يقولون ان الحجية تسمو على النظام العام، وهو قول ظاهره الرحمة وباطنه العذاب، بل هو قول حق يراد به باطل، لأن الحكم وحجيته شيء، وتنفيذ الحكم شيء آخر، فالدكتور بادي الدوسري قد نفذ العقوبة المقضي بها في ذات الجنحة، تنفيذا قانونيا صحيحا وفق نص المادة 235 من قانون الإجراءات الجزائية وكان قيامه بتنفيذ هذه العقوبة شرطا لقبول طعنه على الحكم بالتمييز، لأنه اذا لم يقدم نفسه للتنفيذ اصبحت محكمة التمييز ملزمة بالحكم بسقوط الطعن عملا بحكم المادة 12 من القانون رقم 40/1972 بشأن حالات الطعن بالتمييز، فإذا ما اجيب د.بادي لطعنه وثبت صحة دفاعه وقضت محكمة التمييز بإلغاء الحكم الصادر بحبسه، فهل يهدر ما قام به من تنفيذ للحكم الصادر بحبسه؟
ان تنفيذ اي متهم للحكم الصادر ضده، سواء أكان هذا الحكم قد اصبح نهائيا باستنفاد سبل الطعن عليه او كان قد قضي بإلغائه، فإن التنفيذ يبقى صحيحا، ومن ثم فإنه ليس هناك ارتباط بين القضاء بالغاء الحكم، وتنفيذ المتهم للعقوبة وهذا هو ما تقتضيه قواعد العدالة لأنه لا يجوز ان يعاقب انسان عن فعل واحد مرتين.
والقول بأن حجية الأحكام تعلو النظام العام، وان عقوبة الحبس مع الشغل لا يجوز استبدالها بالخدمة لحساب الحكومة، وهو قول قصد منه الالتفاف على قاعدة اصولية من قواعد العدالة وهي انه لا يجوز ان يعاقب انسان عن فعل واحد مرتين.
والقول بأنه كان تحت بصر المحكمة وهي تقضي بحبس د.بادي ثلاثة اشهر مع الشغل ما يدل على انه قد نفذ العقوبة، وذلك توصلا من القائل القول بأن العقوبة المقضي بها في الحكم اللاحق غير تلك المقضي بها في الحكم السابق، والتي نفذها د.بادي، وهو قول مردود بأمرين، اولهما: قاعدة انه لا يجوز ان يضار الطاعن بطعنه، ويقصد بها هنا ان المشرع قد وضع حدودا للمحكمة، وهي تنظر الدعوى للمرة الثانية، في حال ما اذا كان الطعن من المتهم وحده، هذه الحدود لا يجوز لها تخطيها، فليس لها ان تحكم بعقوبة تزيد في مدتها على تلك التي سبق ان قضي بها، او ان تغلظ تلك العقوبة بأن تكون حبسا مع الشغل، بدلا من الحبس البسيط، وذلك للدلالة على ان عبارة مع الشغل التي وردت في منطوق الحكم كانت من قبيل التزيد، خاصة ان الحكم لم يورد في أسبابه ما يدل على انه قد قصد ان يكون الحبس مع الشغل، وثانيهما: انه من المستحيل ان يكون المشرع الكويتي قد انصرفت أرادته الى إهدار تنفيذ المتهم للعقوبة ايا كانت طريقة التنفيذ او نوعيته، بدلالة ما نصت عليه المادة 220 من قانون الإجراءات الجزائية من انه «اذا كان المحكوم عليه بعقوبة الحبس قد أمضى مدة في الحبس الاحتياطي على ذمة القضية التي صدر فيها الحكم وجب خصم مدة الحبس الاحتياطي من مدة الحبس المحكوم فيها عند تنفيذها».
وغني عن البيان ان الحبس الاحتياطي هو حبس بسيط، وعقوبة الحبس المقضي فيها قد تكون الحبس مع الشغل، ومع ذلك قد اوجب المشرع خصم مدة الحبس الاحتياطي، التي هي حبس بسيط، من المدة المحكوم فيها، وان كان الحبس مع الشغل.
وإذا ما كان د.بادي حسيان الدوسري قد سلم نفسه لتنفيذ عقوبة الحبس، وتم استبدال العقوبة عملا بحكم المادة 235 جزاء بالخدمة لدى الحكومة، فقد نفذ العقوبة وفق الثابت من كتاب مدير عام الإدارة العامة للمؤسسات الاصلاحية بتاريخ 3/7/2012.
اما اذا ما كان المقصود من الحديث عن حجية الاحكام القضائية هو العودة لما مضى وإزالته حتى وان كان صحيحا وهو امر لا يبرره مناصرة محام لموكله، لأن سيادة القانون وإحقاق الحق ومناصرة العدل يجب ان تعلو اي مصلحة شخصية، ولا شك في ان الضمير الاجتماعي للأمة لا يرضى ان يعاقب كل من استعمل حقه في الطعن بالتمييز على حكم صادر بحبسه بأن يفرض عليه تنفيذ العقوبة مرتين، وان كل ذلك يخالف مبادئ العدالة.