- رفض السمع والطاعة لولي الأمر من مظاهر الانحراف الفكري
- شبكات التواصل الاجتماعي أسرع وسيلة للتجنيد الإلكتروني وتكفير الأفراد والحكومات
- يجب نشر ثقافة الحوار في بيوتنا ومراقبة الأبناء والتواصل معهم للتعرف على ما يقومون به
محمد راتب
أكد د.سعود العجمي أن الانترنت ووسائل التواصل الحديثة أسهمت بشكل كبير وفعال في نشر الفكر المتطرف وتجنيد الابناء ومسح عقولهم وتغذيتها بالافكار الهدامة، موضحا أنه لا سعادة من دون امن، فالسلوك البشري اليوم تأثر بشكل مباشر بالتقنيات الحديثة وبات الجميع غير آمنين على انفسهم بسبب السموم التي تنشرها وسائل التواصل والمواقع غير المنضبطة سلوكيا وفكريا.
جاء ذلك خلال المحاضرة التي ألقاها ونظمها مركز تعزيز الوسطية في ديوان البديح بمنطقة الفنطاس تحت عنوان «الحوار الهادف والتطرف الفكري»، حيث بين أنه إذا انعدم الأمن فلن ينعم الإنسان، ولو نام على أفضل الفرش وأكل أفضل الأطعمة، وهذا أمر في القرآن والسنة (رب اجعل هذا البلد آمنا وارزق أهله من الثمرات)، فقدم الأمن ثم أردف بالثمرات، فلا طعم لزينة الدنيا من غير وجود الأمن، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم بين قيمة الأمن للمسلم، وأنه إذا تحصل على الأمن فكأنه ظفر بهذه الدنيا، فقال: «من أصبح منكم آمنا في سربه معافى في بدنه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا».
وتابع أن الانحراف الفكري ضد كلمة الامن الفكري، وتعرف المسميات بأضدادها، وإذا أصبحت هناك حماية للهوية الثقافية من الانحراف وسيطرة الخارج، وحمى الإنسان عقله من الانحراف الفكري والعقائدي، وتمت صيانة المؤسسات الداخلية، سيتحقق الأمن.
وزاد بأن هذه التصرفات والأفعال تنطلق من الرصيد الفكري والعقائدي لأي إنسان، ونحن نعيش في هذا الزمن ونرى كما هائلا من وسائل تعدد الغزو الثقافي والفكري، إضافة إلى انتشار البث الفضائي المرئي والمسموع والانترنت ووسائل التواصل، ما أوجد أرضا خصبة لبث السموم في عقول أبنائنا، ويمثل تحديا كبيرا في التربية، فإن لم تكن فذا قد ينهدم كل ما بنيته.
وشدد العجمي على أن تحقيق الأمن الفكري لدى الفرد والمجتمع يساعد على انتشار الأمن، ولذلك يجب علينا أن نحتاط ونحافظ على الفكر والمخزون الفكري لأن ذلك حفاظ على أمن عقيدتنا وفكرنا، فهناك من يريد إبعادنا عن جادة الصواب إلى الانحراف، وإضافة إلى ذلك إذا لم يكن فكر الإنسان مستقيما فسيصيبه الخرف، ولذلك لا يمكن القبول بالمساس بالأمن الفكري إطلاقا، لأن حجم مخاطر المس به تتعدى كل المخاطر، ولذلك نرى بعض دول الجوار وحجم المشكلات التي وقعوا بها، فكل فتنة وكل مصيبة أو فوضى تحدث في أي بلد، علينا أن ننظر إلى الفكر الذي غذى مثل هذه الفتن.
أبجديات جديدة
وقال العجمي: علينا ألا ننظر إلى المنتحر كيف انتحر، ولا إلى من لبس الحزام الناسف كيف انفجر، وإنما إلى الوقود الذي أثمر مثل هذه التصرفات، وإلى السلوك والجوارح التي أدت بالإنسان إلى موطن الانتحار والتفجير، لنرى من ورائها فكرا، ولاسيما من قتل ابن عمه، الذي قال والده: كان لا يرد السلام، إذن كان يعيش في عزلة شعورية.
وتحدث عن أهم مصادر الانحراف الفكري، فبين أنها تتمثل في المواقع المشبوهة ووسائل التواصل المتطرفة في الإنترنت، ولو نظرنا إلى التاريخ والمراحل التي مرت بها التنظيمات المتطرفة من خلال تعاملهم مع النت، فلم يكن في السابق في أدبيات الجماعات المتطرفة التواصل عن طريق الانترنت، بل كان التواصل تقليديا من خلال الجلوس المباشر مع المنظر أو من خلال شرائط الكاسيت، وكان باستطاعة الدول أن تخرس تلك الأصوات، ولكن بعد أن ظهرت الإيميلات والتواصل مع الجماعات المتطرفة في سنة ١٩٩٥، ظهر موقع الجهاد لينشر أبجديات وفكر الأفراد والمجتمعات ونشر الغلو والتطرف.
واستطرد أنه بعد ذلك انتشر موقع الجهاد والهجرة، وفي بداية الالفية الثانية تم إنشاء أول موقع للقاعدة لينشر هذا الفكر المنحرف، مشيرا إلى أن وسائل التواصل هي أسرع وسيلة لتكفير الأفراد والحكومات، وفي السابق كان الواحد يحتاج إلى السفر، وأما الآن فالفكر موجود وأنت في بيتك، وهذه الكارثة.
التجنيد الإلكتروني
وتابع العجمي بأن أيمن الظواهري كان يقول: أكثر من نصف ساحتنا في الساحة الإعلامية والإلكترونية، بل كان ينصح أعوانه بأن كل لقطة تلتقطونها بمنزلة صاروخ على أعدائنا، فنشر الصور وسرعة التواصل جعلنا نعيش في قرية واحدة، ما أعطى الأمر خطورة أكثر، لافتا إلى أن للجماعات المتطرفة في استخدامها وسائل التواصل أهدافا من أهمها أن تلك الوسائل تحقق التجنيد الإلكتروني، وفي السابق كان على من يريد اعتناق الفكر المتطرف أن ينبذ المجتمع ويهاجر ويجلس مع المنظرين، أما الآن فكل في بلده ودولته ومحيطه وبيته، بل في غرفته، وهذه خطورة كبيرة، فالـ«فيسبوك» مثلا هو الموقع الاول في التواصل بين الجماعات المتطرفة من خلال القروبات.
واشار إلى أن التجنيد الالكتروني يكون بولادة الانتحاري، بعد أن يخوض غمار حوارات عديدة حتى يتم استغلاله فتكون الولادة، وغالبا من يعيش في هذا الجو يحيا حالة من الضياع والتفكك، فيهرب إلى وسائل التواصل فيضيف من يشاء من الأصدقاء ويجدون فيه فريسة ثمينة، لأنه يكون جاهزا لتنفيذ ما يطلب منه، ولذلك علينا أن نحرص في هذا الزمن على معرفة الشعارات وخبايا تلك الأفكار التي يتم إرسالها إلى الأولاد، ومنهم من لا يتجاوز عمره ١٤ سنة.
ساحة افتراضية
وأضاف العجمي أن من اهداف هؤلاء في وسائل التواصل التي تعتبر ساحة افتراضية للتدريب، فبعد أن يكون هناك انتماء فكري وتعاطف يتم العمل على التدريب وإرسال الحصص التدريبية له، والهدف الثالث أن وسائل التواصل عبارة عن دعم معنوي لتلك الجماعات المتطرفة، فقد رأينا عندما أعلن ما يسمى تنظيم داعش عن دولة الخلافة في العراق والشام ودعا إلى مبايعة أبوبكر البغدادي أميرا لها، سارع عدد من الناس حول العالم بمبايعته، بهدف الدعم المعنوي، والعجيب أن القنوات نقلت مثل هذه المبايعات، وقد تكون قليلة لكن عندما تنشر على وسائل التواصل يظن الكثيرون أن الجميع بايعوا الأمير، ما يعطي زخما معنويا لهذه الجماعات.
وزاد بأن وسائل التواصل تمكن هؤلاء من نشر الصور والمقاطع للجميع، فهي ليست لفئة دون فئة، والجميع يستقبل ما فيها من غث وسمين، والمعلومة تنشر للآلاف أو لمئات الآلاف، كما أن وسائل التواصل لا تحتاج أموالا، فقد كانت الجماعات تقيم المعسكرات والتدريب، والآن أصبح كل شيء سهلا، ومن أخطر الأمور أن يأخذ الإنسان تعاليم دينه من مواقع التواصل، حتى أنها عملت على تحدي الفتوى الشرعية.
طاعة ولي الأمر
ولفت العجمي إلى أن من مظاهر انحراف الفكر رفض السمع والطاعة لولي الأمر، وهو أمر حدثت بسببه الفتن والحروب والفوضى وذهاب الحقوق، ولو نظرنا إلى حال العرب قبل الإسلام حيث كانوا في جاهلية، وعندما أتى الإسلام نظم أحكام الولاية وأعطاها قدرها وأهميتها، فأمنوا على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، وعاشوا بسلام واطمئنان.
ثم ساق العجمي بعض الادلة من السنة واقوال العلماء، فبين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «عليك بالسمع والطاعة في منشطك ومكرهك وعسرك ويسرك وأثرة عليك»، وقال النووي: لو استأثر ولي الأمر بأمور الدنيا لنفسه فعليك السمع والطاعة، وقال صلى الله عليه وسلم: «عليكم بالسمع والطاعة فإن لهم ما حملوا وعليكم ما حملتم» أي ينبغي على ولي الأمر أن يقيم العدل فيثاب، وإن لم يقمه أثم، وأما أنتم فعليكم السمع والطاعة فإذا أقمتم السمع والطاعة أثبتم، وإن لم تقيموها أثمتم.
واختتم بقول العرباض بن سارية وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون فقال: يا رسول الله كأنها وصية مودع فأوصنا فقال: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد حبشي فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة»،
وختم العجمي قائلا: ندعو إلى نشر ثقافة الحوار الهادف في بيوتنا ومراقبة الابناء والتعرف على ما يقومون به والتواصل معهم باستمرار.