- دخول الصين إلى حصون الرأسمالية أجبر الغرب على التكامل معها بعد أن فرضت نفسها كقوة اقتصادية عالمية
- أميركا نجحت في الدخول على خط التباين الصيني ـ السوفييتي واستمالة بكين لتأسيس علاقة اقتصادية متينة
بقلم: علي حبيب الأمين
في دراسة خاصة لـ «الأنباء» أعدها علي حبيب الأمين استعرض من خلالها المراحل التي مرت بها العلاقات الصينية ـ السوفييتية منذ الحرب الباردة وما ترتب عليها من تباينات سياسية واقتصادية بين الدولتين الشيوعيتين والتي أدت بدورها إلى تبلور اشتراكية اقتصادية صينية مختلفة عن الاشتراكية السوفييتية، لتدخل الولايات المتحدة على خط التباين بين الدولتين وتكسب الصين لصالحها رغم بعض الخلافات التي طرأت في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وفيما يلي الدراسة:
مع انتهاء الحرب العالمية الثانية سارع الطرفان المنتصران الحلفاء والاتحاد السوفييتي إلى تقاسم النفوذ في الدول التي تمت السيطرة عليها في أوروبا وصولا إلى ألمانيا التي انقسمت إلى بلدين يفصل بينهما «جدار برلين»، وكما فعلت الولايات المتحدة تماما، سعى الاتحاد السوفييتي بدوره لاستمالة أكبر عدد ممكن من الدول حول العالم لتكون من ضمن محوره ولتدور في فلكه، ومن بين هذه الدول الصين التي نجح مسعاه في التقارب معها، حيث أعلن زعيمها «ماوتسي تونغ» عن قيام الجمهورية الشعبية الصينية (ذات الطابع الاشتراكي الشيوعي) في منتصف القرن الماضي، وبعد مضي حوالي عقد من العلاقات المميزة بدأ التباين يظهر للعلن بين الدولتين الشيوعيتين، وبدأ الخوف من سيطرة الاتحاد السوفييتي على البلاد يتسلل إلى الصين، وفي ذروة هذا الانقسام عقد اتفاق تضمن إقامة علاقات ديبلوماسية كاملة بين الصين والولايات المتحدة في بداية السبعينيات، وفي الفترة نفسها تم قبول عضوية جمهورية الصين الشعبية بدلا عن جمهورية الصين (النظام السابق) في الأمم المتحدة، كما حصلت على العضوية الدائمة في مجلس الأمن و«حق الفيتو»، وما لبثت أن بدأت الصين ورشة إصلاحات كبيرة، حيث اعتماد «نظام الاقتصاد الحر والمتنوع»، مع الأخذ بعين الاعتبار الحفاظ على أولوية القطاع العام وتثبيت دوره، وبذلك تبلورت اشتراكية اقتصادية صينية مختلفة عن الاشتراكية السوفييتية.
وفي تلك الأثناء، كان الاتحاد السوفييتي مشغولا بالنزاع مع الولايات المتحدة في ساحات مختلفة حول العالم والتي استمرت حتى توقيع اتفاقية إنهاء «الحرب الباردة» بين القطبين العالميين في عهد الرئيس السوفييتي «ميخائيل غورباتشوف»، العهد الذي شهد أوضاعا سيئة بسبب التدهور الشديد للقدرات الاقتصادية نتيجة الترهل والتخبط، حيث عجز الرئيس عن وضع إصلاحات اقتصادية حقيقية وما زاد الوضع سوءا سلسلة القرارات التي أقرها تحت عنوان «البريسترويكا» أي إعادة الهيكلة، والتي تضمنت إجراءات اقتصادية وسياسية أثبتت فشلها وأعطت نتائج عكسية، كما كان لاعتماده مبدأ ما عرف بـ«اللامركزية» الأثر الأكبر في تفجير أزمة الهوية القومية بين مكونات اتحاد الجمهوريات السوفييتية، تضاف إليها التعديلات التي اتخذها والمتعلقة بالتخلي عن الاشتراكية وتفكيك الحزب الحاكم، كل هذه العوامل والإخفاقات مجتمعة أدت إلى تفكك الاتحاد السوفييتي وانهياره مطلع التسعينيات، ومعه انهار «جدار برلين» بما له من رمزية والذي كان يفصل بين الشيوعية والرأسمالية في أوروبا.
في المقابل تختلف الصين من حيث التركيبة السكانية والاجتماعية، ومن غير الإنصاف المقارنة بين التجربتين الاشتراكيتين الصينية والسوفييتية لأن الصين بدأت من حيث انتهى الاتحاد السوفييتي واستفادت من إمكانياته وقدراته على مختلف المستويات خاصة العلمية منها، واستطاعت الانتقال من خلالها من مجتمع زراعي فقير إلى مجتمع صناعي متطور، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الصين بالرغم من عدد سكانها الكبير إلا أنها عبارة عن دولة واحدة تجمعها كل عوامل الأمة (عمرها من عمر سور الصين العظيم)، بينما الاتحاد السوفييتي كان عبارة عن جمهوريات وقوميات مختلفة، بالإضافة إلى أن السوفييت كانوا الأكثر عرضة للضغوطات والأكثر مواجهة مع الولايات المتحدة والأكثر إنفاقا على الحروب الباردة وغير الباردة والأكثر منافسة على غزو الفضاء وحرب النجوم، في حين أن الصين التي تميزت باعتمادها «السياسة الناعمة» وتجنب الصدام قد استفادت من التجربة السوفييتية على كل الصعد وراكمت عليها وعملت على تجنب الأخطاء التي ارتكبوها، وأقدمت على حزمة إصلاحات جوهرية في نظامها الاقتصادي، وانفتحت على الغرب وكان هذا مصدر قوتها الاقتصادية لأن طبيعة النظام وتركيبته قائمة على دعم الدولة للصناعة وتوجيهها وتنظيمها، يضاف إليه التنوع الكبير في الإنتاج الصناعي والزراعي الصيني، ورخص اليد العاملة الذي أدى الى انخفاض التكلفة، واستطاعت الصين استثمار هذه الميزات في رفع حجم صادراتها للغرب، في حين استفاد الغرب منها من خلال إنشاء مصانع له في الصين واعتماد سياسة تجميع بضائعه فيها واستيراد منتجات منها بأسعار منخفضة، وبذلك نشأ تكامل صناعي بينهما وتحديدا مع الولايات المتحدة وتمكنت الصين من تسخير هذا التكامل في خدمة أهدافها، وكرست إنتاج تجربة اقتصادية مختلفة كليا عن التجربة السوفييتية.
وكان لنجاح الولايات المتحدة في الدخول على خط التباين الصيني ـ السوفييتي وتبادل التمثيل الديبلوماسي معها الأثر الأكبر في استمالة الصين وفي التأسيس لعلاقة اقتصادية متينة معها، وكما سبق وأجرت الولايات المتحدة إصلاحات اقتصادية على نظامها وتحولت من الرأسمالية المطلقة الى الرأسمالية الموجهة، كذلك أجرت الصين إصلاحات اقتصادية من داخل النظام وتحولت إلى «اقتصاد السوق»، حيث حققت تقدما اقتصاديا سريعا، وقد ساهمت هذه الإصلاحات في زيادة القدرة على التعاون الاقتصادي بين البلدين وتحولت الصين إلى أكبر شريك اقتصادي للولايات المتحدة، وأثبتت الوقائع حتى الآن في هذه التجربة أن كل طرف بحاجة إلى الطرف الآخر (بالرغم من بعض الخلافات التي طرأت في عهد الرئيس ترامب)، لكن هذا التكامل الاقتصادي بين دولة رأسمالية ودولة شيوعية يطرح عدة تساؤلات منها: هل كان الصراع والحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي صراعا أيديولوجيا بين الرأسمالية والشيوعية كأنظمة وأفكار ومعتقدات متناقضة، أو أنه مجرد صراع سياسي وعسكري ذات بعد اقتصادي، وعليه هل كان من الممكن أن يكون الاتحاد السوفييتي شريكا اقتصاديا مفترضا لدول أوروبا الرأسمالية لو قدر له إجراء الإصلاحات المطلوبة في الوقت المناسب، كما كان شريكا عسكريا لها في الحرب العالمية الثانية، وهل كانت الخشية الأميركية من إقامة تكامل اقتصادي أوروبي كهذا بوجهها، وينافس التكامل الاقتصادي الأميركي ـ الصيني فيما بعد هي أحد الدوافع الأميركية لإعلان الحرب الباردة حربا استباقية على السوفييت؟
يضاف إلى تلك التساؤلات مجموعة وقائع ومفارقات تمثلت في انتقال عداء الولايات المتحدة إلى روسيا الاتحادية بالرغم من زوال الشيوعية منها، في الوقت الذي تحسنت فيه علاقة الروس مع الصين، في المقابل اعتبر إنشاء السوق الأوروبية المشتركة من قبل دول أوروبا الغربية سوقا موجها ضد الولايات المتحدة وسطوتها الاقتصادية، واعتبر إصدار عملة «اليورو» عملا موجها ضد «الدولار» ومنافسا عالميا له، وعلى هذا الأساس يتبين من كل ما سبق أنه لا علاقة للأيديولوجية لا بالعداء ولا بالشراكة بل يتضح أن «في الاقتصاد كما في السياسة، لا عدو دائم ولا صديق دائم، بل المصالح الاقتصادية دائمة» وفي حال انتفت هذه المصالح تختلف طبيعة العلاقات بدون النظر الى أي اعتبار آخر، وكما نشأ تنافر بين الاشتراكيتين السوفييتية والصينية فإن تنافرا آخر قائما بين الرأسماليتين الأميركية والأوروبية، خاصة على الصعيد الاقتصادي، ومن هنا فإن المصالح الاقتصادية والسياسية هي التي جعلت اصطفاف الدول بعيدا كل البعد عن طبيعة الأنظمة، وهذه المصالح هي نفسها التي جمعت التناقضات الأيديولوجية معا على الصعيد الاقتصادي، تماما كما سبق وجمعتها عسكريا ضد النازية.
قد يعتبر بعض المعجبين بالتجربة الاشتراكية الصينية والمؤيدين لها أن الصين تمثل «حصان طروادة»، حيث دخلت إلى حصون الرأسمالية، وفرضت نفسها قوى اقتصادية عالمية وأجبرت الغرب على التكامل معها والاعتماد عليها، وأصبحت حاجة ملحة بالنسبة للنظام الاقتصادي العالمي، ونجحت حيث فشل السوفييت، في المقابل قد يرى بعض المشككين في هذه التجربة والمنتقدون لها أن الصين ساهمت في تقوية اقتصاد الولايات المتحدة الأميركية من خلال التعاون الاقتصادي الكبير معها، وخرجت عن المبادئ الاقتصادية (الاشتراكية) التي قامت على أساسها، وغرقت في هذه العلاقة من خلال حجم الدين المستحق للصين والذي وصل إلى أرقام ضخمة، وبالتالي فإن العملية الاقتصادية الصينية القائمة على هذه الشراكة حصرا غير آمنة، ومصيرها مرتبط بالوضع الاقتصادي الأميركي، والسؤال الذي من الممكن أن يطرح نفسه بنظرهم كيف سيكون وضع الصين في حال عجزت الولايات المتحدة عن السداد او حصول أزمة اقتصادية فيها، أو حدث أي خلاف ثنائي معها، ثم ماذا لو كان موقف الولايات المتحدة الإيجابي الحالي من الصين موقفا تكتيكيا آنيا وليس استراتيجيا تماما كما كان موقفها من الاتحاد السوفييتي في الحرب العالمية الثانية قبل أن تعود وتنقلب عليه، خاصة أن العلاقة مع الصين بالنسبة للولايات المتحدة قائمة من ضمن سياسة ما كان يعرف بـ«الاحتواء المزدوج» (الموجهة ضد الاتحاد السوفييتي والصين معا)؟
لكن وبالرغم من كل هذه الفرضيات الإيجابية والسلبية وكل تلك التساؤلات يبقى الثابت الوحيد هو خروج المارد الصيني من القمم، حيث تعتبر الصين اليوم أكبر دولة صناعية وسكانية وثاني أكبر اقتصاد في العالم (بعد الولايات المتحدة) وهي تملك من القدرات الاقتصادية والعلمية والبشرية والعسكرية بالإضافة للعضوية الدائمة في مجلس الأمن و«حق الفيتو» ما يمكنه لتبقى دولة أساسية من الدول الكبرى المؤثرة عالميا، وهي أثبتت من خلال سياسة «القوة الناعمة» التي تعتمدها، أنها تملك قدرا كبيرا من المرونة و«البراغماتية» والقدرة على المناورة والتأقلم والتطور، بالإضافة لامتلاكها لشبكة علاقات متينة قائمة على تنسيق سياسي واقتصادي خاصة مع «دول البركس» لاسيما روسيا التي شهدت العلاقة معها تطورا كبيرا في الفترة الأخيرة، بالإضافة لامتلاكها لرؤية اقتصادية مستقبلية متمثلة في إعادة الاعتبار لـ «طريق الحرير»، وكما أصبحت الولايات المتحدة وريثة بريطانيا العظمى وحلت مكانها كقطب عالمي أساسي، فالأمور مهيئة أمام الصين لتصبح وريثة الاتحاد السوفييتي بعد تفككه، وربما تكون أحد القطبين العالميين الرئيسيين في وقت ليس ببعيد، خاصة مع بداية تضعضع الاتحاد الأوروبي وخروج بريطانيا منه، وفي خضم تزايد وتيرة الصدام الأميركي ـ الروسي الذي من المتوقع أن يستنزف الطرفين.