تحت عنوان «النزاع التعاقدي يزيد مخاطر الاستثمار في مصر»، استعرض تقرير نشرته إحدى المجلات بقلم «توري ماكدونالد» حالة الفوضى التي يتعرض لها الاقتصاد المصري رغم إجراءات الإصلاح الاقتصادي التي سنتها مؤخرا، وخفض الدين العام، حيث فشلت في الحفاظ على سيادة القانون، والتزاماتها التعاقدية بشكل خاص وهذا ما بعث برسالة مقلقة للمستثمرين حول استعداد الحكومة المصرية للوفاء بالتزاماتها اتجاه المستثمرين. وفيما يلي جاء في التقرير:
على مدى الأسابيع القليلة الماضية، انغمس الاقتصاد المصري في حالة من الفوضى، ما أدى إلى محو بعض النجاحات الاقتصادية الأخيرة للدولة، في الوقت الحالي، تبحث مصر ودول أخرى في جميع أنحاء شمال أفريقيا بحثا مضنيا عن الاستثمار الأجنبي، حيث تكافح تلك الدول لإيجاد طريق للمضي قدما وسط أزمة نفطية غير مسبوقة وانهيار في قطاع السياحة.
في حالة مصر، فإن عرضها للمستثمرين الأجانب واضح ومباشر بما فيه الكفاية، ويسلط الضوء على إجراءات الإصلاح الاقتصادي التي سنتها مؤخرا، وخفض الدين العام، بالإضافة إلى ارتفاع قيمة الجنيه المصري على الرغم من أزمة فيروس كورونا المستمرة، حيث إنها تجعل هذه الحالة على خلفية معدل نمو 5% في العامين الماضيين. ولكن على الرغم من أن هذه الإجراءات المعلنة أعلاه قد تبدو واعدة للمستثمرين، إلا أن مصر لن تحقق أي فائدة إذ فشلت الدولة في الحفاظ على سيادة القانون، والتزاماتها التعاقدية بشكل خاص. وأي شيء أقل من ذلك سوف يبعث برسالة مقلقة للمستثمرين حول استعداد الحكومة المصرية للوفاء بالتزاماتها، كما أنها ستكون خطوة خطيرة لأن المستثمرين بحاجة إلى ضمانات بأن الحكومة المصرية ستفي بالتزاماتها. لكن للأسف تقوض مصر تلك الثقة، وذلك بالنظر إلى تعامل الحكومة المصرية مع عقدها مع شركة دمياط ـ الدولية للموانئ (ديبكو). ففي فبراير، أصدرت محكمة التحكيم الدولية حكما لصالح ديبكو وضد هيئة ميناء دمياط (التابعة لوزارة النقل المصرية)، وأمرت هيئة ميناء دمياط بدفع ما مجموعه 427 مليون دولار إلى «ديبكو»، بما في ذلك 120 مليون دولار مقابل ما فات من كسب، وذلك نتيجة لقرار هيئة ميناء دمياط بفسخ عقد الامتياز فسخا غير قانوني وهو العقد الذي تبلغ مدته 40 عاما مع شركة ديبكو لبناء وتشغيل ميناء بحري في مدينة دمياط بمصر. لقد كان من شأن توسيع ميناء دمياط خلق منافع طويلة الأجل لمصر واقتصادها النامي. بالإضافة إلى ذلك، وبوصفها مساهم في المشروع، فإن هيئة ميناء دمياط ومصر أصرتا على جني أرباح مالية ضخمة من الرسوم الجمركية لتوسعة منشأة الميناء الجديدة. وبدلا من ذلك، خلصت محكمة التحكيم الدولية إلى أن هيئة ميناء دمياط أخلت بعقد الامتياز، وتصرفت بطريقة تعسفية وأخلت بشروط العقد إخلالا غير قانوني.
يوضح قرار التحكيم الأخير ضد مصر نمطا قائما لدعوة الاستثمار الأجنبي فقط لتقويض المشاريع المدعومة. في الواقع، إن حكم «ديبكو» هو مجرد واحد من سلسلة طويلة من النزاعات التحكيمية والأحكام ضد مصر منذ الربيع العربي في 2011. مدينة دمياط نفسها، على سبيل المثال، كانت موقعا لعدة دعاوى تحكيمية دولية أخرى تتعلق بصناعة الغاز الطبيعي.
في دعوى حديثة، صدر حكم لصالح شركة يونيو فينوسا جاس (Unión Fenosa Gas)، وهي واحدة من أكبر 3 شركات للغاز في إسبانيا، قيمته ملياري دولار ضد مصر من قبل المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار ICSID.
ولكي نكون منصفين، فإن مصر ليست وحيدة في الخلاف مع المستثمرين، فعلى سبيل المثال، تخضع الكويت للتحكيم المنفصل الذي يشمل المستثمرين المصريين في قطاع العقارات، حيث نشأت هذه القضية من قيام وزارة المالية الكويتية بإلغاء عقد مشروع قرية شرق التراثية.
تم التخطيط لقرية شرق التراثية كمشروع تطوير حضري كبير، بما في ذلك ترميم المباني التاريخية، وتشغيل فندق ومطاعم والعديد من المباني التجارية في مدينة الكويت، لكن تم فسخ العقد في نهاية الأمر، مما أثار دعاوى قضائية مماثلة لتلك الدعوى في مدينة دمياط.
وفي جميع أنحاء العالم، تتراجع البلدان ذات الاقتصادات الناشئة عن العقود أو تتخلف عن الوفاء بالتزامات الديون مع الدائنين الأجانب بتواتر مثير للقلق. وكانت قد أفادت وكالة موديز انه بين 1998 و2015، أخلت ما لا يقل عن 16 جهة إصدار للسندات السيادية في كل من اليونان والإكوادور وجامايكا وبليز والأرجنتين مرتين خلال الفترة الزمنية نفسها فقط. في مارس، اعترفت الإكوادور بأنها لن تتمكن من تسديد 200 مليون دولار لـ 3 من سنداتها السيادية، وهو تطور من المرجح أن يصبح أكثر شيوعا، حيث تسبب وباء كورونا في تدمير الاقتصادات في العالم النامي.
لكن يبرز الوضع في مصر لأن عدد الإخلالات بالعقود والنزاعات في أكبر اقتصاد في شمال أفريقيا كان أعلى بشكل ملحوظ عنه في البلدان الأخرى، وبالتالي تحتاج مصر إلى تصحيح هذا الوضع بسرعة. أهمية الاستثمار الأجنبي ستكون كبيرة لإعادة البناء من هذا الوباء في مصر، خاصة انه في الوقت الذي أشارت فيه البنوك الدولية إلى أنها قد تزيد من سعر الفائدة لتعكس ارتفاع مخاطر الإخلال دون علاج فعال لاسترداد الأضرار.
لكن احتمال مثل هذا الاستثمار معرض للخطر نتيجة لافتقار البلاد للشفافية وهو الأمر الذي يثير قلق المستثمرين الأجانب، والنهج المتعجرف تجاه العقود والتجاهل الواضح لسيادة القانون.