Note: English translation is not 100% accurate
ها نحن معاً... - بقلم: د.يعقوب يوسف الغنيم
1 يوليو 2015
المصدر : الأنباء

د.يعقوب يوسف الغنيم
نعم.. ها نحن نجتمع على محبة الوطن، وعلى كراهية من يضمر له السوء، ها نحن في تكاتفنا ومحبتنا لا تميزنا عن بعضنا فروق، ولا تشتتنا أفكار، الوطن وحده يجمعنا، وحرصنا عليه هو الذي يشد من اواصر علاقاتنا وينمي محبتنا فيما بيننا.
عرفت الكويت منذ القدم بهذه الروح التي تجمع اهلها على الصلات الطيبة، وعلى المحبة الدائمة، وعلى زوال الفرقة بين مختلف فئات شعبها، بل لا نستطيع ان نقول او ننطق بكلمة «فئات»، فكلنا فئة واحدة هي فئة الكويتيين الذين يظهر معدنهم الصافي عندما تحل بهم المحن، ولقد مرت بنا ظروف شديدة على مدى تاريخنا، لكنها لم تفرقنا ولم تجعل البغاة مهما كان حرصهم يقدرون على النيل من هذه المحبة التي تسود بيننا وتجعلنا عندما يحل بنا الاذى شعبا متفرقا متخاذلا، بل ان المحن لتجعل منا قوة صلبة لا تلين ولا تؤثر بها الاحداث مهما كانت صعبة وقاسية.
ان حدث يوم الجمعة الماضي الذي حاول اعداء الكويت ان يشقوا به صف ابنائها لم يكن ـ على الرغم من قسوته وشدة وطأته ـ إلا سببا باعثا لقوة الشعب الكويتي، ودالا على تكاتفه، مبينا ان الملمات مهما كانت شديدة فإنها لا يمكن ان تؤثر في وحدته وتماسكه، ولا في محبة بعضه لبعض. وقفت الكويت بأسرها وقفة رجل واحد، فكأن المصاب انما هو مصاب كل بيت، والشهداء والمصابون اخوان وبعض اهل الجميع، لا يفرقهم مذهب بل يجمعهم وطن واحد يحبونه ويحرصون على صونه وحمايته ودحر اعدائه.
ان وجود صاحب السمو الامير الشيخ صباح الاحمد على رأس الحاضرين في موقع المحنة، حيث حضر وهو يستشعر مسؤوليته تجاه ابناء وطنه، ويعتبر نفسه مسؤولا عن حمايتهم ودفع الاذى عنهم، وان استمراره في متابعة الحدث، وحثه الجهات المختصة على القيام بواجباتها تجاه كل مصاب، وحضوره لمراسم تلقي العزاء، امر لا يمكن ان يحدث في وطن غير وطننا الذي عاش على المحبة والصلات الكريمة.
هذا وان المتتبع لوسائل الاعلام الخارجية، عربية كانت او اجنبية، سيلحظ مقدار الاعجاب الذي حظي به الشعب الكويتي عندما وقف وقفة رجل واحد، اختلط فيه اكبر مسؤول في البلاد وهو اميرها وقائدها مع الاهالي الذين هزتهم النكبة، وكانوا في امس الحاجة الى هذا الرجل في ذلك الزمان وذلك المكان، مما كان له اثر كبير في التخفيف من المصاب، ولا شك في ان رنَّة الاعجاب بهذا الموقف الذي وحد ابناء البلاد وجمعهم على التآزر ورفض العدوان كان له اثره، وسيكون له الاستمرار في القادم من تاريخنا، فقد عرف الشعب طريقه الى الحياة الكريمة التي لا تؤثر فيها الاخطار مهما كانت، ولا ينظر فيها الناس الى الوراء، بل هم على خطى اميرهم القائد الفذ الذي ضرب لهم مثلا في التفاني بحب الكويت، والحرص على سلامة اهلها.
ونحن نفخر اذ نقرأ لعدد من الكتّاب ما سطروه عن بلادنا في وقفتها يوم الحادث العصيب، وسيكون هذا الفخر سببا من اسباب استمرارنا في التمسك بهذا الموقف الفريد الذي لفت الانظار من جميع الجهات.
واذا اردنا امثلة على ما اشرنا اليه، فهذه سيدة فاضلة اسمها نجوى وتعمل صحافية اقتصادية في محطة CNBC تقول: شيء مذهل، كيف يتحرك المجتمع الكويتي كجسد واحد في وجه المحن والازمات، الحالة الكويتية يجب ان تدرس كنموذج غير مسبوق للتلاحم، والاعتزاز بالوطن.
هذا ما ورد، وهناك كثير مما اوردته وسائل التواصل الاجتماعي عبر الانترنت ونشرته الصحف ايضا، واذا اردنا امثلة اخرى فهذا هو الصحافي السعودي عدنان الروقي يكتب من المملكة العربية السعودية هذه الكلمات التي عبر بها عن شعوره تجاه الكويت اميرا وشعبا، تحت عنوان «الكويت، وما ادراكم ما الكويت!»، يقول: كالعادة، هذه الدولة صغيرة الحجم تفاجئنا بمواقفها الجبارة، الدولة التي صنفت كأكثر دولة تقدم مساعدات انسانية، ولقّب اميرها بأمير الانسانية، تعرض لنا اليوم اروع لوحات التلاحم الوطني، وتوصل رسالة لكل تكفيري وخارجي، هذه الكويت خط احمر، وهي العنوان الخطأ لكم.
فقط في الكويت بعد الانفجار بنصف ساعة ينزل امير الدولة من دون حماية لتفقد ابنائه ودموعه تسيل، ضاربا اروع صور خوف الاب على ابنائه، والله للمرة الاولى اشعر بكلمة حاكم عندما يقول: انتوا لستم شعبي انتم ابنائي.
فقط في الكويت، الذي يتابع اخبارها من الخارج يرى انها تربة خصبة للخلافات ووجود المعارضة والتيارات السياسية، لكن عندما احسوا بوجود خطر خارجي وقفوا صفا واحدا، وزالت كل الخلافات، المعارضة تمد يدها للحكومة، وجميع الخلافات تتلاشى في ساعات، نحن الآن فقط كويتيون.
فقط في الكويت، خيم الحزن على الدولة ككل، وكأن كل بيت فقد حبيبا او صديقا او اخا، وخلت كل الشوارع والمجمعات والاماكن الترفيهية ليس خوفا من الارهاب انما حزن وصدمة على ما حصل.
الارهاب طال كثيرا من الدول المجاورة، ولم نر هذا التماسك والتلاحم، للكويت واميرها وشعبها ثقافة حب وترابط وتلاحم لو كانت موجودة في جميع دولنا العربية والاسلامية لما كنا بيئة خصبة للارهاب.
رائعة يا كويت.
رائع يا أمير الكويت.
رائع يا شعب الكويت.
وحفظ الله الكويت وشعبها من كل مكروه وجميع بلاد المسلمين.
لقد كانت مشاركة رائعة من هذا الكاتب النبيل، وتعبيرا صادقا عن مشاعره التي دل عليها كل حرف مما كتب، وكانت بداية كلمته كنهايتها في غاية الاتفاق، وغاية التعبير عن مشاعر المودة التي يحس بها الكاتب، وهي مودة نشاطره الاحساس بها.
أما الاستاذة تهاني الرمضان، وهي كاتبة سعودية قديرة، فقد كتبت على طريقتها الخاصة ذاكرة احاسيسها تجاه الكويت قبل المأساة وبعدها، ولفرط إجادتها في التعبير فقد جاءت كلمتها وكأنها الشعر رقة وتتابعا، فتقول: كنا اذا اشتقنا لأنفسنا زرنا الكويت، كانوا يقولون لنا: صلّوا لنا في حضرة الكويت ركعتين، لشدة حبنا، ولشدة طهارتها من نجاسة الاحقاد كنا إذا عشقت شيعية سُنيا قلنا: لو بالكويت عادي، ما في فرق عندهم، كنا اذا جلسنا في كل ناصية منها قلنا: الله يا بيت اهلنا، الله يا ريحة اهلنا، كنا اذا سمعنا أناشيد الكويت الوطنية نسجلها، نعيدها، نرقص معهم، ثم نقول: حظهم وطنهم الكويت، كويت الجميع هي الكويت، الوطن الوحيد الذي لا تختلف فيه لهجة السني من الشيعي، ولا لباسه ولا ضاحيته، ولا مرتبته الوظيفية، هي الكويت بأميرها، «الامير» يعزي ويبارك ويأكل بركة الحسين، هي الكويت، وطن من لا وطن له، قلبي يا كويت كشهدائك ذبيح، دمعي يا كويت مدرار، بدني، عقلي، بصري في شتات.
كيف يطعنون فيك وقد كان دوما محميا في ربوعك.. قلبي يا كويت دامٍ.. الا انت، الا انت، الا انت! فما تبّقى وجه للحب سواك، ولا امل للخير والسلام والتعايش سواك، لِمَ غفلتِ؟ لِمَ غفوتِ؟ لم تركت للانجاس مدخلا لواديك الطاهر؟
كيف نعزيك، والمصاب مصابنا؟
كيف نداويك، والدماء دماؤنا؟
كيف ندعو لك، وقد ابيضت اعيننا من الحزن بعد الحزن؟
نخيلنا حزين هذا المساء يا كويت، بحارنا باكية، مآذننا موجوعة، كنا نخشى عليك يا كويت، لأن الورم تعدى حدود جسدنا، وكان يحوم حول جسدك، كنا نحذرك يا كويت، لكنك ام رؤوم ابت التصديق ان قابيلها سيقتل هابيلها فيها، وها نحن شهدنا، وحتى الغراب لم يعرف كيف يواري شهداء المساجد، خجل ان يرى الدماء تصبغ اطهر البيوت، ارجوك يا حبيبة، اعيدي لنا طعم الحب والتآخي الذي كنا نأكله في الدرابيل، في سمك الصبور، ونلبسه في الدشاديش والدراعات، ارجوك يا كويت، اطمئني ثم تحزمي لمن اراد بك مكرا وعدوانا، اما شهداؤنا فلا تقلقوا يا أحبة، سنشتري قرقيعان اطفالكم، ونأتي بالعيديات لزوجاتكم، ونبعث بطبق اليوم الذي اشتهيتموه عن ارواحكم، قروا عينا، فرحيلكم وان اوجعنا، فقد ضمن لكم ما نحن نطلبه ليلا نهارا، رضاه وجوار نبيه، عزاؤنا انكم في عليين، وان الكويت واميرها وشعبها على ما حدث، عائلة مغبوطة، اعيذك يا كويت برب الفلق.
هذه كلمات في منتهى الرقة، تحمل المحبة لوطننا ولأهله، وما جبلوا عليه من تآزر وتعاون ووفاء، ونحن بلا شك ـ كلنا ـ نشارك هذه الكاتبة مشاعرها، فلدينا حب غامر للمملكة العربية السعودية، ورجاء الى الله سبحانه ان يحفظها ويحفظ قيادتها، وعلى رأس هذه القيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز.
وبعد، فإنني أكاد اقول: ان هذه المقتطفات الثلاثة التي مرت بنا هنا دليل على ان موقف ابناء وطننا يوم الجمعة الماضي كان موقفا رائعا اثنى عليه الجميع، واعتبر في ميزان الامم من اهم المواقف التي تقفها الشعوب عندما تمتحن، ونحن في غمار المأساة نهنئ انفسنا حين نرى اننا لم ننسق الى مشاعر ضارة تخالف ما ينبغي ان تتصف به مشاعرنا التي عودتنا على ان تكون ـ دائما ـ في مصلحة الوطن واهله، وبذا نلنا ثناء الجميع وحسن تعبيرهم عن موقفنا في ذلك اليوم الدامي.
حفظ الله الجميع.