في الأشهر الأخيرة يعيش العالم دون مبالغة أكبر أزمة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وذلك إثر انتشار فيروس كورونا المستجد، وبلا شك تعتبر الأزمة الحالية أكبر وأوسع نطاقا من أزمة 2008 وربما أشد إيلاما من الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي.
الأزمة التي أخذت العالم كله على حين غرة في بداية العام الحالي أربكت صناع السياسة المالية والنقدية في كل مكان بينما يحاولون مجاراة تطوراتها وتداعياتها المتسارعة، وكالعادة كانت الساحة الأبرز والأكثر سخونة هي الولايات المتحدة، والتي يحاول فيها مجلس الاحتياطي الفيدرالي باعتباره البنك المركزي للبلاد استخدام كل أدواته المتاحة في إدارة الأزمة لكي يخرج الاقتصاد الأميركي منها بأقل الأضرار.
كل شيء متاح ولا توجد هناك خطوط حمراء.. هذا هو جوهر تصريحات قيادات الفيدرالي وفي مقدمتهم رئيسه «جيروم باول» في الأسابيع الأخيرة بينما يؤكدون استعداد البنك لفعل أي شيء من أجل تجنيب الاقتصاد الأميركي ـ الأكبر في العالم ـ أسوأ السيناريوهات.
وكجزء من جهوده لإدارة الأزمة، أنشأ الفيدرالي 9 آليات إقراض (MLF) جديدة لتزويد العالم بأسره بالسيولة الدولارية، وفي الوقت ذاته دخل الفيدرالي إلى سوق الديون ليشتري كميات هائلة من الديون العامة والخاصة، ما أدى إلى ارتفاع قيمة ميزانيته العمومية من 4.1 تريليونات دولار أواخر فبراير الماضي إلى ما يقرب من 7 تريليونات دولار حاليا، وفقا لـ «أرقام».
ويتوقع المحللون أن تصل قيمة الميزانية العمومية للبنك إلى 9 تريليونات دولار بحلول نهاية العام الحالي.
وتشير تقديرات «هارفارد بيزنس ريفيو» إلى أنه وفق السرعة الحالية وسياسة اللاسقف المعلنة فإن الفيدرالي يضخ تقريبا مليون دولار كل ثانية في النظام المالي الأميركي.
الإبحار في مياه بحر كورونا المجهولة يقتضي التفكير في نوع المخاطر التي قد تغرق سفينة الاقتصاد الأميركي، وفي ضوء هذا الكم الهائل من السيولة التي يضخها الفيدرالي منذ بداية الأزمة ربما لا يوجد سيناريو يخافه الناس أكثر من خروج معدل التضخم عن نطاق السيطرة ودخول الاقتصاد الأميركي في كارثة تضخمية.
الكل يفترض أنه بما أن المعروض النقدي زاد بهذه الكميات الهائلة من الأموال، فإن التضخم الجامح هو النتيجة المنطقية المتوقعة، لكن على عكس ما يتوقعه الجميع، الاقتصاد الأميركي ورغم كل التريليونات التي يتم ضخها فيه الآن أبعد ما يكون عن خطر التضخم المفرط.
أين ذهبت الأموال؟
في العادة يرتفع معدل التضخم في حالة من اثنتين: الأولى عندما ترتفع الأسعار بسبب زيادة تكاليف الإنتاج وسط ارتفاع أسعار المواد الخام أو الأجور، أما الثانية فهي حين يصبح المستهلكون على استعداد لدفع المزيد مقابل السلع والخدمات، بعد أن أصبح لديهم أموال أكثر على خلفية زيادة المعروض النقدي.
حال الاقتصاد الأميركي اليوم لا تتوافر فيه أي من الأسباب التي قد تؤدي إلى التضخم، بل إن ما يحدث هو العكس تماما.
فهناك انخفاض هائل وغير مسبوق في مستويات الطلب من قبل المستهلكين وتراجع حاد في مستويات الإنفاق، وفي الوقت نفسه هناك انهيار في أسعار الطاقة.
ولكن أين ذهبت الأموال التي تم ضخها في الاقتصاد الأميركي خلال الأسابيع الأخيرة؟ التريليونات التي ضخها الفيدرالي لم تدخل بشكل مباشر إلى الاقتصاد الحقيقي بل استقرت في الميزانيات العمومية للبنوك بغرض دعمها في مواجهة حالات الذعر والتخلف عن السداد المحتملة.
أما الشيكات التي أرسلتها وزارة الخزانة الأميركية إلى المواطنين فلم تؤثر كثيرا على مستويات الطلب بسبب ميل أغلب المستهلكين إلى الادخار في الوقت الحالي.
ببساطة، كل الأموال التي تم ضخها في الفترة الأخيرة سواء من قبل الكونغرس أو الفيدرالي أو وزارة الخزانة لن تعوض حجم الخسائر التي تكبدها الاقتصاد منذ بداية الأزمة.
هذه التريليونات بالكاد تحل محل الدخول والإيرادات التجارية الضائعة، وسيستخدمها معظم المستفيدين في دفع ثمن أساسيات مثل الإيجار والطعام والدواء.
حتى الشركات التي حصلت أو ستحصل على قروض أو دعم مالي مباشر ستفكر ألف مرة قبل أن تنفق هذه الأموال في ظل الظروف الحالية.
وعلى هذا الأساس من غير المرجح أن يخرج معدل التضخم في الولايات المتحدة عن نطاق السيطرة مهما ضخ الفيدرالي أو وزارة الخزانة من أموال.