Note: English translation is not 100% accurate
بعد «النخيل» و«الإعصار» و«الطريق إلى كراتشي» و«الصالحية» و«الدروازة»
هيثم بودي في «الفنار»: صمود أهل الكويت .. ماضٍ يعانق الحاضر
24 أغسطس 2009
المصدر : الأنباء
الرواية استعراض للحياة الكويتية أواخر العشرينيات ومطامع الغزاة في التسعينيات وتجسيد حي لدور المرأة الكويتية في أيام الفوضى وأثناء المقاومةبشرى الزين
لا يمكن لمن يعتز بتاريخ وطنه وبطولات أبنائه عبر فترات متعددة سوى ان يسطر أمجاده بمداد من ذهب، وينقش أسماء الأبطال بدمهم الطاهر على أرض بلد – لم يكن يوما بلد اللؤلؤ أو البترول، بل بلدا كافح ليعيش وقاوم ليبقى رغم الفقر والجوع والأوبئة والحروب – عبارات تختزن ما تحمله رواية «الفنار» لصاحبها هيثم بودي، الصادرة عن دار «السندباد» وتتعرض للحياة في الكويت وتحديدا في أواخر عشرينيات القرن الماضي وفترة الغزو الصدامي الغاشم، لتبرز معا مطامع الآخر في ثروة هذا البلد.
الرواية التي تتألف من 20 فصلا ركز فيها الراوي وعبر الفصول الثلاثة الأولى على دور المرأة الكويتية في تلك الفترة واثناء غياب رب الأسرة في رحلة الغوص والبحث عن الوقود.
الفنار، السراج، الفانوس مرادفات لدلالة الضوء ليظل محور الرواية وشعلة لا تنطفئ كما هي الكويت ورمزية تحمل دائما ضياء النصر وفتيلة الاستنارة وهداية سبيل العابرين على ساحل الكويت – لوذان 1928 كما استهل الكاتب روايته «كانت الشمس تأذن بالمغيب والأفق الأحمر يغطي ساحل لوذان جنوب الكويت.. وبدا الفنار مرتفعا على الساحل شامخا يعانق السماء... تتناثر حوله بيوتات الصيادين الطينية».
ثم ينتقل الى بطلة الرواية في فصولها الثلاثة وحكايتها مع الوقود والدقاقة (لصوص البحر) يتابع الكاتب: يجب عليها اليوم اشعال الصندوق الزجاجي للفنار في ظل غياب زوجها ليومين لإحضار مزيد من الوقود من الكويت.
حملت صفيحة الوقود وهي تتجه الى الفنار يتبعها ابنها الصغير ذو السنوات الثلاث.. أخرجت من جيبها خرقة تنظف بها الزجاج المضيء وتمر بها على الألواح الزجاجية الحمراء الدالة على الخطر والمركونة جانبا.
يأتي العدد ثلاثة في الفصول الأولى لتقابله شخصيات ثلاث نساء في الفصول المتبقية من نص الرواية وهن أم حمود، ولطيفة ورجاء، في بداية الرواية لينتقل الى البترول، الغاز، الكيروسين في الفصول الأخرى دلالة على آبار النفط وما تعرضت له من احراق من طرف المحتل.
الزمان والحياة
الزمان لدى الكاتب أراد من خلاله سردا موجزا للحياة في الكويت القديمة عبر زمنين لينتقل الى فترة التسعينيات والحياة الحديثة ويركز على السراج والضوء كرمزية لشعاع الأمل وبزوغ فجر التحرر من الاحتلال.
الثلاثية التي كانت سمة الإعداد لدى الكاتب، تتكرر دائما حيث ترتبط بكل الأحداث فيقول «حل الظلام على الساحل وأخذ الفنار يرسل نوره مرشدا السفن البعيدة للبر، لكنه في الوقت نفسه أصبح دليلا للدقاقة.. لصوص البحر.. الذين يهاجمون القرى الساحلية يسرقونها، وكانت سفينة اللصوص الشراعية الصغيرة تتوقف في عرض البحر تراقب الساحل عن كثب تنتظر اشتعال «الفنار».. كان الثلاثة في سفينتهم الصغيرة ينتظرون الوقت المناسب للسرقة.
يعود هيثم بودي ليربط دخول القوات العراقية المحتلة لأرض الكويت في العام 1990 بأمر من الرئيس المقبور صدام حسين بعبارة استهل بها الفصل الثاني من الرواية «انتصف الليل وغاب القمر» أصدر القائد اوامره وهو يمسح شاربه الكث ويثبت خنجره ويتناول بندقيته، مدركا انه قد حان الوقت المناسب، وعليهم الآن النزول للقارب الصغير، وكأن الكاتب يحاكي تلك الفترة بفترة الاحتلال.
المرأة والمقاومة
لم يغب دور المرأة الكويتية في المقاومة والنضال، بل كان حاضرا وبقوة في فصول الرواية كلها بدءا من مقاومتها للصوص البحر الذين حاولوا سرقة صفائح الوقود واندفاع ام حمود ولطيفة ورجاء في فصول الرواية لمقاومة جنود الاحتلال العراقي حيث سطرن اروع ملاحم البطولة للدفاع عن انفسهن.
وظل الوقود الكيروسين، البترول، مصدرا لطمع الآخرين حيث نجد في الفصل الثالث «كان القائد قد نجح في كسر قفل باب المخزن الذي تنطلق منه رائحة الوقود»، وفي الفصل الثامن نجد «كان الباب الخارجي لبيت النساء الثلاث يتعرض لمحاولة فتحه من جنديين عراقيين كانا مخمورين، صاح احدهما بأن هذا البيت به رائحة كيروسين، وقام يبحث عنه حيث يجب ان ينيروا شيئا منه حتى ولو في اناء لعله ينير ليلتهم الحمراء، ومازال الآخر يداعب الخادمة الآسيوية المتمنعة الباكية».
يختم الراوي حكاية ـ المرأة ـ او الكويت القديمة وتحديدا في الفصل الثالث وهي مصابة في خاصرتها بطعنة من لص الوقود وتحاملت على نفسها ووقفت تنظر الى الجد الجريح وعلى القائد مرميا بلا حركة بعدما اصابه الجد المريض بطلق ناري، اخذت تتقدم ببطء الى الفنار القريب يتبعها ابنها باكيا، تمسكت بالسلم الحديدي، اخذت تصعده درجة درجة وهي تقاوم ألم جرحها الغائر، وصلت والدماء تنزف منها، أخرجت الالواح الزجاجية الحمراء، تحول لون اضاءة الفنار الى الاحمر يلف الآفاق مطلقا ضوء الانذار.
الحديث عن هذه الفقرة يحيل القارئ الى نهاية الرواية والبيت المشتعل «ذا لايت هاوس» الذي توجد على سطحه المدرسات الثلاث «أم حمود، لطيفة ورجاء» ينتقي احداثيات الموقع من البيت المشتعل ويزودها لطائرات الهيليكوبتر القادمة.
نجد عبارة «كان الليل يأذن بالرحيل» في نهاية الفصل الثالث الذي يشمل الجزء الاول من الرواية، و«انوار الفجر تبدد الظلام» في الفصل الـ 20، وفي نهاية الرواية ايذانا بقدوم يوم جديد ونور التحرير يبزغ من جديد لترى الصديقات الثلاث من على سطوح «البيت المشتعل» علم الكويت على ذيل الطائرة، قائد الطوافة يرى باب السطح يفتح ويندفع افراد المقاومة يتراكضون نحو النساء الجريحات.
اما مصدر الاسقاط فيتجلى في الفصل الثالث وعبارة نظرت الى جرحها النازف وهي تسمع اقتراب الخيول وصياح الفرسان وهم يطلقون النار من فوهات بنادقهم، ما ايقظ سكان القرية القريبة الذين انتبهوا الى ضوء الفنار الاحمر، فأخذوا يتصايحون، ويتجهون راكضين الى الفنار، كانت تنظر الى افق البر الكبير، تنتظر الشمس التي ستعلن قدومها والفجر وهو يولد من جديد.
رواية الكاتب هيثم بودي «الفنار» تضم 179 صفحة من القطع الصغير وبلغة عربية سلسة تلعب على زمنين بوعي لان احداثها تتقاسمها فترتان من تاريخ الكويت فمن عام 1928 و1990 والشخصيات تتحرك في زمن متسارع، تقوده حساسية الاشخاص واندفاعهم للحياة والامل.
الزمانان يتداخلان في فصول الرواية التي يمكن ان نقسمها الى جزأين تتمثل فيها الفصول الثلاثة، بالجزء الاول فيما تتمثل الفصول الـ 17 بالجزء الثاني الذي تتعاقب فصوله باستطراد بطريقة «فلاش باك» حيث يعيد سردا من بعض قصة «الفنار» التي قرأتها لطيفة واخبرت بعضا من فصولها لصديقتيها ام حمود ورجاء، وكأن التاريخ يعيد نفسه ليربط الكاتب الكويت القديمة بالحديثة في هذه الحكاية.
لذلك فالرواية ذات مستويين فرضت اقصى التركيز على مراحل الانتقال بين فصول النص اذ تتم حركة الزمن ممهورة بسلاستها وانتقالاتها الموفقة، فشكلت ميزة للكاتب هيثم بودي، في استرجاع ذهن القارئ الى ما حواه الجزء الأول من الرواية.
هناك الماضي الذي ترصده الشخصية ولا يستغرق إلا فترة قصيرة لتستعيده البطلات الثلاث في الجزء الثاني (من الفصل 4 إلى 20) وتستمد منه القوة، حين أخبرت لطيفة صديقتيها بأنها تقرأ قصة اسمها الفنار – أو ساحل لوذان – السالمية القديمة، وكانت القصة توجد في إحدى السلاسل لمجلة العربي.
المقاربة بين الماضي والحاضر
استطاع الكاتب مقاربة ماضي الأحداث وحاضرها بهدوء وبدفقات صغيرة تعتمد الاقتضاب والجملة القصيرة، وظل الكاتب مقتصدا وإن كانت حوارات المدرسات الثلاث تطلب من القارئ مشاركة الكاتب في التوتر والإيحاء الى رمزية «الضوء» التي كانت تتمحور حولها الرواية.
زمن الرواية هو فترة الغزو الصدامي الغاشم ويحاول من خلاله استعادة تجربة المرأة البطلة والكويت الصامدة ويعيد التركيز على شخصية المرأة في الجزء الثاني من الرواية الذي يرصد فيه «الغزو العراقي» انتهاكات الجنود العراقيين للبيوت الكويتية ليكون وصفه واقعيا لواقع الحياة وتحدياتها حينما نقل صورة لحياة المدرسات الثلاث خلال فترة الغزو، وما رافق ذلك من نقص في المواد الغذائية وفي انقطاع التيار الكهربائي فكن يستنرن على هدي فتيلة سراج يدوي يعمل بالكيروسين والذي كانت صفائحه قد نفدت كوقود لطعامهن وللتدفئة.
كانت الشخصيات الثلاث يمثلن أجيالا مختلفة اجتمعن على محبة الوطن وشكلن نموذجا للتكاتف ودحر العدو فكانت الرواية معبأة في هذا الجزء بمعاناة البطلات – أهل الكويت – وحاول الكاتب ان يظهر أكثر من مرة إحساس «الكويتيين» بالخذلان من الشعارات الزائفة بعد الاحتلال وحلول العدوان واستخلاص الدروس من ذلك.
فجاء المشهد في الفصل الـ 15 «قالت بثقة وهي تشير نحو السرداب: سندفنه بكتب معرض «دور الكويت في التنمية العربية» أشارت لطيفة برأسها بالإيجاب ساخرة: نعم وللأسف الشديد، في اشارة الى دفن أحد الجنديين اللذين انتهكا حرمة بيتهن ولقيا حتفهما على يدي بعضهما البعض نتيجة شجارهما على عدم التزامهما بإنفاقهما في ليلتهما الحمراء حول الخادمة الآسيوية المغلوبة على أمرها. ولعل الجمع بين اسم المعرض «دور الكويت في التنمية العربية» وكتاب «أمة عربية ذات رسالة خالدة» أراد توظيفهما الكاتب في حوار المدرسات الثلاث لابراز شعار حزب البعث العربي الاشتراكي «أمة عربية ذات رسالة خالدة» لمن يدعي مضمون الشعار وهو الذي خطط لجريمة الاحتلال فهذه المفارقة كانت عابرة في البداية وخاصة دور الكويت في التنمية العربية، الا ان سير الأحداث وتقدمها صوب محور الرواية فتركز تفاصيلها على دلالات لعبارات: عالم المعرفة، تقارير اللجان الخيرية، تقارير المساعدات المالية وإنشاء الجامعات، لترد لطيفة على أم حمود التي تحسرت على نظافة الكتب: لا يهم، لا تأسفي على خير فعلتيه بالماضي، يجب ان نتعامل مع الرب وليس مع الإنسان.
عاد الكاتب في الفصل الأخير ليوظف سراج الكيروسين والابراج الثلاثة الحدبية والحبال كربط للقديم بالحديث وذلك عبر اقدام «رجاء» على رمي الجندي العراقي وبكل قوة بالأبراج المدببة حتى اخترقت صدره وتلقي بالسراج داخل غرفة خشبية على سطح البيت «المشتعل» «ذا لايت هاوس» ليصل الى نهاية روايته باستدلال طائرات التحالف بنور البيت ويكون نقطة «الارتكاز» التي التقت عندها القوات البرية الأولى التي أبلغها قائد الطوافة بوجود ثلاث نساء سطح «البيت المشتعل» - الفنار – ليكون المكان معلما لإرشاد الأولى لدخول المنطقة الغربية بـ «ذا لايت هاوس» التي تقدمت نحوها قوات التحالف وتجمعت القوات الفرنسية والمصرية والسعودية والإماراتية... وقوات المقاومة الكويتية الأرضية فتبدد الظلام بأنوار الفجر وشعلة التحرير.