Note: English translation is not 100% accurate
خلال أمسية في المكتب الثقافي المصري حول آليات فهم النص والصورة
شريف صالح: الإرهابيون قراء رديئون.. يوظفون النصوص لبثّ الكراهية
20 يناير 2016
المصدر : الأنباء


تحت رعاية السفير المصري ياسر عاطف أقام المكتب الثقافي المصري أمسية حول «آليات قراءة النص والصورة» تحدث فيها الكاتب شريف صالح وأدارها الروائي إبراهيم فرغلي.
في بداية اللقاء رحب الملحق الثقافي المصري د.نبيل بهجت بالحضور وأكد على تميز التجربة الإبداعية لشريف صالح وحصوله على العديد من الجوائز.. وقدرته على قراءة النصوص وتفكيكها.
كما أشار إلى أننا في لحظة تاريخية تتطلب مشاركة المثقفين والمبدعين والبحث عن حلول للواقع الراهن.
بدوره، قدم الروائي إبراهيم فرغلي للأمسية ضمن نشاط ديوان القراءة الذي يشرف عليه مؤكدا على أهمية سؤال القراءة وفتح المجال للحوار مع الكتاب والمبدعين حول تجاربهم مع القراءة. مشيرا إلى أن صالح لديه التفاتات مهمة في قراءته للنصوص أو الأفلام أو حتى تعليقاته على بعض الأحداث.
بعد ذلك قدم صالح ورقة تحت عنوان «قراءة القراءة» جاء في مقدمتها:
«قبل القراءة لا شيء سوى العتمة. وفي عتمة الرحم نبدأ القراءة حين نصغي إلى أصوات هناك، وفور أن نفتح أعيننا في الحياة نقرأ في وجوه من حولنا ملامح الأم وابتسامة الأب. القراءة إذن قدرنا وليست خيارا مكتسبا. فعل نمارسه بكل الحواس وليس بالعين وحدها. ربما في مرحلة لاحقة نقبل عليها واعين، أملا في تحسين الإدراك واكتناز المعلومة وامتلاك الحجة. لكن القراءة قبل ذلك كله وبعده هي وسيلتنا الوحيدة لتثبيت وجودنا في الحياة. نحن نتشبث بالحياة عبر القراءة الجيدة لها، ونهلك غالبا نتيجة لقراءة رديئة، ببساطة من يتجرع زجاجة السم مصدقا لافتة خادعة بأنها »دواء«!» ففي رأيه أن القراءة الرديئة أو المشوهة تنتهي بنا إلى الموت.. والإرهابيون انتهوا بنا إلى هذا الخراب نتيجة قراءتهم الأحادية والمشوهة للنصوص.. قراءة العين الواحدة.. التي وظفوها للكراهية وليس للحب.
وأشار إلى أنه يركز على المنهج السيميائي في القراءة لأنه يتيح له قراءة الرواية والفيلم والرقصة والموسيقى أو حتى قراءة المباني والمطاعم.. لأن لكل شيء أبجدية قابلة لأن نقرأها.
ثم مايز بين ثلاثة مستويات للقراءة.. القراءة المعرفية والتي تشكل 70% من مجمل قراءات الناس، فالناس تقرأ كي تحصل على معلومة أو معرفة معينة. ووصفها بأنها قراءة سطحية تستجيب لأهداف محددة وآنية وسريعة.
ومن خلال هذا المستوى من القراءة تتحدد خطاباتنا البراغماتية والإيديولوجية والمعرفية. حيث ترتكز القراءة على ديالكتيك من الثنائيات مثل: الذات والعالم، النسبي والمطلق، الحضور والغياب، الانتقاء والتعمية، الأحادية والتعددية، الواقعي والأسطوري، النظام والفوضى.
وركز صالح على أن هذه الثنائيات وعلاقاتها المتصارعة بمنزلة «العدة» التي نقبل بها على تحليل أي نص، فمثلا عندما نجلس لمشاهدة فيلم سنبدأ على الفور التمييز بين «الطيب» و«الشرير». وعندما يحضر الزوج في مشهد يتحرك وعينا لاستدعاء الزوجة «الغائبة» عن المشهد وهكذا.
وشدد على أن تلك الثنائيات تساعدنا في إنتاج المعرفة عن طريق المقارنة والتشبيهات، مثلما قال العرب قديما «وبضدها تتميز الأشياء». مثلما يقارن التلميذ بين الليل والنهار أو الكواكب والنجوم. وهي قراءة لا تتم بالعين وحدها، بل تتضافر فيها جميع الحواس.. وصولا إلى العقل الذي يترجم كل ما يصل إليه عبر الحواس ويستنتج المعاني من تلك العلامات والعلاقات الناشئة بينها.
بعد ذلك تتطرق صالح إلى مستوى آخر أطلق عليه «القراءة الجمالية» والتي لا تنظر إلى النصوص وفقا للثنائيات المتحكمة فيها، بل باعتبارها استعارة متعددة الأطراف تجسد لنا لعبة مركبة. تماما مثلما يقوم الأب بتجميع قطع البازل أمام طفله ثم يفككها ويطلب منه إعادة تركيبها، ومن ثم يبدأ الطفل في قراءة القطع ومحاولة تركيبها مثلما فعل الأب.
هذا ما يحدث مع القارئ الذي يحاول فك وإعادة تركيب «الكون» الذي نسجه وشيده منتج النص سواء أكان رواية أو فيلما أو مسرحية.
وهذا الكون النصي محكوم غالبا بمجموعة من الألعاب والحيل والأنماط الحكائية، منها على سبيل المثال لعبة «التمثيل» فعندما نشاهد فيلم «اللص والكلاب» ندرك أن الممثل ينوب عن شخصية ما في الواقع هو سفاح الإسكندرية.. والفيلم كله ينوب عن واقع ما في مصر مطلع الستينيات من القرن الماضي. وهذا يذكرنا بأبسط تعريف للعلامة بوصفها «شيئا ينوب عن شيء». فكل النصوص التي تنتجها الثقافة هي «تمثيل».
ويرتبط ذلك أيضا بالطبيعة الإحالية للغات والرموز، فنحن عندما نريد التحدث عن شجرة لا نجلب معنا «شجرة» حقيقية بل نحيل إليها من خلال كلمة من أربعة حروف.
وبالطبع ثمة أنماط للحكاية تستهوينا، أو تحكم قراءتنا للنصوص، مثل نمط المطاردة والانتقام، أو اقتفاء الأثر، أو البحث عن كنز مادي أو معنوي كما في رواية «الخيميائي»، أو حيرة المتاهة التي يحاول البطل النجاة منها سالما. كذلك بعض النصوص تمنحنا محاكاة تامة لوجودنا من خلال لعبة اليوتوبيا أو الديستوبيا كما في فيلم «الناب» أو رواية «1984» لجوروج أورويل.
ولا يمكن فصل القراءة المعرفية عن القراءة الجمالية في رأي المتحدث الذي اعتبر أن هذين المستويين غير كافيين، بل لابد من أن نصل بالقراءة إلى المستوى الثالث الذي يسميه «القراءة العرفانية» أو الروحية، حيث ربط ما بين مفهوم «الاستنارة» الغربي الذي يعلي من شأن الحواس والتجربة والعقل، ومفهوم «الاستنارة» الشرقي، الذي يتجلي على سبيل المثال في فلسفة «الإشراق» لدى السهروردي، أو «النيرفانا» لدى البوذية، مشيرا إلى أن اسم بوذا نفسه معناه «المتيقظ» أو «المستنير».
فالقراءة هنا تكون بكل الحواس، ولا يتحكم فيها العقل وحده.. بل العقل والروح معا.. قراءة تعكس نورا وتسمو بنا.. فالفيصل ليس في قراءة مائة كتاب في العام، بل قد يكفينا كتاب واحد يجعلنا نضيء من الداخل.. وربما قراءة كتابين في الوقت ذاته تلهمنا فكرة ما كانت تخطر على البال لو قرأنا أحدهما فقط.. وبعض الكتب قد تكون رائعة لكنها لا تساعدنا كي نتنور.