تتجه منظمة البلدان المصدرة للنفط (أوپيك) ومنتجون آخرون مستقلون إلى بلورة خطة طويلة المدى للمحافظة على استقرار السوق النفطية العالمية خاصة بعد أن تعززت أسعار النفط خلال الفترة الاخيرة نتيجة الالتزام بتقليص المعروض من الخام.
وكانت اللجنة الوزارية المشتركة المعنية بمراقبة خفض الإنتاج قد اشارت في أعقاب اجتماعها الاخير في باكو الى صمود اتفاقية فيينا المبرمة بين المنتجين من داخل وخارج (أوپيك) في 2016 لخفض الانتاج المعروض لتحقيق التوازن والاستقرار في السوق العالمية.
وقال الخبير في سياسات الطاقة د.بشير علية في تصريح لـ «كونا» ان اجتماع باكو الأخير أقر مواصلة التعاون بين البلدان الـ24 المنتجة للخام من داخل وخارج (أوپيك) رغم محاولات البعض التشكيك في نجاح التعاون بين الجانبين.
وأضاف أن اجتماع باكو اثبت ان اتفاقية فيينا للحد من معدلات الانتاج حققت الغرض المنشود منها، حيث ارتفعت اسعار الخام بشكل مرض رغم تزايد انتاج النفط الصخري الأميركي والضغوط القوية المسلطة على أطراف اتفاقية فيينا خاصة على البلدان الخليجية.
وذكر علية وهو صاحب العديد من المؤلفات والكتب السياسية والاقتصادية من بينها الموسوعة الاقتصادية ان اسعار الخام صمدت لمدة لا تقل عن ثلاث سنوات وظلت عند مستوياتها المرتفعة نسبيا وفي حدود تتراوح بين 67 و68 دولارا للبرميل مشيرا الى ان أسعار سلة خامات (أوپيك) سجلت خلال شهر فبراير الماضي ارتفاعا بنحو 9% أو ما يزيد على خمسة دولارات للبرميل للشهر الثاني على التوالي كما أن سعر برنت القياسي استفاد من هذا التطور ليعزز سعره التصاعدي ليصل الى مستويات غير مسبوقة منذ نوفمبر الماضي.
ولم يستبعد ان تخطو البلدان المنتجة للنفط من داخل وخارج (أوپيك) خطوة اكبر في اجتماعها القادم في يونيو وتحيي فكرة كانت قد طرحت قبل ابرام اتفاقية فيينا المرحلية في 2016 والتي تنص على ابرام اتفاقية طويلة المدى بدلا من الاتفاقية المرحلية المعمول بها حاليا خاصة أن استقرار السوق لايزال هدفا مشتركا لجميع المنتجين.
وحول مدى بقاء الاسعار عند مستوياتها المرتفعة الحالية نسبيا اعرب الخبير في الشؤون النفطية عن اعتقاده بأن الاسعار ستصمد بالفعل بشرط ان يتم التمسك على اقل تقدير بالخفض الذي تم الاتفاق عليه والبالغ 1.2 مليون برميل يوميا حتى شهر يونيو القادم.
وحذر من الافراط في ارتفاع اسعار الخام بشكل غير مدروس موضحا أن ارتفاعا مصطنعا وغير متوازن لسعر الخام سيؤدي الى تراجع قوي في قيمة الدولار بالنظر الى ان سعر النفط يتناسب عكسيا مع قيمة الدولار الأميركي حيث كلما ارتفع سعر الخام كلما تراجعت قيمة الدولار وهذا يعني ان قيمة العائدات النفطية المسعرة بالدولار ستتراجع بشكل ملحوظ وهو ما يفسر الانتقادات المتواصلة للرئيس الأميركي ترامب لمنظمة (أوپيك) وتحكمها كما يقول في اسعار النفط.
وقال «إنه إذا علمنا ان المكونات الأساسية لميزان المدفوعات اي حساب العمليات الجارية وحساب رؤوس الاموال والتحويلات المالية لبلدان منظمة (أوپيك) المصدرة للنفط تتم أساسا بالدولار ندرك مدى الخسارة التي ستتكبدها هذه الدول اذا انهارت قيمة الدولار نتيجة تقديرات خاطئة سببها الدفع باتجاه ارتفاع مصطنع لسعر الخام».
وأكد د.علية ضرورة أن تعتمد البلدان المصدرة للنفط على حوكمة صحيحة تراعي النمو الاقتصادي العالمي ووضع المخزون من النفط الخام والمحروقات بشكل عام بما فيها الغاز الصخري خاصة في الولايات المتحدة الأميركية من ناحية والتوجهات الاستراتيجية والجيوسياسية في العالم من ناحية اخرى.
ووفقا لتقرير المنظمة لشهر مارس الجاري فإنه يتوقع ان تتراجع حركة الاقتصاد العالمي الى نسبة 3.3% بعد أن كانت 3.6% في عام 2018.
وردا على سؤال حول السعر المناسب للنفط على المدى المنظور والذي يمكن ان يكون مقبولا من قبل المنتجين والمستهلكين قال محللون نفطيون في تصريحات مماثلة لـ(كونا) انه بالنظر الى معدلات النمو الاقتصادي المرتفعة نسبيا خاصة لدى ما تعرف بالاقتصاديات الصاعدة مثل الصين والهند وغيرهما والتي ستكون في حاجة مستمرة الى النفط فانه يسود الاعتقاد ان سعرا يتراوح بين 70 و80 دولارا للبرميل حتى نهاية 2022/ 2020 سيكون معقولا وغير مبالغ فيه والدليل على ذلك ان العقود الآجلة لخام القياس العالمي برنت كادت خلال الاسبوع الماضي تبلغه اذ وصلت الى 68.20 دولارا للبرميل.
وأشاروا إلى أن هذه الاسعار قد تبدو مجحفة بالنسبة للشركات الصناعية الكبرى المستهلكة الممثلة بالوكالة الدولية للطاقة لانها تسعى دوما الى جعل مستوى سعر الخام ينحدر الى ادنى مستوى له تحقيقا لمصالحها وقد تلجأ الولايات المتحدة الأميركية الى عرض المزيد من الخام في السوق العالمية بالنظر الى مخزونها الكبير للتقليل من آثار الخفض الذي اقرته البلدان المنتجة من داخل وخارج (أوپيك) في اتفاق فيينا.
وبهذا الصدد يجب على المنتجين اقناع هذه الاطراف وتطمينها بان المصلحة المشتركة للمنتجين والمستهلكين تتطلب القبول بسعر معقول ومنطقي في حدود 70 دولارا مشيرين إلى أن المنظمة لا تحدد أسعار النفط في السوق النفطية العالمية بل ان حرص المنظمة على توازنات السوق هو الدافع الرئيسي لحركة الاسعار صعودا ونزولا.
وخلص المحللون النفطيون في ختام تصريحهم القول ان التمسك باتفاقية فيينا 2016 ليس كافيا وعلى الدول التي وقعت الاتفاقية رفع مستوى التعاون فيما بينها للتوصل الى ابرام اتفاقية جديدة اوسع على المدى الطويل خلال اجتماعها المزمع عقده في شهر يونيو القادم في فيينا.