جلست كثيرا أقرأ وأتأمل عشرات المقالات والدراسات والتجارب حول الخصخصة، فلم ألمس من ورائها جميعها إلا نقاطا تجتمع حول المصلحة العامة وإنهاء الفساد والمحافظة على الأموال وزيادتها وتقديم أفضل الخدمات.
وبما أنه تجمعنا كلنا مائدة واحدة وضعت عليها أصناف عديدة، فلكل منا الحق في تناول ما يشتهي، وأن يترك ما لا يرغب، هذه المعادلة البسيطة هي التي تحملني على تكوين نظرة تجتمع فيها عيون المساهم والمستهلك والتعاوني والمواطن حول الخصخصة في الجمعيات التعاونية.
قرأت أن «الخصخصة إنهاء لحالة الفساد المستشري»، وإذا كان للحق أن يقال فلا يجب أن يطول الشرفاء ويمس سمعتهم، فالتعميم غير صحيح، والحديث عن الفساد ليس مشكلة قطاع بأكمله وإنما هو مشكلة فرد أو مجموعة أفراد.
وكتعاوني لا أرى أن الفساد يعالج بالفساد، وإنما بالإصلاح، وتطبيق القانون هو السبيل الصحيح للتخلص من الممارسات السلبية، وهنا أتساءل كيف أتحدث عن فساد في جمعية تعاونية وهناك مراقبون معينون من الشؤون يقومون بالمتابعة الدقيقة لكل شاردة وواردة، فإذا كانت الوزارة موجودة واستمر الفساد فلن تستطيع أي قوة إلا القانون أن تعيد الأمور إلى نصابها.
قالوا إن «الخصخصة سبيلنا للمحافظة على أموال المساهمين»، ورغم أني أتفق مع الهدف، إلا أنه لا يمكن لشخص أن يأكل الكتف كلها ليجوع الناس، فلو تأملنا ووعينا أن الجمعية ستكون تحت إدارة تاجر واحد فقط، مع تقديري واحترامي لجميع التجار الشرفاء، إلا أن النتيجة ستكون أسوأ من إدارتها من قبل مجلس منتخب، فالتاجر يبحث عن الربح دائما، ولن يسمح لأي كان بالتدخل في سياسته، ما يعني أننا همشنا الأعضاء المنتخبين وجعلناهم بلا أسنان، وحولناهم إلى دمى تطأطئ الرؤوس وتلقي التحيات على الطريقة اليابانية.
ولو افترضنا أن «الخصخصة هي طوق النجاة»، فأين ستذهب الديموقراطية في اختيار المساهمين لمن يمثلهم، أليس هذا انتقاصا من حقوقهم الدستورية، هل يضمن المساهم والمستهلك أن يحصل على عروض وتخفيضات وسلع ذات جودة عالية؟ هل سيسمح التاجر بإطلاق رحلات للعمرة والشاليهات ودول مختلفة؟ هل سيقدم دعومات وتخفيضات وتذاكر للأماكن الترفيهية؟ أم أننا سنرى أصنافا معينة تغزو الجمعية لكونها من معامل وشركات التاجر الفلاني، وعلى جميع المساهمين أن يتناولوا من أصنافه وسلعه وأن ينتظروا رحمته لينثر عليهم من خيراته في خدمة المجتمع؟
فليسمح لي أصحاب الخصخصة، دعاتها وهواتها والمشغوفون بها، أن أتساءل: ما مصير العمل التطوعي، ودعم المشروعات الصغيرة؟ وما مصير دعم المدارس والمساجد وحلقات تحفيظ القرآن الكريم والحديث؟ والمسابقات الكروية وحفلات القرقيعان وتكريم المتفوقين، والكثير الكثير من الأنشطة، لن أجيب عن أي منها، فالجواب عند كل قارئ فطن.
لن نجد على الإطلاق في حال تطبيق الخصخصة أي منافسة إلا على حدود ضيقه، فالتاجر سينازع التاجر، أما في المجالس المنتخبة فالتجار جمعيا سواسية، وحتى اتحاد الجمعيات التعاونية لن يسلم من الخصخصة وستكون المحرقة التي ستأتي عليه قبل أي شيء، فلا حاجة للتاجر إلى أي اتحاد يلزمه بقوانين أو تعميمات.
ختاما أقول: ليس من حق أحد أن يقرر مصير أحد، وإذا كانت الخصخصة بسلبياتها وإيجابياتها أمام أعيننا، ولدى البعض الرغبة في تحويل العمل التعاوني إليها فلنجعل الأمر بيد أصحابه ولنقم بممارسة ديموقراطية عبر استفتاء للمساهمين يقررون فيه مصيرهم بأنفسهم.
[email protected]
AbdulmuhsenHaji@