الحكواتي أو الراوي أو القصاص الشعبي ويسمى «المسولفجي» باللهجة المحلية الكويتية هو شخصية شعبية معروفة ومحببة في الوطن العربي قاطبة ويتذكرها أهل الكويت قديما وتعد من علامات شهر رمضان المبارك وميزة محببة داخل المقاهي القديمة.
عن هذه الشخصية يقول الباحث في التراث الكويتي الكاتب أحمد بن برجس لـ «كونا» إن من الظواهر التي اندثرت في شهر رمضان الفضيل في الكويت شخصية «المسولفجي» الذي يعد قديما من أهم وسائل الفرجة والمتعة والتسلية وتزخر قصصه بالعبر والثقافات المختلفة التي تقوي الروح المعنوية والهمم وأواصر الترابط والمثل العليا. ويضيف البرجس ان الاستماع للمسولفجي عادة قديمة في المقاهي الكويتية الكبيرة، حيث يجلس في صدر المقهى ويحكي أهم السير والملاحم والبطولات الشعبية.
ويوضح أن ليالي رمضان مميزة لدى المسلمين يمتد فيها الوقت ويسهر الناس بعد يوم كامل من الصيام وللمجتمع العربي بشكل عام مفهوم خاص للمقهى حيث يعتبر ملتقى مناسبا بعد الإفطار يتجمع فيه العامة والخاصة للتسامر والفرجة والتسلية والاستماع بعيدا عن متاعب الحياة.
ويستذكر البرجس انه ورد في بعض الاقوال ان «المسولفجي» كان يقص حكاياته في قهوة بوناشي الواقعة أمام مسجد السوق ومقابل سوق المناخ في شهر رمضان وفي المقاهي الكائنة وراء السور أيضا، حيث يجتمع الشيوخ وكبار التجار وعامة الناس ويتناول السيرة الهلالية، خصوصا أبو زيد الهلالي وذياب بن غانم وسيرة عنترة بن شداد وغيرها من السير التي توارثتها الأجيال. ويشير الى ان جمهور المستمعين هم من الذكور وهذه الفئة غالبا ما يستهويها قصص البطولة والفروسية كملاحم سيف بن ذي يزن وعنترة بن شداد والزير سالم والظاهر بيبرس وأيضا قصص من التراث الاسلامي وما قيل عن الخليفة هارون الرشيد وألف ليلة وليلة والسندباد وكليلة ودمنة والاميرة ذات الهمة، مبينا انها جميعا تجسد وتصور شجاعة البطل ومدى كرمه ونبله بما فيها من صور الحب العفيف والكرم والحمية والوفاء والصدق والمروءة والجرأة. وفي السياق ذاته يؤكد الباحث في الفنون المسرحية ومعد البرامج التلفزيونية والإذاعية الناقد جاسم الغيث ان شخصية «المسولفجي» أقرب ما تكون للشخصية المسرحية التي تقوم بأداء تمثيلي يعكس طبيعة المجتمع آنذاك بما فيها من خيالاته ومتطلباته الاجتماعية، ومن هنا بدأت أهمية هذه الشخصية التي لا يكتفي صاحبها بسرد أحداث القصة إنما يجسد دور الشخصية بالحركة والصوت فيتفاعل مع جمهوره من حوله.
ويضيف الناقد الغيث ان مكانة وشهرة «المسولفجي» تعزز من قدرته على المحاكاة والسرد وإمكانياته الشخصية وقدرته على التمثيل والتعبير بملامح الوجه والجسد بانفعالات غالبا ما يكون مبالغا فيها لجذب وشد المستمعين والجالسين من حوله ونتيجة تفاعلهم مع أحداث القصة كانوا كأنهم يعيشون فصولها في تلك الساعة فترى الجالسون يكبرون ويهللون ويمثلون معه أحيانا من شدة حماسهم، خصوصا اذا كانت القصة ملحمية ومشهورة بالفروسية. ويقول ان «المسولفجي» يعمد بين حين وآخر الى أن ينتقي روايات وقصصا قريبة من ثقافة البلد نفسه أي من التراث الشعبي لبعض القرى وبشكل عام لم يكن «المسولفجي» يلتزم بنص القصص العامة حرفيا إنما كان له الحق في أن يضيف ويبتكر حسب نوع القصة وشهرتها. ويشير الى ان «المسولفجي» يبالغ في نسب المكارم الى أبطال روايته ويجعل النصر والنهايات السعيدة لهم لان المجتمع البسيط آنذاك كان يرفض بأي صورة من الصور ان ينتصر الشر على الخير فكان يعمد الى ان يصف اعداء البطل بالجبن والكذب والبخل والرياء والغدر والخيانة والنكث بالعهد وكل الصفات السيئة.
ويذكر الغيث ان تلك الروايات كانت تقدم على أجزاء بحيث يحكى في كل ليلة جزء بغرض التشويق كما يعمد «المسولفجي» الى ان يتوقف عادة في موقف حرج من الرواية حتى يشد المستمع ويجعله متلهفا لما سيحدث من احداث وينتظر الليلة المقبلة على أحر من الجمر. ويقول الغيث ان ظاهرة المسولفجي تعززت في الغالب في المجتمعات الأمية التي تقوم على ثقافة الأذن والعين بمعنى أنها اقتصرت على المشاهدة والاستماع فحسب من دون ان يكلف جمهور المستمعين مشقة القراءة.
ويضيف ان بعض (المسولفجية) كانوا يستعينون بأدوات منها الدروع والسيوف لتجسيد الموقف نفسه فمثلا عندما يتحدث عن عنترة بن شداد يصدر أثناء دخوله المعركة أصواتا وقرقعة ويرفع السيف وتعلو نبرته ويصبح صوته جهوريا وكأنه يتكلم بلسان القائد المنتصر محييا أجواء الحدث أما إذا كانت القصة تحمل مواقف محزنة فيعطي الجانب النفساني والحزين من خلال نبرة الصوت وتعابير الوجه والتباكي وإيماءات تثير الشفقة والحزن داخل نفوس المستمعين. ويذكر الغيث ان من الطرائف انه في إحدى الليالي عمد أحد الرواة الى ختم فصل من القصة يقول فيه ان عنترة وقع أسيرا مقيدا بالأغلال والأصفاد يحيط به أعداؤه ثم يقول الراوي «نكمل يا جماعة القصة في ليلة الغد» وعندها يثور السامعون من بسطاء المجلس ويصيحون بالراوي (لا) ويجبرونه بالقوة على إكمال القصة وإنهاء الفصل فيها بإطلاق سراح عنترة من سجنه وانتصاره على أعدائه لأنه لا يجوز لبطل كعنترة ان يهزم أبدا.