بقلم: نبيلة العنجري
حدثت عدة مستجدات تتعلق بسلامة الطيران المدني في الفترة القصيرة الأخيرة، وهي تستدعي التوقف عندها خاصة أننا على أبواب موسم سفر وعطلة عيد الفطر المبارك، يليها بعد بضعة أسابيع عطلة الصيف الطويلة حيث تقضي نسبة كبيرة من الكويتيين الإجازة خارج البلاد.
من هذه المستجدات، التحذير الأميركي القائم والموجه لرحلات الطيران التجاري فوق مياه الخليج بضرورة توخي الحذر، وتكرار المآسي التي نتجت عن تكرار تحطم طائرات «بوينغ» وتعرضها لمشاكل أخرى عديدة في أقل من 6 أشهر فقط، وما أدى إليه ذلك من تخلي العديد من شركات الطيران عن استخدام طائرات الطراز المذكور، بما في ذلك دول وشركات خليجية، هذا إضافة الى تداعيات أخرى على مجمل حركة السفر وصناعة الطيران في العالم.
ومع كثافة حركة السفر ذهابا وإيابا المتوقعة خلال الأيام القليلة المقبلة، تستدعي الوقائع المذكورة آنفا مزيدا من الانتباه واليقظة، ليس فقط من قبل السلطات والشركات المعنية بالطيران المدني والتجاري في الكويت والمنطقة، بل أيضا من المسافرين أنفسهم ووكلاء السفر وشركات السياحة وحجز الرحلات.
فما نتحدث عنه يتعلق بوقائع فعلية، حاضرة ومحتملة من عدة مصادر من المخاطر:
1- في الشق الأول من المخاطر، نبهت «إدارة الطيران الاتحادية الأميركية»، في 17 مايو الجاري إلى أن «جميع الطائرات التجارية التي تحلق فوق مياه الخليج العربي وخليج عمان بحاجة إلى أن تكون على علم بالأنشطة العسكرية والتوتر السياسي المتزايد»، وهذا يشمل طبعا الطائرات التابعة لشركات طيران محلية أو أجنبية أو حتى طائرات خاصة.
ويخفف هذا التحذير نسبيا من مسؤولية أي طرف قد يتسبب بأي حادث، عرضا او حتى عمدا، «فعليا وقانونيا واجرائيا»، حيث نص صراحة على أن هناك عدة احتمالات للخطأ العسكري «مثل إساءة التقدير أو اللبس في تمييز هوية الطائرات»، ما يزيد بالتالي من مسؤولية شركات الطيران وقرارات المسافرين.
2- الشق الثاني من المخاطر يتعلق بتداعيات حوادث طائرات البوينغ الأميركية - طراز 737 ماكس - التي تكررت 3 مرات في غضون بضعة اشهر، بدءا بتحطم الطائرة التابعة للخطوط الجوية الإندونيسية في نهاية أكتوبر الماضي ومقتل جميع ركابها الـ 189، ثم تحطم الطائرة التابعة للخطوط الإثيوبية ومقتل جميع ركابها الـ 157 في مارس الماضي.
رغم مسارعة العديد من الدول وشركات الطيران حول العالم إلى وقف تسيير أي رحلات على هذا الطراز، ومن ضمنها الكويت ودول خليجية أخرى، فإنه لم يتم منع استخدامه بدليل حادث ثالث تعرضت له طائرة «بوينغ 737» مطلع مايو في رحلة لشركة طيران ميامي الأميركية والتي انحرفت عن مسار هبوطها وسقطت فوق النهر بدلا من المدرج ما أدى (فقط) الى إصابات خفيفة بين الركاب.
وبينما تعكف شركة «بوينغ» على دراسة ومحاولة معالجة العيوب «القاتلة»، من غير المعروف بعد اذا كانت آلاف الطائرات من نفس الطراز المنتشرة في العالم ستنتظر قرارات «بوينغ» وما اذا كانت ستخضع لصيانة نوعية أو تصليح أو تعديل، أو أن الشركات المالكة ستضطر الى بيعها في نهاية المطاف (لتعويض جزء من خسائرها) في صفقات خاسرة إلى شركات طيران أقل شأنا وأكثر مغامرة.
يقظة في المطارات.. وفي السماء
ما يجب التوقف عنده بعد هذا الاستعراض:
1- أن العديد من شركات الطيران لم تعلن بعد وقف تسيير رحلات هذا الطراز من الطائرات مع الاشارة إلى طائرات بوينغ 737 بكل نسخها تعد أكثر طائرات نقل الركاب مبيعا في العالم.
2- إن التخلي عن طائرات بوينغ لا يعني أن باقي الطائرات أصبحت بمعزل عن المخاطر، بل على العكس، فإن الضغط العالمي على شراء واستعجال الحصول على طائرات أخرى، قد يؤدي إلى ارتفاع احتمالات الحوادث على الطائرات الأخرى المصنعة من الشركات التي ستصبح «أكثر ريادة» من «بوينغ» في مستقبل قريب، وخاصة طائرات «ايرباص».
3- في دراسة حديثة تناولت «انفاق شركات الطيران المتعثرة على إجراءات السلامة» نشرت قبل أسبوعين في منصة «هارفرد بيزنيس ريفيو»، يتبين أن الشركات الرائدة تكون في أحيان كثيرة أقل أمانا من غيرها، علما أنها أكثر قدرة على تحمل الكوارث والسخط الشعبي الناتج عنها.
وإذا كانت ثمة علاقة مباشرة بين معدل ربح شركات الطيران وجانب الأمان والسلامة، فإن أهم ما تستنتجه الدراسة أنه مهما بلغ «عدد الطائرات المشبوهة التي تضعها شركات الطيران خارج الخدمة» كما هو الحال بعد توقيف رحلات «بوينغ 737 ماكس»، فإن «ما يقوم به الموظفون على الأرض وأثناء التحليق هو الأكثر أهمية».
4- في ضوء النتيجة أعلاه، لا بد أن تحتل إجراءات أمن وسلامة الطيران مرتبة أولى في هذه الظروف وهذه الفترة ولدى مختلف الاطراف المعنيين بالسفر، حتى لو كان على حساب تأخير بعض الرحلات لأسباب الأمان والسلامة. هذا يؤدي إلى التنويه بما قامت به الادارة العامة للطيران المدني لدى وقف تحليق طائرات «بوينغ 737 ماكس» في سماء الكويت، وبما قامت به الخطوط الجوية الكويتية باستئجار طائرات ايرباص، إنما الأولوية تتطلب اليقظة الدائمة متعددة الجوانب.
هذه الإرشادات العديدة المسبقة قد تعكر بنظر البعض صفو أجواء السفر بهدف الاصطياف والسياحة، ولكنها بالتأكيد تجعل فرص الاستمتاع بالعطل أقل خطرا، وخاصة بالنسبة للعائلات، حتى لو اقتضى الأمر تأخير أو تأجيل رحلة، أو تغيير شركة طيران (تحويل)، أو حتى تغيير الوجهة أحيانا.