- الحسيني: مراحل سلسلة الإعلام الأربع تأثرت بالتكنولوجيا سلباً وإيجاباً
- د.المنيع: أبرز سلبيات عدم الرقابة على هذه الوسائل تأثيرها على الأطفال
- العبدالهادي: حياة الإنسان آخذة في التسارع والتغيير ودائماً يبحث عما يجعلها أسهل
- حيدر: الكتب الورقية تأثرت إيجاباً بوسائل التواصل وارتفعت مبيعاتها
دارين العلي
أجمع المشاركون في ندوة «التكنولوجيا الحديثة وأثرها في الواقع الثقافي المعاصر» على تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على الثقافة من مختلف الجوانب سواء سلبا أو إيجابا، مفندين هذه التأثيرات التي لا بد أن تؤخذ بعين الاعتبار خلال تناول الحركة الثقافية في أي من المجتمعات.
وقد أثار المنتدون، خلال الندوة التي عقدت مساء أمس الأول ضمن الأنشطة المصاحبة لمعرض الكتاب الدولي الـ41، مسألة تأثير وسائل التواصل الاجتماعي والتكنولوجيا الحديثة على الإعلام المكتوب والكتب الورقية، كما تم تناول التأثير على صحة الطفل وتفكيره وتربيته.
وقد شارك في الندوة، التي ترأسها رئيس نادي نور الفكر للقراءة ومدرب مهارات القراءة سليمان العبدالهادي، مدير التحرير الزميل محمد بسام الحسيني، وأستاذ علم النفس في جامعة الكويت وأمين عام المنظمة العالمية لحماية الطفل د.ناصر المنيع، والمؤلف والناشر رئيس دار بلاتينيوم أحمد حيدر.
أدوات مبتكرة
وافتتح العبدالهادي الندوة، مشيرا الى ان الانسان يجتهد في كل يوم من أيام حياته ليستفيد من الأدوات المتاحة لديه قدر الإمكان، لافتا الى ان الأداة التي يقل استخدامها يكون ذلك بسبب ابتكار أخرى منافسة لها، يمكن ان تكون أسرع وأكثر كفاءة وأقل كلفة.
ولفت الى ان حياة الانسان آخذة في التسارع والتغيير، وقد ساعد في ذلك الأدوات المبتكرة التي تجعل حياة الانسان أكثر سهولة، لافتا الى ان للسهولة ضريبتها.
وعدد اختراعات الانسان منذ القدم وفق احتياجاته، فقال انه اخترع العجلة عندما احتاج الى سهولة وسرعة التنقل، واخترع المسمار عندما احتاج الى الاعمار، واخترع البوصلة عندما احتاج الى تحديد اتجاهه، واخترع البارود عندما أراد أن يسيطر على الاراضي بالقوة، واخترع الورق عندما أراد أن يحفظ معارفه، واخترع الطباعة عندما أراد أن ينشر هذه المعارف، وغيرها الكثير، كل وفق احتياجاته، وصولا الى عصر الانترنت ومحركات البحث ووسائل التواصل الاجتماعي.
وشدد على ان الثقافة ليست بمعزل عن كل ذلك، فقد تأثرت وتطورت بهذه التكنولوجيا وشأنها شأن كل نواحي حياتنا، طورت شكلها، وساهمت بانتشارها، لافتا الى ان التكنولوجيا خلقت سلوكا وفهما اقتصاديين يؤثران على مستهلك الثقافة ومتعاطيها.
وأوضح ان التكنولوجيا جعلت التعاطي مع الثقافة يختلف من جيل الى جيل، من جيل نشأ على التلفزيون الرسمي الوحيد الى جيل الخيارات والقنوات اللامحدودة والفضاءات المفتوحة.
وعن كيفية تغير صورة وشكل الثقافة تأثرا بالتكنولوجيا الحديثة، تحدث د.ناصر المنيع، لافتا الى ان المرحلة الحالية تثبت ان وسائل التواصل الاجتماعي تؤثر بالمجتمعات أكثر من الوسائل الاخرى سواء المرئية والمسموعة، لافتا الى ان برامج التواصل هذه بدأت في التسعينيات وعلى نطاق ضيق ولأفراد محددين، وإنما بدأ تأثيرها الفعلي منذ 2004 بعد ظهور «الفيسبوك» الذي فتح صفحات ثقافية كانت محصورة وقتذاك بطلبة الجامعات وفئات معينة من الناس الى ان فتحت بعدها بشكل أوسع لأفراد.
وتحدث عن ظهور «تويتر» في 2006 والذي بدأ تأثيره لدينا في 2011 ومن ثم تطبيقي «انستغرام» و«سنابشات» الذي يعتبر من أهم التطبيقات المؤثرة حاليا، لافتا الى الضعف الشديد للثقافة العربية على هذه الوسائل وضعف نشر المعلومات الصحيحة والموثوقة عربيا.
ولفت الى ان بعض الافراد يعودون الى هذه الوسائل ويثقون بها أكثر من التقارير الحكومية، محذرا من المدعين الذين يدعون الثقافة عبر هذه الوسائل ولكن لا يمتلكونها فيبثون أخبارا ومعلومات غير دقيقة يجذبون بها المتابع، إما لشهرتهم، وإما بسبب الاثارة في نشر الخبر.
ولفت الى غياب الرقابة الذاتية لدى الناشرين في ظل الحريات المتاحة على وسائل التواصل، فنجد ان المتخصص وغير المتخصص يتحدث في كل الامور دون رادع، وينشر المعلومات دون التحقق منها والمجتمع يأخذ المعلومة غير مدرك ان كانت صحيحة أو لا.
وتحدث عن ايجابيات وسائل التواصل التي تتعلق بالانفتاح والتعلم السريع والمباشر والمجاني وامكانية اطلاق الابداعات والمشاريع بسهولة، بالإضافة الى سهولة عمليات التواصل وتدني تكلفتها.
أما السلبيات فلفت الى انها تكمن في متابعة صغار السن لهذه الوسائل دون رقابة ما يؤثر وخاصة على الاطفال صحيا وفكريا، إضافة الى انها قضت على ما يسمى استغلال اوقات الفراغ في الامور المفيدة كالرياضة وغيرها.
وشدد على انه يجب ان ننتبه لمسألة من نتابع على هذه الوسائل ممن يتمتع بالمصداقية وهو من يتحدث بما هو متخصص به وأخذ المعلومة من المصدر المختص، لافتا الى انه يجب ان يكون لدينا التفكير الناقد لكي نتمكن من التفريق ما بين الصحيح وغير الصحيح وأخذ المعلومات من المصادر الموثوقة والخبراء والدوريات الحديثة، والمواقع التي تنتهي بـ org ،gov ،edu.
4 مراحل
وعن سلسلة الاعلام وتأثير التكنولوجيا عليها وعلى الواقع الثقافي تحدث مدير التحرير الزميل محمد بسام الحسيني فلفت الى أن مقولة «من يسيطر على الإعلام يسيطر على العقول»، التي سادت طيلة قرون تغيرت اليوم، إذ لم يعد أحد يسيطر على الإعلام أو بإمكانه السيطرة عليه بعدما حررته التكنولوجيا بشكل كبير، محدثة ثورة حقيقية على كل المستويات الحياتية بما فيها الأدب والثقافة.
وقال انه ليس غريبا، بل من الطبيعي، أن نكون أمام تغير ثقافي هائل في عصر صار فيه العالم حاضرا في راحة الكف عبر أجهزة صغيرة تحوي في داخلها فضاءات كاملة من الموسوعات والكتب والمعلومات، فضلا عن مساحات هائلة من الآراء والنقاشات، مؤكدا ان ذلك لا يغنينا عن قراءة الكتب والصحف الورقية، فهي بمنزلة الخروج في الهواء الطلق الذي لا يغنينا عنه الاحتباس في المنزل.
وفي معاينة لما تركته التحولات التكنولوجية الكبرى من آثار على إعلامنا وعلى نتاجنا الثقافي شكلا ومضمونا، إيجابا وسلبا، تحدث الحسيني أولا عن السلسلة التي تعتبر الأساس في أي عملية إنتاج إعلامي أو ثقافي، وتتكون من 4 مراحل، منذ أيام التراسل عبر الحمام الزاجل كإحدى أقدم الوسائل في نقل الأخبار حتى اليوم، في توجيه رسالة إلكترونية أو كتابة تغريدة أو نشر صورة.
أما المراحل الأربع فلفت الى أنها المحتوى أو المادة، التحميل، النشر والتوزيع والتفاعل، لافتا الى انه مع ظهور الإعلام الجديد، تأثرت المحطات أو المراحل الأربع بشكل كبير غير وجه التواصل في العالم ووسع حدود الإعلام ومعه تلقائيا الثقافة.
وتحدث تفصيلا عن هذا التغيير الذي أصاب كل مرحلة من المراحل الأربع رغم تفاوته بين الواحدة والأخرى، ففي المرحلة الأولى (المحتوى أو إبداع المحتوى) وهي الأهم كونها الأكثر التصاقا بشخص الإنسان، تأثرت انطلاقا من كون الإنسان ابن عصره وحملت مفردات التكنولوجيا غزوا لعوالم لغتنا وأسلوب تحاورنا وحياتنا، لكن تظل هذه المرحلة مع ذلك الأقل تغيرا مقارنة بالثلاث الأخرى كونها تعتمد بالأساس على الإبداع الفردي.
أما المرحلة الثانية، التحميل، فلفت الى انها شهدت قدرة حقيقية صارت الطباعة أسهل والتسجيل أسهل نصا وصورة ومشهدا وصوتا، بينما انقلبت المرحلة الثالثة، التوزيع والنشر، رأسا على عقب، فخطاب الجهة إلى جهات صار مع القدرة الانتشارية للإعلام الجديد خطاب جهات إلى جهات، ما إن نكتب معلومة حتى ينقلها المهتمون في حلقة لامتناهية قد تبلغ أرجاء العالم في وقت قصير، لافتا الى انه كان التحكم بالإعلام يتم عبر ضبط التوزيع والنشر، أما اليوم فتلامس محاولات الحجب حدا بالغ الصعوبة على الرقباء وأي سلطة من السلطات.
وحول مرحلة التفاعل فلفت الى انها شهدت تحولا ثوريا بحيث بات متاحا الحصول على ردود فعل الناس بشكل مباشر وغير محدود.
وأضاف: لقد أرخت هذه التحولات التكنولوجية بظلالها على الحياة الثقافية بشكل مذهل تاركة إيجابيات وسلبيات، معرفا الثقافة بمجموعة القيم والفنون والنظم والمجهودات الفكرية والعلمية التي تتمحور حولها حياتنا، وكلها اليوم نضعها في وعاء تكنولوجي ونعبر عنها من خلال حساباتنا الشخصية ومواقعنا الإلكترونية إلى جانب مؤسساتنا الإعلامية التقليدية من صحف وتلفزيونات وغيرهما.
وعن الايجابيات التي حصدتها الثقافة أشار الى انه على المدى القصير قد يبدو أن الضحية الكبرى للتطور التكنولوجي هي «حقوق الملكية الفكرية»، لكن في الواقع وعلى المدى البعيد لن يكون الأمر كذلك مع القوننة المتوقعة وتطور محركات البحث المعززة بقواعد وتشريعات حمائية وتطوير شروط الدخول إليها ومكافحة القرصنة ما يضع هذه النقطة في خانة الإيجابيات، فعندما نكتب يقرؤنا العالم إن كنا ننتج ما يرقى لمتابعته ويهمه، وسنتمكن من حماية حقوقنا من غير أن يتمكن أحد من سرقتها لأنه ببساطة سيحاسب وسيكون من السهل تحديد المصدر وحمايته.
أما الايجابيات الاخرى فأوضح أنها تكمن في الأرشفة واختصار المكان إلى ذاكرة نانومترية يمكنها اختزان معلومات كانت تتطلب مخازن وأرففا ضخمة والاستمرارية في الزمان، إذا قدمنا ما هو مهم للأجيال المستقبلية سيكون سهلا عليها الوصول إلى ما تركناه وكثافة التفاعل والتواصل، وهي أروع عنصر في عالم الإعلام الجديد وأكثرها إثارة وخلق فرص عمل جديدة تعوض تلك التي حد منها التطور التكنولوجي وإعطاء أبعاد جديدة للأسواق الإنتاجية.
فوضى النشر
وعن السلبيات فقال إن أولها فوضى النشر، فإتاحة النشر بكل سهولة أمام الجميع يجعلنا محاطين بطوفان من المعلومات التي تختلط فيها العناوين والمضامين وتستدعي جهدا كبيرا في تحديد الأولويات وتنقية ما هو مختص وجدير مما هو ثرثرة وهراء.
وتحدث عن الإيقاع المتسارع للتطور التكنولوجي الذي يعزز ثقافة الاختصار والجوع إلى النقد وإثبات الوجود والتطفل، وهذا بطبيعته يتناقض مع روح النقد البناء الذي يستلزم التعمق والتبحر والتحليل والنفس الطويل شيئا فشيئا تضغط علينا ثقافة الاختصار وتجعلنا نضيق بالمطولات وتدفعنا نحو السطحية، بدلا من النظر إلى «الموسوعة» والآراء الطويلة.
وأوضح أنه من بين السلبيات فبالرغم من كون الفضاء الحر والمفتوح جنة للآراء المكبوتة والثقافات، فهو أيضا يعطي الفرصة ذاتها للخطاب السلبي المبني على الكراهية والإساءة والتشويه، كل هذه التطورات تستدعي منا التمعن مليا في المسار الذي يسلكه العالم وأن نوفر الآليات التوعوية والاجتماعية والتربوية للمواجهة بما يحمي ثقافتنا ويوجهها نحو التطوير لا التدمير.
التأثير على الأدباء
بدوره تحدث المؤلف أحمد الحيدر عما يمكن أن يخسره المثقفون والادباء اذا لم يلحقوا بركب التكنولوجيا، لافتا الى اهم يمكن أن يخسروا الكثير مشيرا الى بعض دور النشر التي تراجعت مبيعاتها لتجاهلها وسائل التواصل الاجتماعي في الترويج لكتبها وأدبائها، مؤكدا ان البقاء في الاطار التقليدي يمنع هذه الدور من التقدم للأمام.
وقال ان وسائل التواصل باتت مؤثرة جدا مع غياب «حارس البوابة» الذي لا يزال موجودا في الصحف التقليدية والذي يقوم بـ«فلترة» الاخبار، الا انه في وسائل التواصل لا وجود لذلك إذ إن كل الاخبار مباحة وترسل مباشرة دون رقابة ما يجعل للأمر تأثيرا سلبيا وإيجابيا في آن معا.
ولفت الى ان عامة الناس ممن لا يملكون التفكير النقدي قد يتأثرون بهذه المعلومات التي ترد عبر وسائل التواصل الاجتماعي نظرا لكونها تحتمل الصحة وعدمها، خصوصا في ظل صعوبة السيطرة على هذه المواقع لغياب الرقابة كما ان الاسماء الوهمية تجعل من الصعوبة بمكان لا يسمح للحكومات والمراقبين بمعرفة الشخص في ظل السرية التامة التي تتعامل معها شركات شبكات التواصل.
وتطرق لكيفية استخدام وسائل التواصل من قبل دور النشر موضحا انه ليس صحيحا ان هذه التكنولوجيا أثرت على الكتاب الورقي فالمبيعات للكتب الورقية اليوم أكثر منها منذ 6 سنوات ندما كانت وسائل التواصل محدودة لافتا الى ان المعرض الحالي للكتاب من أفضل المعارض نظرا للاقبال الشديد من قبل رواده على اقتناء الكتب الورقية.
وقال ان دور النشر اليوم تسخر هذه الوسائل للترويج للاصدارات والكتب لديها كما يتم أحيانا الدفع لمشاريع السوشيال ميديا للترويج لهذه الكتب، لافتا الى ان هذه الفئة من المشاهير يقومون بنشر الكتب الورقية أولا لأنهم يؤمنون بديمومة هذه الكتب، ويبحثون عن جمالية الصورة النمطية لأنفسهم، واستقطاب شريحة جديدة من الجمهور المحب للقراءة، لافتا الى ان بعضهم لديه رغبة حقيقية في اثراء الحراك الثقافي، عدا عن الاسباب النفسية والمادية.
وعلق على الحملات الانتخابية الحالية لافتا الى انه ليس هناك أي مرشح تحدث عن الثقافة وأهمية اثراء وعي الناس، متمنيا ان يؤثر الواقع الثقافي على الساسة.
مداخلات
في سؤال للزميل عماد خضر حول مستقبل الاعلام الورقي في ظل الاعلام الالكتروني، رأي الزميل محمد الحسيني أن مصير أي صحيفة ورقية مرتبط بالجانب التجاري فهي صناعة وعمل يتطلب انتاج ورأس مال فطالما تستطيع الصحيفة تمويل نفسها او ايجاد من يمولها فإنها ستستمر بالصدور اذا ما كانت ذات محتوى جيد وتضيف خدمة للقارئ الذي يقبل عليها.
طبيبة الاطفال آمن فاضل تحدثت في مداخلة لها عن دراسة أعدتها الجمعية الأميركية لطب الاطفال ذكرت ان الاطفال يتأثرون بشكل غير مباشر بوسائل التواصل الاجتماعي المسببة لعدد من المشاكل كمشاكل النوم والسمنة الزائدة والتوتر وعدم التركيز وصعوبة الاستيعاب، لافتا الى ان الدراسة أوصت بمنع الاطفال ما دون العامين من التعامل مع هذه الوسائل والسماح لمن هم بين 3 و5 أعوام بساعة يوميا وساعتين للأطفال ما بين 5 و8 سنوات، ومنع وجود هذه الاجهزة داخل الغرف وغير ذلك من التوصيات.