بقلم: د.عبدالوهاب عبدالقادر السرحان .. باحث في الشأن الاقتصادي
بعد إجراء تحليل معامل الارتباط الخطي البسيط توصلنا إلى أن هناك علاقة طردية وثيقة بين استشراء الفساد وعمليات غسيل الأموال فالأول يساعد على وقوع الثاني.
بمعنى آخر أن عمليات غسيل الأموال أو تبييضها أو تنظيفها كما يسميها البعض تكون ميسورة كلما توافرت بيئة عمل فاسدة لبعض الهيئات أو المسؤولين الذين تعود عليهم الفائدة من تمرير تلك العمليات.
وتهدف عمليات غسيل الأموال إلى إضفاء الشرعية القانونية على أموال تم اكتسابها بطريقة غير شرعية وبمخالفة واضحة وصريحة للقانون، كتلك الأموال التي تتم حيازتها من تجارة المخدرات والأسلحة أو عمليات الاتجار بالبشر والدعارة، وكذلك الرشوة والاختلاس والتهرب الضريبي وغيرها من الأعمال المجرمة.
ويمكننا القول بأن الأموال المكتسبة من تلك الأعمال هي أموال قذرة بطبيعتها يقوم أصحابها بغسلها وتنظيفها بطريقة منظمة حتى يتسنى لهم التصرف بها وإدارتها واستثمارها ومن ثم تحويلها إلى أموال نظيفة بشكلها.
يتم ذلك عن طريق القيام بأنشطة تجارية والدخول في مشاريع وهمية الهدف منها جعل هذه الأموال مشروعة، حيث يتم إيداعها في البنوك بشكل دوري على أنها أرباح محققة من تلك الأنشطة والمشاريع وبما يتوافق مع الأنظمة المصرفية وأجهزة الرقابة المالية، وما أن تودع تلك الأموال في البنوك فقد تمت العملية بسلام وتحولت الأموال من قذرة إلى نظيفة ما لم يقدم فيها بلاغ اشتباه من البنوك نفسها.
مبالغ ضخمة
وتجدر الإشارة إلى أنه كلما زادت مبالغ الأموال المحصلة بطريقة غير شرعية زادت العملية تعقيدا. فعلى سبيل المثال، اختلاس الأموال العامة من مقدرات الشعوب والتي يتم نهبها من مصادر الإيرادات الرئيسية لدولة ما كالموارد الطبيعية وصناديق الاستثمار، لا يتم تبييضها إلا بمشاركة شخصيات سياسية نافذة في تلك الدولة، وقد تتم الاستعانة بدول وبنوك ومؤسسات عالمية مختصة في هذا المجال لمساعدة هذه الشخصيات على عمليات الغسل مقابل الحصول على نسب مقطوعة من
المبالغ المختلسة.
وبحسب تقرير مكتب المخدرات والجريمة التابع للأمم المتحدة، تقدر الأموال التي يتم غسلها سنويا حول العالم بـ 2 تريليون دولار، أي ما يعادل 4 أضعاف مصروفات الموازنات العامة لدول الخليج مجتمعة، ويشكل هذا المبلغ 2.5% من قيمة الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ولا شك أن هذا الرقم المتضخم له آثار وعواقب وخيمة خاصة على اقتصادات الدول التي تنامت فيها عمليات غسيل الأموال.
استنزاف الاقتصادات
ونتيجة لهذه الآثار التي تستنزف الاقتصاد القومي وتبطئ نموه وغيرها من الآثار السياسية والاجتماعية والأمنية، دأبت مجموعة العمل المالي «FATF»، وهي منظمة دولية أنشئت في عام 1989 لمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، مقرها الرئيسي باريس، على وضع المعايير والتدابير القانونية التي يجب على الدول تطبيقها لمكافحة غسيل الأموال ودعم الإرهاب.
ولم تكن مجموعة العمل المالي الوحيدة في التصدي لهذه الظاهرة، بل حارب المجتمع الدولي بأسره عمليات غسيل الأموال من خلال فرض عقوبات على الدول التي تتهاون في الحد من انتشار هذا النوع من الجرائم المالية، وقد تصل تلك العقوبات إلى درجة وضع الدولة المتواطئة على القائمة السوداء، ومن ثم وقف التعاملات المالية معها وعدم منحها القروض من صندوق النقد والبنك الدوليين، وكذلك استبعادها من النظام المصرفي العالمي.
دول الخليج وغسيل الأموال
على الرغم من عدم وجود إحصائيات واضحة تبين حجم المبالغ المرصودة لعمليات غسيل الأموال في دول الخليج، إلا أن مظاهر هذا النوع من الجرائم بات ملحوظا ومتكررا لدى بعض دول المنطقة في الآونة الأخيرة.
فمن هذه المظاهر، تضخم حسابات بعض السياسيين النافذين بشكل مفاجئ ومن غير ممارسة أي تجارة ظاهرة أو الحصول على إرث يتناسب مع تلك الحسابات.
ومنها كذلك زيادة أعداد الأشخاص فائقي الثراء بسرعة كبيرة في دول الخليج كما أشارت مجلة «CEO WORLD» الأميركية، في تقريرها الصادر في نوفمبر 2019، بالإضافة إلى الشبهات التي تحوم حول بعض مشاهير السوشيال ميديا بسبب تضخم أرصدتهم البنكية.
ومن المظاهر التي تثير الريبة، بعض تجارة مزايين الإبل وصنف الماعز وغيرها من الحيوانات التي يتم تداولها عن طريق عمليات البيع والشراء بأسعار تفوق الخيال من أجل التغطية على بعض الأموال التي تم اكتسابها بطريقة غير مشروعة.
ولا ننسى ظاهرة انتشار معارض النصب العقاري التي راح ضحيتها عدد لا يستهان به من المواطنين الذين عقدوا الآمال على استثمار ما لديهم من أموال في عقار خارجي أو داخلي ليكون لهم ذخرا لمستقبلهم ومستقبل أبنائهم.
بيئة مهيأة لغسيل الأموال
يذكر أن الترتيب العالمي لدول الخليج في مكافحة غسيل الأموال غير مطمئن لبعض دول المنطقة، حسبما جاء في التقرير الأخير للجنة بازل للرقابة المصرفية.
ويرجع ذلك إلى عدة أسباب، منها زيادة الانفتاح الاقتصادي في الخليج والذي أدى إلى زيادة عدد الشركات والمؤسسات وبالتالي زيادة العمليات المالية والتحويلات الداخلة والخارجة مما جعل البيئة مهيأة لعمليات الغسل، فكلما زادت الأنشطة التجارية والمالية في دولة ما كان اكتشاف عمليات غسيل الأموال أصعب خاصة مع عدم تطور أجهزة الرقابة التجارية والمالية التي يجب أن تجاري احترافية غاسلي الأموال في التحايل على القانون.
ومنها كذلك السرية في العمل المصرفي والذي يعتبر أساسا من أسس عمل المصارف لحفظ خصوصية العملاء، إلا أن هذه السرية تجعل الكشف عن عمليات غسيل الأموال أكثر صعوبة، خاصة إذا بلغت درجة هذه السرية مبلغا لا يسمح فيه للمراقبين والمحققين في الكشف عن بعض الحسابات المشبوهة، وهذا ما اتبعته البنوك السويسرية التي استغلها الكثير من غاسلي الأموال خاصة المتنفذين منهم والسياسيين.
ومن الأسباب الواردة، انتشار التجارة الإلكترونية بشكل كبير جدا في المنطقة مقابل عدم وجود الخبرة الكافية لمديري الرقابة في المؤسسات المالية والمحققين في الأجهزة الأمنية للتعامل مع هذا النوع من التجارة نظرا لتطورها السريع.
أما السبب الجوهري فهو ارتفاع مؤشر مدركات الفساد في المنطقة وتذبذب معيار الشفافية المالية حسب تقرير منظمة الشفافية الدولية، وكما ذكرنا آنفا أن الفساد وغسيل الأموال وجهان لعملة واحدة فانتشار الفساد الإداري والمالي في المؤسسات يؤدي إلى تسهيل العمليات المالية المشبوهة.
عوامل تحد من انتشار غسيل الأموال
1- محاربة الفساد الإداري والمالي، والذي يعد انتشاره بيئة خصبة لتنظيف الأموال غير المشروعة خاصة مع غياب الشفافية، بل ويعد الفساد من أهم أسباب تخلف الأمم ودمار الدول وزوالها، أما عن محاربته فهي مسؤولية مجتمعية شاملة يتشارك فيها صناع القرار والقائمين على إدارة الدولة بجميع المستويات.
2- تدريب وتأهيل الموظفين العاملين في المؤسسات المالية والرقابية ذات الصلة على طرق وأساليب اكتشاف عمليات غسيل الأموال المعاصرة وبالاستعانة بجهات تدريبية معتمدة عالميا في هذا الشأن على أن يكون هذا التدريب مستمرا ومتماشيا مع تطور احترافية غاسلي الأموال.
3- إعادة النظر في قانون سرية العمل المصرفي لتحقيق التوازن بين خصوصية العميل وحقه في المحافظة على درجة من السرية لمعلومات حسابه المصرفي وبين المحافظة على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، بحيث لا يسمح لأصحاب الجرائم استغلال هذه السرية كنقطة تمركز للتغطية على جرائمهم.
4- محاسبة الشركات والأفراد الضالعين في عمليات غسيل الأموال وتقديمهم إلى محاكمة عادلة للإسراع في تطبيق القانون عند نطق القضاء بثبوت التهم عليهم، لكي يرتدع من تسول له نفسه بالإقدام على مثل هذه العمليات المالية المشبوهة في المستقبل.
5- تنظيم وتقنين التجارة الإلكترونية وحملات وسائل التواصل الاجتماعي الإعلانية، من خلال تشريع قانون فرض الضرائب على هذا النوع الحديث من التجارة وعلى أصحاب الإعلانات من مشاهير السوشيال ميديا، وذلك لأن النظام الضريبي هو نظام رقابي ناجح نسبيا على مصادر الدخول المكتسبة للأفراد والشركات.
6- توعية المواطنين والمقيمين، من خلال أحدث الوسائل الإعلامية وتحذيرهم من الولوج في أي عمليات مالية مشبوهة، لما لها من آثار وعواقب وخيمة على سمعة الفرد ومستقبل أسرته ومن ثم اقتصاد مجتمعه.
أضرار غسيل الأموال
٭ استنزاف اقتصاد الدولة: عندما يتم تحويل مبالغ كبيرة من الأموال بحجة غسلها إلى بنوك الدول الأخرى فإن الاستثمار المحلي يقل في المشاريع التنموية التي تدعم الاقتصاد الوطني وتنوع مصادر دخله وتحد من معدلات البطالة، نظرا لانخفاض الأرصدة التي تغذي تلك المشاريع وانتقالها إلى الدول الأخرى وحرمان الاقتصاد الوطني من العوائد الإيجابية المتوقعة من تلك الأرصدة.
٭ ارتفاع معدلات التضخم: تؤدي زيادة المبالغ المحصلة من الأنشطة المجرمة إلى زيادة السيولة النقدية بما لا يتوافق مع حجم الإنتاج من السلع والخدمات، وكنتيجة طبيعية لهذه الزيادة ترتفع أسعار السلع والخدمات داخل حدود الدولة فيقع ضحيتها ذوو الدخل المحدود.
٭ غياب المنافسة: زعزعة عملية المنافسة الشريفة في السوق المحلي وإيقاع الضرر على أصحاب المشاريع الشرعية الناشئة لاسيما الصغيرة منها والمتوسطة، لأن هدف المنافس الجديد هو غسيل الأموال، وليس تحقيق الربح وبالتالي يكون هذا المنافس غير الشرعي على استعداد بأن يبيع منتجه بسعر أرخص من سعر السوق فيجذب المستهلكين نحوه، دون أن يأبه بالتكلفة الكلية للمنتج لما لديه من أموال نقدية بكميات كبيرة يسعى إلى تنظيفها.
٭ انخفاض معدل الاستثمار الأجنبي المباشر FDI: انطلاقا من قاعدة أن رأس المال جبان، فإن عمليات غسيل الأموال تؤدي إلى تثبيط إرادة المستثمر الأجنبي من الدخول في السوق المحلي بسبب تأثير هذه الجريمة المالية على اقتصاد الدولة وسمعتها من جهة، وزيادة المخاطر على النظام المالي نتيجة عدم نزاهة واستقرار المؤسسات المالية من جهة أخرى.
٭ انخفاض سعر صرف العملة: نتيجة لعمليات غسيل الأموال يقوم معظم أصحاب تلك الأموال بتحويلها إلى دول أجنبية لكي يتم إيداعها في بنوك خارج البلاد وبالتالي يتم استثمارها بأي شكل من الأشكال، ونتيجة للكميات الهائلة من التحويلات يزداد المعروض من العملة الوطنية مقابل ثبات الطلب عليها مما يؤدي إلى انخفاض سعر صرفها بالنسبة للعملات الأجنبية.
٭ التهرب الضريبي: يلجأ بعض أصحاب الأعمال إلى إخفاء الأرباح الحقيقية المتحصلة من أعمالهم عن الإدارة الضريبية، وذلك ليمتنعوا عن دفع جزء لا بأس به من الضرائب المباشرة على تلك الأرباح، مما يسهم في زيادة الضغط على الموازنة العامة للدولة والذي قد يؤدي إلى ظهور عجز حقيقي فيها، وبالتالي تلجأ الحكومة إلى زيادة نسبة الضرائب المباشرة وغير المباشرة لتغطية عجوزات الموازنة فتزداد معاناة دافعي الضريبة من أصحاب الأعمال.