- «مكافحة الفساد»: لم نتجاوز رقابة ديوان المحاسبة
- خلو القانون من تنظيم كيفية إدارة العمل داخل مجلس الأمناء
- عدم معالجة القانون للجوانب الإجرائية الخاصة بالتصرف في البلاغات المقدمة للهيئة
- البنية التشريعية ساهمت بشكل كبير في تفجّر الخلافات وتفاقمها داخل مجلس الأمناء
- معالجة وإصلاح الوضع في الهيئة أضحى استحقاقاً وطنياً تستوجب مواجهته ومعالجته
رشيد الفعم
أصدرت لجنة تقصي الحقائق المكلفة بقرار من وزير العدل رقم 4 لسنة 2017 تقريرها بشأن بحث اوضاع سير العمل بالهيئة العامة لمكافحة الفساد.
وأوجزت اللجنة في تقريرها الذي حصلت «الأنباء» على نسخة منه نتائج اعمالها في اختفاء كل مقومات ومتطلبات استمرار الهيئة وقدرتها على النهوض بالمسؤولية الوطنية المكلفة بها.
وخلصت اللجنة الى ان البنية التشريعية واللائحة القائمة ساهمت بشكل كبير في تفجر الخلافات وتفاقمها داخل مجلس الامناء.
وأكدت اللجنة ضرورة مراجعة التشريعات بدءا بمرسوم رقم 24 لسنة 2012 بإنشاء الهيئة ولائحته التنفيذية، وكذلك القانون رقم 2 لسنة 2016.
ولفتت اللجنة الى ان هناك تشابكا في الاختصاصات بين رئيس الهيئة ومجلس الامناء والجهاز التنفيذي وعدم وضوح اختصاص كل جهة، فضلا عن المبالغة في عدد اعضاء مجلس الامناء بتشكيله من 7 اعضاء ما علي يزيد العدد المناسب لتحقيق الاهداف المرجوة.
وإلى نص التقرير:
بالإشارة الى قرار معالي وزير العدل آنف الذكر الذي عهد في مادته الثانية الى اللجنة مهمة بحث اوضاع سير العمل بالهيئة العامة لمكافحة الفساد، للوقوف على ما قد يكون صادف العمل بالهيئة من معوقات وازدواجية وتضارب في مباشرة الاختصاصات حال دون انسيابية العمل بها وبلوغ اهدافها واستظهار اسباب ذلك - ان كان - مع بيان موقف كل طرف في هذا الشأن وعلى اللجنة اقتراح الحلول المناسبة وآلية معالجة ما قد تستظهره من خلافات بين رئيس واعضاء مجلس الامناء والأمين العام للهيئة وذلك وصولا لسير العمل بها بانتظام واطراد وفقا للقانون.
منهجية عمل اللجنة وملخص ما قامت به من أعمال
عقدت اللجنة ثلاثة اجتماعات بقصر العدل على النحو الآتي:
اولا: الاجتماع الاول بتاريخ 15 يناير 2017.
وفيه قررت اللجنة انتداب كل من:
أ) السيد/ محمد قاسم اسد حسين أمين السر.
ب) السيد/ هاشم السيد البحيري للقيام بأعمال الطباعة.
وقامت اللجنة بمخاطبة السادة اعضاء مجلس امناء الهيئة العامة لمكافحة الفساد كل على انفراد لتقديم مذكرة شارحة ووافية بشأن المعوقات التي تعتري عمل الهيئة على النحو الموضح في محضر الاجتماع رقم (1) المرفق بهذا التقرير والكتب المرسلة اليهم بهذا الشأن.
وقامت اللجنة بمخاطبة السيد المستشار/ رئيس الهيئة العامة لمكافحة الفساد لتزويد اللجنة بالمستندات المشار اليها في الخطاب المرفق والمؤرخ في 16 يناير 2017.
ثانيا: الاجتماع الثاني بتاريخ 23 يناير 2017 بعد ورود ردود كل من:
1) السيد المستشار رئيس الهيئة العامة لمكافحة الفساد ورئيس مجلس الامناء المؤرخ في 23 يناير 2017 من خلال مذكرة ومستندات.
2) السيد المستشار نائب رئيس الهيئة العامة لمكافحة الفساد المؤرخ في 22 يناير 2017 وما ارفق به من مذكرة مستندات.
3) ورد الى اللجنة المستندات المطلوبة استنادا الى الاجتماع الاول.
ثالثا: الاجتماع الثالث بتاريخ 25 يناير 2017.
لإثبات ورد المذكرات الشارحة المقدمة من السادة اعضاء مجلس الامناء وهم:
1) السيد/ مشاري سعد المطيري.
2) السيد/ عبدالوهاب صالح المزيني.
3) السيد/ محمد سلطان السبيعي.
4) السيد/ لؤي احمد الصالح.
5) السيد داود عبدالله الجراح.
وتبعتها اجتماعات مستمرة ومغلقة لاستقراء الاوراق والاطلاع على المستندات واعداد هذا التقرير.
استخلاصات أعمال اللجنة
توجز اللجنة اعمالها في المحور التالية:
أولا: التشريع:
حيث ان الثابت من الاطلاع على التشريعات واللوائح المنظمة لعمل الهيئة العامة لمكافحة الفساد بدأ من المرسوم بقانون رقم 24 لسنة 2012 بإنشاء الهيئة ولائحته التنفيذية.
والقانون رقم 2 لسنة 2016 في إنشاء الهيئة العامة لمكافحة الفساد الصادر بتاريخ 24 يناير 2016 ولائحته التنفيذية الصادرة بالمرسوم رقم 300 لسنة 2016 بتاريخ 2 نوفمبر 2016.
ان التشريعات المذكورة بأمس الحاجة للمراجعة وإعادة التقييم والإصلاح والتطوير.
ذلك أن النظام القانوني واللائحي للهيئة ساهم وشجع على تفجر الخلافات واستفحالها بين الرئيس وباقي أعضاء مجلس الأمناء وساعد في تعثر الهيئة وعدم قدرتها على أداء المهمة المناطة بها والمسؤوليات الجسيمة الموكلة إليها ويكمن ذلك في نقاط كثيرة أبرزها الآتي:
1 ـ تشابك الاختصاصات بين رئيس الهيئة ومجلس الامناء والجهاز التنفيذي وعدم وضوح اختصاصات كل جهة على نحو دقيق.
2 ـ المبالغة في عدد أعضاء مجلس الأمناء بتشكيله من سبعة أعضاء وهو عدد يزيد عن العدد المناسب لتحقيق الاهداف المنوه عنها في المادة الرابعة من القانون.
3 ـ تفرغ السادة اعضاء مجلس الامناء، عدا الرئيس ونائبه لأعمال المجلس خلافا لما جرى عليه العمل في مجالس ادارات الهيئات والمؤسسات.
وتركيز الاختصاصات التنفيذية للسيد رئيس الهيئة فقط وحرمان الباقين من أي اختصاصات تنفيذية أدى إلى توتر العلاقة بين الرئيس ونائبه من جهة وباقي الاعضاء من جهة أخرى ومحاولة كل فريق اقصاء الآخر والاستحواذ على أكبر قدر ممكن من الاختصاصات.
4 ـ خلو القانون واللائحة التنفيذية من تنظيم كيفية ادارة العمل داخل مجلس الامناء وآلية اصدار القرارات وممارسة الاختصاصات المشار إليها في المادة العاشرة من القانون رقم 2 لسنة 2016.
5 ـ التبعية الادارية للهيئة العامة لمكافحة الفساد إذ ورد في المادة الأولى من القانون السالف الذكر ان الوزير المختص هو وزير العدل.
في حين أن القانون لم يمنح وزير العدل أي سلطة رقابية أو مسؤوليات حيال الهيئة ـ الأمر الذي جعل منه مسؤولا عن أعمال الهيئة امام سمو الأمير ومجلس الأمة ومجلس الوزراء مع حرمانه من أي سلطات ادارية تجاه الهيئة.
وعلى هذا الأساس قام السادة أعضاء المجلس باستخدام أدوات الرقابة البرلمانية الدستورية قبل وزير العدل والتلويح باستخدامها على الرغم من عدم تمتعه بأي وصاية إدارية على الهيئة.
6 ـ عدم معالجة القانون للجوانب الاجرائية الخاصة بالتصرف في البلاغات التي تقدم للهيئة سواء بإحالة البلاغات للنيابة العامة أو
حفظها ايا كانت اسباب الحفظ والجهة المختصة بإصدار قرارات التصرف وعدم وجود نظام للتظلم من تلك القرارات او الطعن عليها.
7- ان المادة التاسعة من القانون رقم 2 لسنة 2016 التي رسمت خطوات اسقاط عضوية اعضاء مجلس الامناء هي مادة معيبة ويتعين تعديلها بنظام للتأديب والمحاسبة والتدرج في العقوبات.
ثانيا: رئيس الهيئة
ساهم الخلل في صياغة تشريع الهيئة في عدم وضوح اختصاصات وصلاحيات رئيس الهيئة وتشابكها مع اختصاصات مجلس الامناء وهو ما ادى الى رغبة الاعضاء الخمسة «عدا الرئيس ونائبه» في انكار سلطات رئيس الهيئة ومحاولة تجميده، ومشاركته ومزاحمته في كافة اختصاصاته والسعي الى بسط نفوذهم على كافة الاختصاصات الادارية والمالية والفنية ايا كان حجمها.
ولا شك ان ذلك خطأ آخر ينسب للسادة اعضاء مجلس الامناء الخمسة لاسيما بعد صدور اللائحة التنفيذية بموجب المرسوم رقم 300 لسنة 2016 بتاريخ 2 نوفمبر 2016 وتأكيدها على تركيز الاختصاصات التنفيذية لرئيس الهيئة وقد اشارت اللائحة في ديباجتها الى انها قد صدرت بناء على اقتراح مجلس أمناء الهيئة العامة لمكافحة الفساد في اجتماعه رقم 7 لسنة 2016 المنعقد بتاريخ 25/4/2016.
وقد تبين من الاطلاع على محضر ذلك الاجتماع توقيع كافة اعضاء مجلس الامناء على المحضر بما يفيد الموافقة على اللائحة.
وهو ما كان يستلزم منهم النزول على مقتضاها واحترام احكامها وصولا لبلوغ الاهداف المنصوص عليها في المادة الرابعة من القانون، بيد ان الثابت من الاوراق إخلال الاعضاء الخمسة بواجب الالتزام بأحكام اللائحة والاستمرار في المنهج السابق بمحاولة الافتئات على اختصاصات الرئيس.
من جانب آخر، ثبت من الاوراق ان السيد رئيس الهيئة قد اختزل بعض اختصاصات مجلس الامناء، وابرزها ابرام العقود الخاصة بالهيئة بما فيها عقود تعيين الموظفين بالمخالفة للبند 4 من المادة العاشرة وكذا انفراده بتشكيل بعض لجان العمل بالمخالفة للبند 5 من المادة المذكورة.
ولا غرو ان تجاهل باقي اعضاء مجلس الامناء وتجهيلهم فاقم الاشكالية داخل المجلس في ظل عدم وجود اي ضوابط ومعايير يتعين الالتزام بها عند ابرام العقود مع الشركات والتي تحمل الهيئة تكلفة مالية ذلك ان كانت الهيئة مستقلة والقانون قد منح الرئيس ومجلس الامناء استقلالا تاما الا ان ذلك لا يجعلهما بمنأى عن التقيد بالنظام القانوني.
ومنها على سبيل المثال الالتزام بقانون المناقصات العامة والتقيد بالاجراءات المتبعة في اخذ موافقات الجهات ذات الاختصاص ومنها لجنة المناقصات المركزية.
ومن اخطر الامور التي رصدتها اللجنة الاتهامات الموجهة من اعضاء مجلس الامناء الخمسة للسيد رئيس الهيئة بشأن مخالفات دونت بشأنها ملاحظات من ديوان المحاسبة وفقا لما اوردوه بمذكراتهم.
كما وقد ثبت من المستندات الواردة من الهيئة الاسراف في ندب الموظفين والمستشارين والاستعانة بهم، دون اخذ رأي او موافقة مجلس الامناء او العرض عليه رغم تعلق ذلك بمسألة اعداد الميزانية الداخلة في صميم اختصاصات المجلس، وعدم ذكر بعض اسمائهم في القائمة المطلوبة من اللجنة بأسماء كافة العاملين بها ايا كانت أداة شغل الوظيفة.
ثالثا: مجلس الأمناء
نصت المادة السادسة من القانون رقم 2 لسنة 2016 على ان يتولى ادارة الهيئة مجلس يسمى مجلس الامناء، واشارت المادة العاشرة الى اختصاصات مجلس الامناء، وقد أشارت اللجنة في هذا التقرير في المحور السابق الى المثالب التي شابت القانون بشأن مجلس الامناء وبعض الاخطاء المرصودة بحق الاعضاء الخمسة.
اضافة الى ما تقدم فقد ثبت من الاطلاع على اوراق عمل اللجنة ومستنداتها احتدام الخلاف والشقاق والشد والجذب والصراع والتوتر وعدم الانسجام والخلاف الشديد في العلاقة بين الرئيس ونائبه من جهة وباقي الاعضاء من جهة اخرى، على نحو عطل اعمال الهيئة وتسبب في تأخر صدور اللوائح اللازمة لعملها وتعثر نشاطها بل وفشلها في كسب ثقة المواطنين والمسؤولين واعضاء مجلس الامة.
ان رغبة أعضاء مجلس الأمناء الخمسة ـ غير الرئيس ونائبه ـ المتفرغين ذوي الخبرة والتاريخ الطويل في العمل الإداري بالقيام ببعض الأعمال والاختصاصات وعدم الاكتفاء بما هو مقرر بمجلس الأمناء وفقا للقانون واللائحة، افرز تصادما مستمرا مع الرئيس وهذا ما يتطلب إلغاء مجلس الأمناء والعهد بالصلاحيات كاملة الى الرئيس ومعاونيه فقط، وان تطلب الأمر إنشاء مجلس إدارة لرسم السياسات العامة فقط.
رابعا: الجهاز التنفيذي:
الثابت من تمحيص ما يتعلق بشأن الجهاز التنفيذي المنصوص عليه في المادة 12 من القانون وما بعدها ان العاملين في الهيئة قد تأثروا بالخلافات المحتدمة بين أعضاء مجلس الأمناء، الذين حاولوا قدر الإمكان استمالة الموظفين بمن فيهم الأمين العام والأمناء المساعدون.
ولا شك ان ما سلف انعكس على الألفة والتفاهم داخل الجهاز التنفيذي وألقى بظلاله على أداء الموظفين، بل وتسبب في إحراج شديد للكثيرين ممن رغب في النأي بنفسه عن الخلافات بين أعضاء مجلس الأمناء وعدم التصنيف مع أي منهم ولا ريب ان ذلك الجو غير الصحي أثار لغطا وإشاعات على الصعيد الإعلامي، ووسائل التواصل الاجتماعي اثر سلبا وبشكل كبير على مكانة وسمعة الهيئة العامة لمكافحة الفساد.
نتائج أعمال اللجنة
إيماء للمادتين الثانية والثالثة من قرار معالي وزير العدل رقم 14 لسنة 2017، توجز اللجنة نتائج أعمالها في الآتي:
1 ـ غياب الموضوعية وكافة متطلبات نجاح مجلس الأمناء المسؤول عن إدارة الهيئة العامة لمكافحة الفساد، واحتدام واستشراء الخلافات والصراع على نحو يتعذر معه تحقيق الأهداف التي أنشئت من أجلها الهيئة، ويعوق أداء رسالتها السامية في مواجهة الفساد وما ينطوي عليه من جرائم اقتصادية واجتماعية من شأنها زعزعة استقرار المجتمعات وأمنها، وتفويض مؤسسات الدولة، والمساس بسيادة القانون وتعرض النزاهة والعدالة للخطر.
2 ـ ان معالجة وإصلاح الوضع داخل الهيئة العامة لمكافحة الفساد أضحى استحقاقا وطنيا تستوجب الضرورة مواجهته ومعالجته بالسرعة اللازمة للمحافظة على الأمن الاقتصادي داخل المجتمع الكويتي في ظل اعتبار جرائم الفساد ظاهرة عالمية ومحورية.
3 ـ الثابت مما قامت به اللجنة وما اطلعت عليه من مذكرات ومستندات واستخلاص هو اختفاء كافة مقومات ومتطلبات استمرار الهيئة وقدرتها في النهوض بالمسؤولية الوطنية المكلفة بها بعد ان نالت الخلافات داخل مجلس الأمناء من سمعتها وشوهت صورتها والعجز عن إيجاد بيئة تكفل سير العمل بسلاسة داخل مجلس الأمناء والجهاز التنفيذي.
4 ـ البنية التشريعية واللائحة القائمة ساهمت بشكل كبير في تفجر الخلافات وتفاقمها داخل مجلس الأمناء، ولا نتردد في التأكيد على ان هذا الخلاف من شأنه ان ينشأ أيا كان الأشخاص المسؤولون عن مجلس الأمناء، وهو ما يتطلب التدخل السريع وإعادة النظر على الهدى المشار اليه في البند الخاص بمجلس الأمناء من هذا التقرير.
5 ـ ان اقتراح الحلول المناسبة وآلية المعالجة الشاملة كما جاء في قرار معالي وزير العدل يتطلب فترة زمنية تجاوز الأجل المحدد في القرار، وتكتفي اللجنة بالملاحظات المنوه عنها في هذا التقرير.