ظل المستخدم على شبكة الانترنت بات يمثل كنزا ثمينا لهم، فهم يتتبعون مسار هذا الظل، ويتحرون الآثار الرقمية التي يخلفها كل مستخدم بعد الخروج من الشبكة، فهل تعلم أنك بمجرد الدخول إلى فضاء الانترنت فأنت تترك خلفك آثارا رقمية، وأن هناك من ينتظرون هذه الآثار حتى يقتفون سلوكك على الشبكة..؟ السؤال هنا لماذا يتحرون آثارنا الرقمية؟
الحقيقة ستكتشفها عندما تحاول أن توفر وقتا من نشاطك على الإنترنت لبعض الدقائق، وتتأمل قليلا حواشي وزوايا الصفحات على الشبكة، حتى تعرف لماذا أنت تحديدا الذي يتلقى هذا المحتوى التجاري على صفحتك.
يطلقون عليهم اسم سماسرة البيانات..، إنهم من يتحكمون في المحتوى التجاري الذي تراه على صفحتك الخاصة، فطبيعة عملهم تتشابه تماما مع عمل سماسرة العقارات والأراضي، الذين يتقاضون مالا مقابل اتمام صفقات.
رأسمال هؤلاء.. «البيانات»، يمتلكون البيانات التي تحتاجها الشركات التجارية التي تبحث عن المستهلك المناسب لمنتجاتها، يوفرون لها المعلومات الشخصية عن المستخدم أكثر من التي يعرفها هو عن نفسه.
تفيد مؤسسة «بروبوليكا» المتخصصة في الصحافة الاستقصائية في تقرير لها بأن الشبكات الاجتماعية تقوم بشراء معلومات إضافية عن المستخدمين، بما في ذلك حجم الدخل المالي، والأماكن التي يتردد عليها الأفراد لتناول الطعام، وكم عدد البطاقات الائتمانية التي يمتلكها المستخدم، فهي تعتمد في تصنيفها على حلول خوارزمية، ليس فقط في تحديد الأخبار والعروض التجارية، التي تظهر للمستهلك، لكن أيضا لتصنيفهم في قوائم قد تصل إلى الآلاف، وهذه القوائم توضع على أرفف إلكترونية، تنتظر من يقدر ثمنها ويشتريها (ما دار في خلدك الآن بأنك قد تكون اسما على الرف لديهم.. نعم صحيح).
حتى يتضح الأمر الأكثر نسرد هذا الافتراض: خالد شخصية خيالية، يعيش خالد في مكان نائ عن المدينة، كل صباح يذهب خالد إلى عمله في المجمع المزدحم بالمكاتب التجارية، قبل أن يبدأ خالد يوم عمله يمر على متجر القهوة الشهير ليأخذ مشروبه المفضل، في منتصف النهار يبدأ خالد إجراء اتصالاته بالمطعم لتناول وجبة الغداء في العمل، بعد الانتهاء من عمله يعود خالد إلى محل إقامته..، تكشف تصفحات خالد على شبكة الانترنت من جهازه النقال موقعه خلال هذه الفترة لسماسرة البيانات، التي تعلم جيدا أن مكان عمل خالد هو أكثر مكان يتردد فيه الأفراد على طلب القهوة في الصباح، وأكثر مكان يقوم بطلب الوجبات السريعة أثناء العمل.
تبدأ شركات سماسرة البيانات عملها..، وتصنف خالد في قائمة الأفراد الذين يفضلون تناول القهوة والوجبات السريعة، وتبدأ هذه الشركات ببيع هذه القائمة إلى المتاجر التي ترغب في أن تصل عروضها التجارية إلى المستهلك المناسب.
برز هذا النوع من العمل مع تطور استخدامات التكنولوجيا في السنوات الأخيرة، وإذ تتنوع البيانات التي يجمعها السماسرة من على الشبكة عن طريق الكوكيز بتتبع الآثار الرقمية للمتصفح، فقد أصبح معرفة سلوكيات المستخدمين الشرائية، هو في الحقيقة ثروة، والطريق إلى هذه الثروة، يبدأ من الخوادم الضخمة لسماسرة البيانات، التي تضم تاريخ كل مستخدم.
ولنا أن نعرف أن هجرة أموال الإعلانات من التلفزيون إلى العالم الرقمي زادت مؤخرا بشكل كبير ويعود الفضل في ذلك إلى عمل سماسرة البيانات، فقد توقعت وكالة زينيث للتسويق الإعلامي أن يصل حجم الإنفاق الإعلاني على الهواتف الذكية إلى 134 مليار دولار في 2018، بعد أن هرعت العلامات التجارية إلى شبكات فيسبوك وسناب شات وغوغل.