في سوق مثل سوق الأسهم ينبغي على مسؤولي الشركات المدرجة به أن ينتبهوا جيدا ليس لكلماتهم فقط بل لكل حرف يخرج من أفواههم وكل همسة تصدر عنهم، لأن غير ذلك يعني اللعب بالنار. هفوة بسيطة كفيلة بأن تهوي بأقوى شركة إلى الحضيض في لمح البصر.
هذا ما تعلمه رجل الأعمال البريطاني الشهير «جيرالد راتنر» قبل ما يقرب من 28 عاما ولكن بالطريقة الصعبة. فعندما صعد الرجل إلى مسرح قاعة ألبرت الملكية في لندن في أبريل 1991 ليلقي كلمة أمام حشد من نخبة المجتمع والشخصيات العامة لم يكن لديه فكرة أن خطابه ذلك سيكون بمنزلة عقوبة إعدام للشركة التي عاش عمره يبنيها.
ففي الأيام السابقة على يوم المؤتمر، جلس «راتنر» مع أحد المستشارين والذي أعد له مسودة للخطاب الذي سيلقيه على مسامع الحضور بعد أيام، ووافق عليها.
ولكن ذلك المستشار نصح «راتنر» بأن يتضمن خطابه نكتتين أو أكثر لأن الناس يحبون النكات. أخذ «راتنرز» بالنصيحة ولكنه نفذها بأسوأ طريقة ممكنة.
وفي الليلة المشؤومة، صعد «راتنر» على خشبة المسرح ليلقي كلمته التي استمرت لنحو 25 دقيقة، تحدث في بدايتها حول القيم الأخلاقية والمهنية العامة وأشياء مثل الازدهار والجودة، وذلك قبل أن يلقي بقنبلة في وجه الجمهور كانت عبارة عن سلسلة من النكات الصادمة التي سخر فيها من جودة منتجات شركته.
تعالت ضحكات الحضور الذين بدا عليهم الدهشة من استهانة الرجل بالسخرية من منتجات شركته ليشك بعضهم فيما إذا كان واعيا لما يقول، ولكن «راتنر» لم يتركهم في حيرة من أمرهم وبعد عدة دقائق قطع الشك باليقين حين رمى على مسامعهم نكتته الثالثة: «إننا نبيع زوجا من الأقراط الذهبية مقابل أقل من واحد جنيه إسترليني، ويقول بعض الناس إنها أرخص من ساندوتش الجمبري!.. ولكن كي أصدقهم القول، أقول لهم إن ساندوتش الجمبري من المحتمل أن يعيش لفترة أطول من هذه الأقراط!».
انتهت الكلمة وسط سعادة ودهشة الحضور. ولكن في صباح اليوم التالي استيقظ «راتنر» على الأخبار المرعبة، فقد احتلت نكاته عناوين الصحف البريطانية التي كانت تتحدث عن المدير التنفيذي لأكبر سلسلة متاجر مجوهرات في البلاد الذي وصف منتجاته بالرداءة، فجأة أصبحت نكات «راتنر» حديث البلاد.
وفي غضون عدة أيام فقدت الشركة نحو 500 مليون جنيه إسترليني من قيمتها السوقية، وبحلول نهاية عام 1991 انخفض سعر سهم «راتنرز» بما يقرب من 80%.