Note: English translation is not 100% accurate
المكيمي: القيادة السياسية لديها قراءة مستقبلية لكل المتغيرات إقليمياً ودولياً ونأمل أن تكون الحكومة المقبلة على مستوى التحديات والتعامل مع الأزمات
23 ديسمبر 2008
المصدر : الأنباء
أسامة دياب
أكدت استاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت د.هيلة المكيمي أن الكويت تمر بفترة انتقالية مهمة جدا هذه الايام نظرا لتزامن الجهود الرامية لتشكيل الحكومة الجديدة، التي تعتبر الخامسة في فترة وجيزة جدا من عمر المشهد السياسي الكويتي، مع العديد من التطورات على الساحتين الاقليمية والدولية.
جاء ذلك في مجمل كلمتها التي ألقتها أثناء الندوة التي أقامتها منظمة العمل الكويتي «معك» تحت عنوان «حكومة الفرصة الاخيرة» وأضافت المكيمي أنه لا يمكن قراءة المشهد السياسي الكويتي بمعزل عما يحدث على الساحتين الاقليمية والدولية، وخصوصا أن الوعي السياسي والقراءة السليمة لما يحدث على الساحتين من المفترض أن يكون الحافز الاكبر لوضع معايير لاختيار وزراء الحكومة المقبلة بناء على التحديات الاقليمية والدولية.
ولفتت إلى أن تصريحات السياسيين والمحللين الاقتصاديين تشير إلى أن الازمة الاقتصادية تطول الجميع وأن ما هو أسوأ قادم، وهذا ما تجلى بوضوح في تصريحات المستشارة الالمانية أنجيلا ميركل وتحذيرها للالمان من صعوبة الاوضاع الاقتصادية في عام 2009، مع الوضع في الاعتبار أن ألمانيا هي واحدة من أقوى الاقتصاديات العالمية فما بالنا بالدول الاخرى.
وأشارت إلى أن المنطقة تشهد وضعا اقتصاديا مترديا بسبب تراجع أسعار النفط وانهيار بعض الاقتصاديات في المنطقة ونموذج دبي الذي أصبح مهددا، بالاضافة إلى وجود العديد من الملفات الاقليمية المفتوحة والتي لم تحسم بعد مثل الملف النووي الإيراني، والانسحاب الاميركي من العراق، صراع افغانستان وطالبان مع قوات الناتو وأخيرا باكستان والهند.
وتوقعت أن الادارة الاميركية الجديدة لن تكون ايديولوجية بل برجماتية عملية في تعاطيها مع الملفات المفتوحة على الساحة، وبسبب غياب الرؤية الاستراتيجية لدى الاميركان طرح الفرنسيون رؤية إقليمية ودولية ظهرت في مشروع ساركوزي «الاتحاد من أجل المتوسط» والذي طرحه في برنامجه الانتخابي والذي يشمل دولا عربية من الشام وشمال افريقيا، كما نشطت الديبلوماسية الفرنسية في المنطقة وعقدت العديد من الاتفاقات لمشاريع نووية، وهذا يعني بصورة أوضح ترجمة «الاتحاد من أجل المتوسط» في صورة مشروعات اقتصادية لديها واقعية، وعلى الجانب الآخر نجد أن مثل هذه الرؤى لاتزال غامضة بالنسبة لدول الخليج.
الهاجس الاقتصاديوشددت على أن القيادة السياسية في الكويت لديها الهاجس الاقتصادي الذي تبلور منذ عامين في دعوة صاحب السمو الأمير الشيخ صباح الأحمد إلى عقد مؤتمر اقتصادي على مستوى القادة، وهذا في حد ذاته مؤشر على أن القيادة السياسية لديها قراءة مستقبلية لكل المتغيرات السياسية على الساحتين الاقليمية والدولية وان النزاع السياسي بين الدول العربية ما هو إلا مضيعة للوقت وبالتالي الاهم هو التحول للربط الاقتصادي البرجماتي والمصالح المشتركة، وبالتالي نجد أن القيادة السياسية لديها رؤية وطموحات ولكن هناك فجوة كبيرة بين رؤية وطموحات القيادة والواقع السياسي الذي يجب أن يترجمها إلى مشاريع على أرض الواقع.
ولفتت إلى أن الخطورة تكمن في أن الواقع السياسي في الكويت لا يعي التحديات الاقليمية والدولية المعاصرة وأكبر دليل على عدم مبالاة الأطراف السياسية بمثل هذه التحديات هو رفضهم تأجيل النزاع والصراع السياسي الأخير لما بعد القمة الاقتصادية. وأعربت عن أملها في أن تكون الحكومة المقبلة على مستوى التحديات المقبلة وأن تتمتع بالقدرة على ترجمة طموحات القيادة وإجادة التعامل مع الأزمات.
وعزت المكيمي تردي الواقع السياسي إلى عنصرين أولهما حكومي يتمثل في تأخر خطط الحكومة وبرامج تنفيذها والخلل الواضح في هيكلة تشكيلتها والذي عادة ما يكون نتيجة المحاصصة البعيدة كل البعد عن الكفاءات من أبناء الوزارة، وأضافت أن الحكومة تستطيع مزج التوازن السياسي مع حكومة التكنوقراط لتلافي التخبط في التشكيلة الحكومية، فلا يعقل أن نأتي بشخص من وزارة التربية ونضعه على رأس وزارة الصحة والعكس، وبالتالي فإن الأداء الحكومي يحتاج للكثير من المراجعة خصوصا على مستوى الفريق الحكومي المقبل.
أما العنصر الثاني فيتعلق بأداء التيارات السياسية والتي مرت بمرحلة نضج سياسي خلال الوزارات الخمس الماضية، لكن مازالت تعاني من خلل استيعاب العمل الحكومي وضياع الهوية بين الدخول في الموالاة والمعارضة، واشكاليتها تتمثل في أنها لا تريد ترك مقاعد المعارضة وفي الوقت نفسه تريد المشاركة في الحكومة. كما أن هذه التيارات بدأت في أخذ منحى فردي، لذلك نجد أن نائب واحد قادر على تأزيم الوضع وإلغاء العملية السياسية برمتها. لذلك نخلص الى أنه لا يوجد نضج سياسي كاف للتعاطي مع العمل، سواء على مستوى الحكومة أو التيارات.
ولفتت إلى أنه في ضوء المعطيات الإقليمية والأزمة الاقتصادية العالمية ومطالبة الأميركان لدول الخليج بمساعدة رسمية تصل إلى 300 مليار دولار، فإننا نحتاج لحكومة تستطيع إدارة الأزمة قبل استفحالها، وهذه ليست الفرصة الأخيرة للحكومة فقط ولكن للبرلمان أيضا.
وشددت على أن خطابنا السياسي بعيد كل البعد عن الواقع السياسي لذلك يجب علينا أن نضع الكثير من الضغوط على الفريق الحكومي المقبل حتى يستطيع أن يعبر بالبلاد إلى التنمية، ولا نريد أن نرى انهيارا كاملا في الاقتصاد وانهيار الطبقة الوسطى.
مظاهر الأزمةمن جهته، أكد الأمين المساعد للحركة الدستورية الإسلامية محمد الدلال أن ما يحدث في الساحة السياسية الكويتية هو جزء من الأزمة السياسية التي يعاني منها الشارع السياسي وما حدث مؤخرا من استقالة حكومة وإعادة تكليف رئيس الحكومة من جديد ثم ارهاصات التشكيل من مظاهر الأزمة التي نعاني منها.
وأضاف الدلال أن هناك اسبابا عديدة للأزمة، كما تناولها العديد من المراقبين والعاملين في الساحة السياسية، جزء منها مرتبط بالخلافات، وجزء متعلق بافتقارنا للإدارة السياسية الرزينة التي تستطيع أن تقود السلطتين التنفيذية والتشريعية وأزمة تراجع دور مؤسسات المجتمع المدني والتيارات السياسية عن دورهما في المعارضة السليمة للوصول لنتائج إيجابية.
وتطرق إلى نوعية الحكومة من الناحية الدستورية، مشيرا إلى أن النظام السياسي هو ما يخلق طبيعة هذه الحكومة وطريقة إدارتها وقدرتها على الإنجاز وأن تسير الأعمال، وكل فقهاء الدستور الكويتي ومنهم خليل عثمان والمرحوم د. عثمان عبد الملك ود.عادل الطبطبائي ود.محمد المقاطع وغيرهم يؤكدون أن طبيعة النظام السياسي طبيعة مزدوجة، أي أننا لا نتبنى النظام الرئاسي بحد ذاته ولا نتبني النظام البرلماني منفصلا بل هناك نوع من الأزدواج بين النظامين وهذا يعتبر نظام فريد ومنذ عام 1945 وله إيجابياته في الواقع السياسي وسلبياته الكثيرة أيضا التي تتمثل في تداخل الاختصاصات وحرص كل طرف من الأطراف على أخذ صلاحيات أكبر. وهذا ما يسمى في الفقه الدستوري بالنظام المختلط أي أن الحكومة جزء منها يعينا تعيين وجزء يؤخذ من المنتخبين.
أداء متواضعوأوضح أن الحكومات الأربع الماضية كان لهما الرئيس نفسه، سمو الشيخ ناصر المحمد وعمرها الزمني قصير جدا لا يتجاوز من 7 إلى 8 أشهر وشارك فيها حوالي 36 وزيرا والأداء الوزاري متواضع جدا وتم حل مجلس الأمة خلال هذه الفترة مرتين والنتيجة أنه لدينا كم من الأعمال التي لم يتم إنجازها كبير جدا بسبب عدم الاستمرارية. وأشار إلى أن أسباب الإخفاقات التي تعاني منها الحكومات المتعاقبة تتلخص في عدة أمور أولها تداخل الاختصاصات وهي مشكلة كبيرة جدا مرتبطة بالنظام الدستوري والواقع السياسي، بالإضافة إلى أن هذا نوع من تشابك الاختصاصات ووصل أيضا للسلطة التشريعية حيث قامت بأداء دور الحكومة فعلى سبيل المثال المادة 98 من الدستور تنص على أن تقدم الحكومة والوزراء برامجهم العملية إلى مجلس الأمة ولكن تأخر الحكومة عن تقديم البرنامج متذرعة بضيق الوقت جعل السلطة التشريعية في عام 2006 تضطر لتقديم أولويات وطنية وتعاقب ذلك في المجالس الأخرى، وهذا في حد ذاته من صميم عمل الحكومة، نظرا لتقاعس الحكومة عن القيام بدورها وتقديم خطط تنموية ومشاريع واضحة يتضح أن تداخل الاختصاصات ساهم في إضعاف الحكومة.
وأشار إلى أن موضوع أزمة الاستجواب التي عاني منها الشارع السياسي كان نتيجة لعدم رغبة السلطة التنفيذية ورئيسها في المواجهة وصعود المنصة والذي يعتبر تراجعا عن الالتزام بالنصوص الدستورية ولذلك أضيف في وقت سابق لقب سمو على منصب رئيس الوزراء لإضافة نوع من الحصانة غير الموجودة في الدستور لرئيس مجلس الوزراء.
ولفت إلى أن السبب الثاني في اخفاقات الحكومات المتعاقبة هو غياب الأداء المؤسسي للسلطة التنفيذية والمادة 128 تفترض وجود تعاون مشترك وتضامن بين الوزراء كفريق عمل واحد وهذا موضوع نفتقده في أداء السلطة التنفيذية التي تغلب الفردية على أدائها. بالإضافة إلى اختلال البناء الهيكلي والإداري للحكومة ولذلك نجد أن الحكومة تتخذ قرارات أو مراسيم يوقع عليها صاحب السمو الأمير وتتراجع عنها مثل مراسيم الجنسية ومرسوم شركة «أمانة». وأضاف أن صدور مرسوم عملية خطيرة لأنه يمر على جهات عديدة وبناء على معلومات دقيقة ولذلك فإن التراجع عنه بسبب ضغوط سياسية أو برلمانية يعكس خللا في البناء الهيكلي للسلطة. أما السبب الثالث فهو المشكلة الأكبر في الحياة السياسية الحالية ويتمثل في عدم تمتع الحكومة بأغلبية في البرلمان والحكومات المتعاقبة السابقة يمكن أن نطلق عليها حكومات ضياع الفرص لأنه عندما تولى الشيخ ناصر المحمد رئاسة الحكومة كان هناك إجماع على أنه رجل اصلاحي وكانت لديه فرصة لتشكيل أغلبية داخل البرلمان في حكومة 2006 حيث كانت هناك كتل كثيرة داخل البرلمان داعمة له. وفي حكومة 2008 كانت هناك فرصة أخرى ثمينة نظرا لتمثيل كل التيارات السياسية والكبيرة داخل المجلس. واللجنة التي شكلت في مجلس الوزراء للبرلمان لم تكن فاعلة وبالتالي الوزراء الممثلون للتيارات السياسية لم يكونوا مفعلين، مما انعكس سلبا على الأداء في البرلمان. وأوضح أن المادة 56 والمذكرة التفسيرية نصت على ضرورة المشاورات مع رؤساء الجماعات السياسية ورؤساء مجلس الوزراء السابقين في عملية اختيار رئيس الوزراء والوزراء.
غياب القرار المؤسسيأما السبب الرابع فيتمثل في غياب القرار السياسي المؤسسي الذي يتمتع برؤية مستقبلية، بالإضافة إلى أن ضعف الحكومة يجعلها تتردد في التعامل مع القيم البرلمانية. وشدد على أن الحكومة المقبلة أمام تحد يتمثل في منهجية التشكيل والتعلم من أخطاء الماضي وأن تتحد وتتحالف مع التيارات على برنامج عمل إصلاحي، باختصار شديد يجب أن تكون حكومة إنقاذ وطني وإصلاح سياسي. وختم كلمته معربا عن تفاؤله من خلال استقراء التاريخ السياسي للكويت حيث يرى أنه كلما اشتدت الأزمة انفرجت وهناك مؤشرات عديدة تدعو للتفاؤل مثل تجمع الوفاق وجهود جمعية الشفافية وفكرة مؤتمر للتآزر والمؤتمر الوطني، ويبقي التحدي هو أن تتجمع التيارات وتجنب الأجندات الخاصة وتغليب المصلحة الوطنية. من جهته أكد الأمين العام لمنظمة العمل الكويتي «معك» أنور الرشيد أن عنوان الندوة «حكومة الفرصة الأخيرة» قد تم اختياره بعد مشاورات ووفقا لاعتبارات عديدة أهمها أن هذه الحكومة تعتبر الخامسة التي يكلف بها سمو رئيس مجلس الوزراء الشيخ ناصر المحمد في غضون عامين فقط، وقد مرت الحكومات الأربع السابقة بالعديد من الأزمات التي استدعت أن نتوقف عندها بالنقد والتحليل. وأعرب الرشيد عن أمله في أن تكون الحكومة المقبلة قادرة على التعامل مع البرلمان ومواجهة الأزمات وحلها بالأسلوب الأمثل من أجل تسيير عجلة التنمية في البلد. ولفت إلى أهمية أن يتم اختيار عناصر الحكومة الجديدة وفق معايير تكنوقراطية وضرورة أن يبتعد سمو رئيس مجلس الوزراء عن المحاصصات والتوازنات وهذا أمر ليس باليسير إلا أنه لا مجال لتكرار أخطاء الماضي.