Note: English translation is not 100% accurate
المسافة الفكرية.. بين العدالة والحرية.. بقلم: عبدالله خالد الغانم
28 يوليو 2015
المصدر : الأنباء

سبقونا بسقوط منظومتهم القيمية والمعيارية، فأوجدوا بديلا أساسه «قيمة مفقودة» أجمعوا عليها عند نقطة فاصلة سبقتها سطور من عصور مليئة بتغييب العقل وتقييد الفكر وإسالة الدماء ومصادرة الملكيات الخاصة واستعباد الأفراد بطريقة يقبل بها المجني عليه «الفرد المستعبد» لكونها تستمد شرعيتها من «النص المسيحي» أو كما كان يدعي أوصياؤه «رجال الكنيسة» المستفيدون من الوضع القائم عندها «أبارتشيك».
ومع قرون من التراكمات الظلامية، وانعدام كل أشكال الحرية، انفجرت قرائح النخبة الفكرية، فأنجبت تكوينات أيدلوجية، محورها شرعنة قيمة «الحرية»، بتبريرات ونظريات فلسفية، لتكون البديل العقدي عن الميتافيزيقية المسيحية بهدف إبطال شرعية الجرائم الكنسية.. وبعد مضي أكثر من قرن.
وفي أثناء الحرب العالمية الأولى ، زرع البريطانيون أفكارهم التنويرية، بجذورها الممتدة لنزعة هلوسية نحو الحرية، في الأوساط العربية البدوية، ليمثلوا نواة ثورة قومية، ضد إحدى دول المركز «الدولة العثمانية»، لإلهائها بشؤونها الداخلية.. عن دعم حلفائها في الحرب العالمية، وإلا تهشمت بين مطرقة قوات التحالف وسندان الثورة العربية.
وأخيرا تم إعلان سقوط الدولة العثمانية، واقتسمت أراضيها الاتفاقية الأنجلو/ فرنسية، فتقطعت أراضينا وتوزعت موانينا العربية، حتى غدى وطننا العربي دويلات كانتونية، لها أغرب وأعجب تركيبات ديموغرافية، مليئة بالتباينات العرقية، والمتناقضات الدينية، حتى تتمكن القيادة الأنجلو/ فرنسية المركزية، من قيادة دويلاتنا الجديدة العربية، عن طريق ما يسمى بإدارة التناقضات الإثنية، علما بأن هذا النوع من الإدارة يحتاج إلى عنصرين:
أ) نظام سياسي تتوافر به صيغ دستورية تسمح بما يسمى بالتداول السلمي للسلطة، وليست السلمية هي المهمة وإنما ما يهم هو إيجاد الصيغة الشرعية لعملية تداول السلطة وإن كانت دموية.
ب) حرية الرأي والتعبير والصحافة، أي «البيئة الملائمة والأدوات المشروعة لتعبئة الرأي العام» من قبل غرفة قيادتهم المركزية، مما يمكنهم من إسقاط أو تثبيت «السلطة الحاكمة» وذلك بحسب اتجاه مصالحهم، لذا غالبا ما تضطر السلطات الحاكمة في الوطن العربي إلى محاكاة المصالح البريطانية لتجنب «وخزة» سكين الاستئصال البريطانية الجراحية.
وهنا.. أتسائل:
هل صحية هي تلك الحريات؟
وهل تخدم استقرار مجتمعاتنا بما يخدم نمو وتقدم دولنا؟
هل تلك الحريات منصفة ؟
وهل تحقق لنا العدالة الاجتماعية؟
هل اقتنع بها الفرد العربي وآثرها على باقي قيمه الموروثة؟
شخصيا أدعي أن الجسد العربي رفض تقبل قيمة «الحرية المستوردة» وذلك للأسباب الآتية:
١) التناقض الصارخ بين تطبيقات قيمة الحرية وروح العدالة في الوقت الذي يفضل فيه المواطن العربي المسلم تحقيق قيمة العدالة بشكل متكامل على قيمة الحرية المستوردة التي لا تمثل له حاجة ضرورية.
٢) انعدام وجود الطغيان والاستبداد الديني في العالم الإسلامي على غرار شكل ومضمون الاستبداد الديني الكنسي في عصور الظلام المسيحية.
٣) تشجيع التعاليم الإسلامية على التفكر والتفقه والتدبر واستخدام العقل أشبع حاجة عقل الفرد العربي المسلم عمليا، لذا تراه يرفض مبدأ تحرير العقل من ضوابط الدين الإسلامي لأن عقله قبل قلبه مقتنع بأن التعاليم الإسلامية تعلي من شأنه وتشبع حاجاته المنطقية بالقدر الذي تشبع به حاجاته الروحية.
علينا أن نعي أن البرلمانات في إطارها الدستوري الغربي الحديث نتاج تطبيقي لقيمة الحرية، وأن النماذج البرلمانية العربية المستوردة بشكل كامل أو شبه كامل لم تعط النتاج التطبيقي المناسب لقيمة الحرية، وذلك لاختلاف البيئة والمعطيات كما ذكرنا سلفا، وإذا ما أردنا أن نجعل من هذه التطبيقات نموذجا مناسبا لقيمة الحرية فعلينا أن نراعي الظروف الموضوعية لمجتمعاتنا العربية، وأهم ما يجب مراعاته هو «الضوابط العدلية لتطبيقات الحرية»، فمثلا من الحرية أن تنتقد مسؤولا بأسلوب ساخر يحط من صورته النمطية في عقل الجمهور، ولكن هل من العدالة أن يسمح بأن تحط من صورة فرد بعذر حرية التعبير وانتقاد الشخصيات العامة؟
نعم.. قد يكون هذا السلوك غير مستنكر في المجتمع الغربي، لكنه مستنكر وترفضه نفس العربي وقد تنتج عنه في بعض المجتمعات العربية «مذابح جماعية» ضررها أكبر من ضرر تقييد هذا النوع من الحرية.. وفي الختام أؤكد على عدم حاجة العرب للحرية المستوردة بقدر حاجتهم لتأسيس منظومة دستورية وقانونية ونظامية تتوافق مع تركيبتنا الثقافية وتكون القيمة العليا فيها هي «الحرية العادلة».