008 و2009. وما لم تسارع الدول المانحة الى ضخ 750 مليون دولار اضافي للبرنامج بحلول يونيو فسيضطر الى خفض الحصص الغذائية وعدد الذين يستفيدون منها.
لا شك في ان القوة الكبرى الضاغطة على الاسعار تتمثل في نوعين من الشهية المفتوحة، شهية الاقتصادات الصاعدة، خصوصا الصين والهند للأكل، وشهية الغرب في اميركا واوروبا للمحروقات البيولوجية.
في المقابل ان المخزون العالمي من الحبوب هو في ادنى مستوياته منذ 30 سنة وغير قادر على تلبية هذا الضغط لزيادة الطلب.
ان قلق الغرب من خطر تضاؤل النفط وارتفاع اسعاره، ومن تغير مناخ الارض نتيجة انبعاث الغازات دفعه الى تطوير محروقات بديلة تصنع من محاصيل زراعية مثل الذرة والنخيل وقصب السكر مع ازدياد الطلب عليها.
ويفترض ان يزداد حجم انتاج هذه المحروقات بقوة في السنوات المقبلة اذ تنوي اميركا انتاج 30 مليار غالون في 2020، فيما يهدف الاتحاد الاوروبي الى ان يكون 10% من كل المحروقات المبيعة في 2020 بيولوجية او حيوية.
وهذا يعني تخصيص محاصل زراعية اضافية للوقود ومحصول الذرة في مقدمتها، فأميركا تؤمن 54% من الانتاج العالمي من الذرة، لكن من اصل الانتاج الكلي لهذه المادة يذهب 12% منه الى صنع «الايتانول» والحصة تتزايد سريعا ومعها سعر الذرة. وهذا لا يؤثر على اسعار الحبوب فحسب، بل على اسعار اللحوم وعلف المواشي.
الأهم ان تصدير الذرة الاميركي يواجه خطر التقلص في السنوات الثلاث المقبلة اذا استمرت الحكومة في دعم انتاج المحروقات البيولوجية، فحتى السنة المقبلة 2009 فقط يتوقع ان يأكل «الايتانول» وغيره من هذه المحروقات ثلث المحصول الاميركي من الحبوب.
ولكن الدراسات اظهرت الا توفير في المحروقات البيولوجية. فاكثر التقديرات تفاؤلا بينت ان انتاج غالون «الايتانول» من الذرة يتطلب طاقة تعادل الطاقة في الغالون. واظهرت ايضا ان انتاج هذه المحروقات يعجل في تغيير المناخ حيث تعتبر السياسات المتبعة لانتاجه جيدة كما في البرازيل التي تنتج «الايتانول» من قصب السكر. فزراعة هذا المحصول كما في اندونيسيا وماليزيا تتطلب قطع الاف الهكتارات من الغابات المطرية، والنتيجة تقليص مساحات الغابات والمساهمة في الاحتباس الحراري.
هناك آثار تغير المناخ او الطقس الرديء كالجفاف يمكن ان يصيب المناطق الخصبة. فاستراليا وهي المصدر العالمي الثاني للقمح، عانت العام الماضي اسوأ جفاف لها في قرن وتقلص محصولها من القمح نحو 60%، كذلك تقلص محصول الصين من الحبوب بنحو 10% في السنوات السبع الاخيرة.
ولعل الاخطر في المدى الابعد وما له علاقة مباشرة بالاحتباس الحراري نتيجة التلوث او تدمير الغابات او غيرهما، وقد بدأ يؤثر على انتاج الغذاء في الكثير من الدول، واستنادا الى الامم المتحدة، فان العالم يفقد كل سنة مساحات من الارض الخصبة تعادل مساحة اوكرانيا اي نحو 604 آلاف كيلومتر مربع.
هناك ايضا ارتفاع اسعار النفط، وهذا سبب اساسي. فالمزارع الحديثة تعتمد كثيرا على منتجات النفط، المخصبات والجرارات ونقل المنتجات الزراعية الى المستهلكين، ويمكن فهم حجم ارتفاع الكلفة الآن بعدما تجاوز سعر برميل النفط 100 دولار بكثير، فاستنادا الى البنك الدولي ارتفعت اسعار المخصبات 150% في السنوات الخمس الاخيرة. كما ان ارتفاع اسعار النفط له علاقة كبيرة ايضا بالاقتصادات الصاعدة، الصين والهند وغيرهما، لانها باتت تنافس الاقتصادات الكبيرة الاخرى على الموارد النادرة.
ويضاف الى هذه العوامل عاملان اخران، احدهما محاولة بعض الدول المنتجة حماية مستهلكيها المحليين من الازمة بحظر التصدير او تقييده، كما فعلت الهند واندونيسيا وڤيتام والصين وكمبوديا ومصر وروسيا واوكرانيا والارجنتين، وتاليا جعل الاوضاع اسوأ في الدول التي اعتادت الاستيراد. اما الثاني، فيتمثل في المراهنين على ارتفاع الاسعار والمضاربين. ان استمرار الازمة سيجعل السبب الطبيعي الأهم، اي النمو السكاني، ازمة مضاعفة. فعدد سكان الارض يبلغ اليوم 6.6 مليارات نسمة والتقديرات انه سيزيد اكثر من 3 مليارات في اقل من 50 سنة ليبلغ 9.5 مليارات. والبنك الدولي يتوقع ان يتضاعف الطلب على الغذاء بحلول سنة 2030.الصفحات الاقتصادية في ملف ( PDF )