قال تقرير شركة الوطني للاستثمار إن سوق السندات الدولية في دول مجلس التعاون الخليجي اقترب من تحقيق أفضل أداء له منذ سنة 2010. فقد حقق مؤشر Bloomberg Barclays لدول مجلس التعاون الخليجي ارتفاعا بلغ 15.2% منذ بداية العام حتى نهاية أغسطس 2019. ويعنى هذا المؤشر بقياس حركة السندات والصكوك الصادرة عن كيانات دول مجلس التعاون الخليجي التي تحمل تصنيف الدرجة الاستثمارية.
ويعود الفضل في هذا الأداء الاستثنائي إلى التراجع الحاد في العائدات العالمية، كما يعتبر نتيجة مباشرة للتغيرات التي طرأت على السياسة النقدية الأميركية، اذ أثر خفض أسعار الفائدة من قبل الفيدرالي الأميركي على كل الأصول المقومة بالدولار.
وأشار التقرير إلى أن التراجع في العائدات على سندات الخزانة الأميركية، سواء ان كان ناتجا عن تغير السياسة النقدية أو التغير في الآفاق الاقتصادية، يؤدي الى ارتفاع أسعار السندات المقومة بالدولار بسبب طبيعة العلاقة المعكوسة بين مستويات الفائدة وأسعار السندات. وذكر تقرير الوطني للاستثمار أن أداء منطقة مجلس التعاون الخليجي تميز عن أداء المناطق النظيرة الحاصلة على تصنيف مماثل على مستوى العالم.
فعلى سبيل المثال، حقق مؤشر سندات الشركات الأميركية التي تحمل تصنيف الدرجة الاستثمارية ارتفاعا وصل إلى 13.9% منذ بداية العام حتى أواخر أغسطس، بينما شهد مؤشر الأسواق الناشئة للدول ذات التصنيف المماثل ارتفاعا وصل إلى 13.3% خلال نفس الفترة، وهو ما يقل بواقع نقطة إلى نقطتين مئويتين عن سوق مجلس التعاون الخليجي. وتجدر الإشارة إلى أن هذا الأداء الجيد نسبيا قد تحقق بالرغم من تصاعد حدة التوترات السياسية في المنطقة وركود أسعار النفط، وقد ساعد بذلك قرار مؤسسة جي بي مورغان بضم خمسة بلدان من دول مجلس التعاون الخليجي إلى مؤشرها لسندات الأسواق الناشئة العالمي.
اهتمام المستثمرين
في أعقاب قرار مؤسسة جي بي مورغان بإدراج خمسة بلدان من دول مجلس التعاون الخليجي ضمن مؤشرها الرئيسي للأسواق الناشئة والمعروف بمؤشر سندات الأسواق الناشئة العالمي (JP Morgan EMBIG)، ارتفع مجموع وزن دول مجلس التعاون الخليجي إلى 15% وهو ما رفع إجمالي وزن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى نحو 20%.
وقد أثمر قرار الضم تدفق استثمارات ضخمة إلى سوق أدوات الدين في المنطقة تقدر بين 25 و30 مليار دولار. وقد ساعدت هذه الزيادة في الطلب على تقليل الفارق بين أسعار الفائدة في دول مجلس التعاون الخليجي وأسعار الفائدة لسندات الخزانة في الولايات المتحدة، مما دفع بأداء الأسواق الإقليمية لتتفوق على نظيراتها العالمية.
أنشئ مؤشر جي بي مورغان لسندات الأسواق الناشئة العالمي منذ حوالي 20 عاما، حيث حفزت الزيادة المستمرة في طلب المستثمرين على ديون الأسواق الناشئة إلى ظهور الحاجة لمؤشر لقياس أدائها. ويعتبر هذا المؤشر الأكثر تتبعاً بين المستثمرين في سندات الأسواق الناشئة.
ويأتي ضم السندات الخليجية لهذا المؤشر اعترافا بالحجم المتنامي وبالتالي الأهمية المتزايدة لهذه السوق، وهو ما يجعل تجاهل هذه المنطقة في المستقبل أمرا صعبا لأي مستثمر في محفظة عالمية متعددة الأصول وجيدة التنويع. وقد كان لقرار ضم السندات الخليجية إلى مؤشر جي بي مورغان للأسواق الناشئة آثار إيجابية أخرى، حيث ساهم في توسيع قاعدة المستثمرين في سوق الدين الإقليمية عبر زيادة حجم مشاركة المستثمرين الأجانب، وهو ما يعزز من قدرة السوق على استيعاب أي زيادة ملحوظة في إصدار السندات دون انعكاسات سلبية على الأسعار.
سوق مهيأة للنمو
يوجد توافق واسع في الآراء مفاده أن وتيرة إصدارات الصكوك والسندات في المنطقة ستبقى مرتفعة في المستقبل القريب نظرا للتفاوت في الميزانيات بين الإيرادات والنفقات، حيث زاد حجم العجز في المالية العامة لدول مجلس التعاون الخليجي نتيجة إطلاقها برامج إنفاق طموحة لتعزيز النمو الاقتصادي واتخاذ خطوات جريئة لتنويع اقتصاداتها بحيث لا تقتصر على النفط. لكن هذه الخطوات أدت إلى زيادة في الاقتراض - بتشجيع من انخفاض مستويات الفائدة - وبالتالي زيادة مديونياتها.
ومن ناحية أخرى، شهدت إصدارات الصكوك زيادة مستمرة، حيث تسعى الاقتصادات إلى تنويع مصادر تمويلها وتطوير سوق الديون الإسلامية. وقد وصل حجم إصدارات الصكوك لدول مجلس التعاون الخليجي بالدولار الأميركي إلى ما يقارب 20% من مجموع إصداراتها في العامين الأخيرين، بعد أن كان حجمها 15% في 2016. وقد تم إصدار نحو 45 مليار دولار من الصكوك منذ 2017.
وتبقى أحد أهم التحديات التي ستواجه الاقتصادات الإقليمية هي تحقيق التوازن بين الإنفاق العام ومستوى مقبول من المديونية. فقد شهد متوسط مستوى الديون بالنسبة إلى إجمالي الناتج المحلي ارتفاعا في دول مجلس التعاون الخليجي على مدار الأعوام الثلاثة الماضية، إلا أنه لا يزال أقل من نظيره في البلدان المتقدمة.