قال المركز المالي الكويتي (المركز) إن الكويت قد تعرضت لأزمتين في الوقت نفسه هما أزمة فيروس كورونا المستجد (كوفيد- 19) والتراجع الحاد في أسعار النفط. ولذلك، فإن الكويت بحاجة إلى تبني استراتيجية للتعافي السريع من الكوارث.
بدأ ظهور فيروس كورونا المستجد (كوفيد- 19) في مدينة ووهان الصينية خلال ديسمبر 2019، وساد اعتقاد في بداية الأمر أنه مرض يمكن احتواؤه، ولقد أثارت سرعة تزايد انتشار الفيروس داخل الصين، القلق في دول العالم مع غياب الحوافز المسببة للخوف، خاصة أن الاعتقاد الذي ساد هو أنها أزمة صينية محلية.
غير أن ذلك لم يمنع تعطل سلسلة الإمداد العالمية وتعديل توقعات نمو الاقتصاد العالمي سلبا وإن كان ذلك بهامش ضئيل نسبيا، إلا أن الفزع الحقيقي تجسد مع سرعة انتشار المرض في إيران وإيطاليا واليابان وكوريا الجنوبية، وكان من الطبيعي أن يؤثر الذعر في صناعة السفر العالمية، الأعمال التجارية، وأنظمة الرعاية الصحية، وغيرها من القطاعات، وعليه أعلنت الكويت عن ظهور حالات إصابة بفيروس كوفيد 19، وبادرت الحكومة بتنفيذ خطط استجابة سريعة، من قبيل إلغاء الرحلات الجوية من وإلى وجهات معينة، وإغلاق المدارس، وإعداد المستشفيات لحالات الطوارئ.
وضمن الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها الكويت للحد من انتشار الفيروس، أصدر مجلس الوزراء بتاريخ 15مارس 2020 مجموعة من القرارات في مؤتمره الصحافي بشأن التجمعات اشتملت على إيقاف جميع وسائل النقل العام الجماعي، وإغلاق مراكز وصالات الترفيه والتسلية ولعب الأطفال، وإغلاق المجمعات التجارية ومراكز التسوق (المولات) باستثناء منافذ التسويق المركزية الخاصة بالمواد التموينية والغذائية، وعدم السماح باستقبال أكثر من خمسة عملاء في وقت واحد داخل المطعم أو المقهى، وإغلاق الصالونات النسائية والرجالية، وفي حالة الانتظار في طابور يتم الالتزام بترك مسافة لا تقل عن متر بين كل شخص وآخر.
وشدد المجلس على ضرورة إلغاء دعوات الزواج والحفلات لتفادي النتائج الضارة المترتبة على التجمعات، والتي تتعارض مع التعليمات الصحية. وكانت الرسالة الواضحة من المؤتمر الصحافي لمجلس الوزراء أن هناك حالة عزل كبرى يجب أن تشيع في الكويت وكافة ضواحيها.
وأحدث فيروس كورونا المستجد (كوفيد- 19) حالة من الذعر في جميع أنحاء العالم، ولم تكن الكويت بمنأى عنها، اذ نجمت أزمة في المدارس والمستشفيات ومقار الأعمال والمطارات وغيرها من الأماكن الحيوية.
ومن هذا المنطلق، يتوجب العمل على إدارة هذه الأزمة من خلال تبني استراتيجية للتعافي من الكوارث، التي من شأنها تمكين الكويت من معالجة المشاكل بأسلوب أكثر تنظيما. وعند تصميم الاستراتيجية بشكل سليم، يسهل استئناف الخدمات بعد الأزمة.
وتعد خطة الاتصال خلال الأزمات جزءا لا يتجزأ من الخطة الوطنية لإدارة الكوارث، حيث يمكن للتواصل الواضح والسريع أن يسهم في تهدئة المخاوف بسهولة ويتيح للأفراد فرصة الرجوع إلى الحياة الطبيعية في أسرع وقت.
وعلى الرغم من أن الخطة المقترحة تتعلق بأزمة «كورونا»، إلا أن مبدأ صياغة خطة وطنية لإدارة الكوارث يجب أن يكون أمرا دائما لتتمكن الدولة من مواجهة أي أزمة في المستقبل بأقل الخسائر.
ولقد تراجع سعر خام النفط الخام بنسبة تناهز 30% إلى 36 دولارا للبرميل، في ظل ترقب خبراء السوق لمزيد من التراجع مستقبلا.
وكان هذا التدهور الكبير نتيجة قرار السعودية زيادة إنتاجها وحجم العرض وخفض السعر من أجل الحصول على حصة أكبر في السوق.
وأقدمت المملكة على هذه الخطوة بعد أن رفضت روسيا الاتفاق على مزيد من خفض الإنتاج، بعد أن أصبح تفشي فيروس كورونا يهدد حجم الطلب العالمي.
وكانت خطوة المملكة مفاجئة من ناحية التوقعات والتوقيت خاصة مع تراجع الطلب العالمي الذي أثار مخاوف الركود الاقتصادي.
ونتذكر هنا ما حدث في 2014، عندما اتبعت المملكة استراتيجية زيادة الإنتاج بغية التصدي لإنتاج النفط الصخري، إلا أن هذه الاستراتيجية لم تنجح.
الحقيقة أن حرب تحطيم الأسعار هذه لن تشهد منتصرين بقدر ما سوف يعاني منها العديد من الخاسرين. وبينما تصب هذه السياسة في مصلحة كبار الدول المستهلكة للنفط، مثل الصين والهند، فإن خفض سعر النفط على خلفية ضعف الطلب يلحق الضرر البالغ بالدول المصدرة للنفط، بما في ذلك الكويت.
ويرى محللون أن سعر النفط الجديد يضر منتجي النفط الصخري الأميركي بشدة، وهم يعانون بالفعل من أزمات مالية كبيرة. وتبلغ إسهامات شركات الطاقة الأميركية في إجمالي إصدارات سوق السندات المتعثرة بنسبة 11%.
وبينما تتعلق النقاط السابقة بالتأثير على النطاق الأوسع للاقتصاد، علينا دراسة تأثير تدهور أسعار النفط في القطاعات الأخرى، وخاصة القطاع الخاص والشركات الصغيرة والمتوسطة.
ففي إطار سعيها لتنويع الاقتصاد وخلق المزيد من فرص العمل، تنتظر الحكومة من القطاع الخاص دورا أكبر في توفير الوظائف.
على أن تراجع سعر النفط يعني وضع قيود على حجم الإنفاق الحكومي بوجه عام والإنفاق على تنفيذ المشاريع بوجه خاص، وهو ما سوف يؤثر سلبا على نمو القطاع الخاص غير النفطي.
وهنا تصبح الكيانات الصغيرة والمتوسطة ضحية حتمية لأنها سوف تعجز عن تحمل الأزمة، بسبب حجمها وأدائها.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن مساهمة الشركات الصغيرة والمتوسطة تبلغ 3% من الناتج المحلي الإجمالي وتوفر 23% من الوظائف (البنك الدولي، 2016).
ومن المؤكد أن تشجيع ورعاية ثقافة ريادة الأعمال ضرورة في كل وقت لأي مسعى إلى تنويع الاقتصاد بعيدا عن عوائد النفط.
في حال اتسع عجز الموازنة إلى حدود تخرج عن نطاق السيطرة، تستجيب الحكومة عادة بتنفيذ سياسات من قبيل خفض الإنفاق أو زيادة الإيرادات غير النفطية (مثل الضرائب) أو كلتا السياستين.
وقد كفلت حكومة الكويت لمواطنيها الوظائف والرعاية الصحية ومعاش التقاعد.
ولكن الجهود المبذولة للحد من الإنفاق أو فرض الضرائب تؤدي إلى زعزعة هذا العقد الاجتماعي. كما أن الجزء الأكبر من الإنفاق في الدولة موجه إلى رواتب موظفي الحكومة والدعم.
ويتسع المجال أمام الارتقاء بكفاءة الخدمات الحكومية والحد من أوجه الفساد كوسيلة للسيطرة على حجم الإنفاق. إضافة إلى ذلك، فإن فرض الأعباء على المواطنين من دون معالجة هذه القضايا الملحة يبعث على خيبة الأمل على الصعيد الاجتماعي.
وعند الحديث عن السياسات الناجحة خلال أزمة انهيار أسعار النفط، نجد العديد من الخيارات المتاحة. أولها وأهمها، ولأجل طمأنة القطاع الخاص والشركات الصغيرة والمتوسطة، أن تشرع الحكومة في تنفيذ برنامج استثمار مواجه لتقلبات الدورات الاقتصادية بغية دعم السيولة.
ويجب أن يهدف برنامج الاستثمار المطبق على المستوى الوطني، ويمكن تسميته برنامج الاستثمار الوطني، إلى استغلال الاحتياطيات الحكومية في تقديم مزيد من الدعم إلى القطاع الخاص والشركات الصغيرة والمتوسطة خلال فترات الأزمات، مع تقييد هذا الدعم عقب تجاوز الأزمة.
ولكن تبني مثل هذا البرنامج هو جوهر التصدي لقضية الاستدامة. وفي حين أن الاستثمارات تواجه تقلبات الدورة الاقتصادية، إلا أن الإصلاحات لا ينبغي أن تكون على هذا المنوال.
فمن اللازم استمرار الإصلاحات الاقتصادية، خاصة في القطاعات الرئيسية مثل التعليم والرعاية الصحية، مع قياس تأثيرها وجدواها وإعداد تقارير حالة دورية عنها لتحقيق تقدم لافت في التصنيفات التنافسية العالمية. ولا بد أن تهدف الإصلاحات إلى توفير بيئة الأعمال الخصبة الجذابة لأنشطة وعمليات المستثمرين الوطنيين والأجانب.