تحتفل تونس يوم 20 مارس 2017 بالذكرى المجيدة الواحدة والستين لعيد الاستقلال، وهي ذكرى عزيزة على التونسيين والتونسيات في الداخل والخارج، يستذكرون فيها بكل إكبار وإجلال شهداء تونس الأبرار الذين ضحوا بأنفسهم في سبيل الذود عن الوطن ويستحضرون خلالها رجالات تونس وزعماءها ممن أسسوا دولة الاستقلال الحديثة، ويستلهمون منها المعاني النبيلة والدلالات العميقة من أجل المساهمة في بناء تونس الجديدة، والتطلع إلى المستقبل بكل تفاؤل وثبات.
ومن حسن الطالع، أن يتزامن الاحتفال بذكرى الاستقلال، مع مرور خمس وخمسين عاما على إقامة العلاقات الديبلوماسية بين تونس والكويت.
وفي الحقيقة، تعود علاقات الإخاء والتواصل بين الشعبين الشقيقين إلى بداية القرن الماضي عبر رموز الحركة الوطنية في البلدين ودفاعهما المشترك عن استقلالهما، ونذكر في هذا السياق، زيارة الشيخ عبدالعزيز الثعالبي، أحد أبرز رموز الحركة الوطنية التونسية، إلى الكويت عام 1923 وحصوله على الدعم والمساندة للمساعي التونسية لنيل الاستقلال.
وكانت تونس من أولى الدول التي دعمت استقلال الكويت في منظمة الأمم المتحدة، وساهم هذا التاريخ المشترك في نحت معالم علاقات متجذرة ومتنوعة قائمة على الإخاء والاحترام المتبادل والتعاون وتبادل المنافع والمصالح. وعكست زيارة الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة إلى الكويت سنة 1962 وما حظي به من ترحاب وحفاوة كبيرين من القيادة الكويتية آنذاك عمّق هذه العلاقات وميّزها.
وتعززت مسيرة العلاقات وشملت مجالات حيوية، حيث كانت الكويت من أولى الدول التي ساهمت في مشاريع التنمية في تونس من خلال الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية منذ سنوات الستينيات من القرن الماضي وتواصلت إلى الآن وبلغ عدد المشاريع التي مولها الصندوق في تونس (34) مشروعا في كل المجالات الاقتصادية بقيمة تناهز مليار دينار تونسي.
وعلى المستوى الاستثماري، كان للكويت دور ريادي في تطوير القطاع السياحي في تونس عبر الهيئة العامة للاستثمار وذراعها في تونس «المجموعة التونسية الكويتية للتنمية» وتوسعت استثمارات الهيئة لتشمل في السنوات الأخيرة قطاعات مهمة على غرار الصناعات الغذائية وتكنولوجيا المعلومات إلى جانب السياحة.
كما شكل البعد الثقافي احدى مميزات التعاون المهم بين البلدين وساهم في تعزيز حلقات التواصل بين المبدعين والمفكرين في مجالات الفنون والمسرح والأدب والشعر، وتبادل البلدان إقامة الفعاليات الثقافية بينهما وكان آخرها تنظيم أيام ثقافية كويتية في تونس بمناسبة فعالية صفاقس عاصمة للثقافة العربية في شهر فبراير الماضي، وكانت مناسبة للتعريف بالثقافة الكويتية وثرائها.
وإدراكا بأهمية هذا المجال المهم في توطيد العلاقات بين الشعبين وتقديرا للمبدعين الكويتيين، منح رئيس الجمهورية التونسية الباجي قايد السبسي وسام الاستحقاق الثقافي لرجل الثقافة عبدالعزيز سعود البابطين، والشاعر فاضل خلف الذي ألف ديوان شعر عن تونس أسماه «على ضفاف مجردة».
وتتواصل مسيرة العلاقات على درب التطور والامتياز، حيث شهدت انطلاقة متجددة بعد الزيارة التي أداها رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي في شهر يناير 2016 تلبية لدعوة أخيه صاحب السمو الأمير الشيخ صباح الأحمد، وجدد سموه موقف الكويت الثابت الداعم لتونس والوقوف إلى جانبها لتجاوز التحديات الماثلة أمامها في سبيل استكمال مسار انتقالها الاقتصادي بعد أن توفقت بفضل لحمة شعبها ووعي نخبها السياسية في إنجاز انتقالها الديموقراطي وتركيز مؤسساتها وهيئاتها الدستورية.
وقد عكست مشاركة ممثل صاحب السمو، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير المالية أنس خالد الصالح على رأس وفد رفيع المستوى في مؤتمر تونس الاقتصادي الدولي «تونس 2020» الذي التأم في شهر نوفمبر 2016 رصيد الثقة والصورة الناصعة التي تحظى بها تونس لدى القيادة والشعب الكويتي، وأعلن ممثل صاحب السمو في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر تقديم قروض ميسرة لتونس بمبلغ 500 مليون دولار لمدة خمس سنوات من خلال الموارد الذاتية للصندوق.
وتتطلع تونس إلى أن تكون سنة 2017 بداية التجسيد الفعلي لهذه المشاريع التي تساهم فيها الكويت بصفة مباشرة أو بصفة غير مباشرة عبر الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي الذي مقره الكويت ويتولى إدارته شخصية كويتية عالية الكفاءة تعهد بالمساهمة بمبلغ 1.5 مليار دولار في إنجاز المشاريع التنموية ببلادنا.
وفي سياق هذه الحركية الجديدة والديناميكية النشطة للعلاقات التونسية- الكويتية، لا يفوتني، بوصفي ممثلا لبلدي في هذا البلد العربي الأصيل، أن أرفع أسمى عبارات الامتنان والاحترام للقيادة الكويتية، وفي مقدمتها صاحب السمو الأمير الشيخ صباح الأحمد، وسمو ولي العهد الشيخ نواف الأحمد، وسمو الشيخ جابر المبارك رئيس مجلس الوزراء، والنائب الأول لرئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية الشيخ صباح الخالد، وكل أعضاء الحكومة الكويتية وكبار المسؤولين في الدولة على الدعم الذي ما فتئت أحظى به لتسهيل مهامي في سبيل دعم العلاقات الثنائية التونسيةـ الكويتية والرقي بها إلى أعلى المستويات للوصول إلى إقامة علاقات شراكة فاعلة ومتضامنة تكون أنموذجا يحتذى به.
وأختتم قولي بآية من الذكر الحكيم بسم الله الرحمن الرحيم (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) صدق الله العظيم.