أزمة سيول الأمطار والأعاصير التي تواجه الكويت لسنا الوحيدين في العالم الذين يواجهون مثلها، بل نسمع في كل يوم عن دول ومناطق واجهت الأخطر من ذلك، ولكن الله قدر ولطف بشعب هذا الوطن بدعاء الصالحين ومازالت كويت الإنسانية تنعم بخيرات حبانا بها الله عز وجل، ولكن هذه النعم تحتاج منا الى الدعاء بالشكر والعرفان لرب العباد.
ما حدث من مخاطر ومخاسر بشرية ومادية هو مكتوب لنا في أقدارنا ولنا ان نعتبر من ذلك، ولكن لنا ان نسجل رسائل تحمل كل واحدة معنى ومغزى!
الرسالة الأولى: خرجت أزمة السيول والامطار في ملحمة وطنية ونموذج للمواطنة التي قام بها كل مواطن مخلص من موقع عمله، فأخلص ابناء الوطن في قطاعات عدة في تقديم يد المساعدة لكل مواطن ومقيم ليس من واجب المسؤولية وإنما أظهروا الانسانية في التعامل واحترام وتقدير الآخرين ولم يتوانوا عن تقديم اي دعم او تسهيلات تعين الجميع على التعامل مع الأزمة.
هذه الاقدام أثبتت ان ولاءها للوطن وليس من أجل الوظيفة فقط وإنما حرصهم على سلامة الجميع أبلغ رسالة وطنية عبرت عنها الصور الصادقة العفوية وليست صور التكسب الإعلامي المزيف الذي عكس أصحابه أنفسا بغيضة التفت بنفس الحقد واللامبالاة والشو الإعلامي.
الرسالة الثانية: ما حدث للكويت ليس بالهين ولكن نعم قدّر الله وما شاء فعل، ولكن أخذ الحيطة والحذر والإجراءات الوقائية للأسف لم تكن في حسبان الحكومة، لأنها مازالت تستخدم سياسة (كل شي تمام ولا تحاتون ونحن مستعدين لأي طارئ).
إن مواجهة مثل هذه الأزمة لا تكون بتقديم الاستقالة او الاعفاء من المناصب او الإحالة الي التقاعد، بل في المحاسبة وكشف الفاسدين والاعلان بشفافية عن نتائج التحقيق، لان الكل يعلم ان ما حدث من خسائر هو امتداد لأخطاء متراكمة لأننا في الكويت مشكلتنا في أزمة إدارة المؤسسات والهيئات الحكومية، ومن يدير هذه المؤسسات.
ازمة الأمطار كشفت سيول الفساد والتي اعلنت علي الملأ في حجم الخسائر المادية التي دفعها المواطن وليس الدولة فقط.
ان فتح ملف سيول الفساد لا ينتهي بالإقالة أو الاستقالة لان بدء هذا الملف من سنوات من خلال الترضيات في التعيينات لأشخاص غير أكفاء وغير مؤهلين، منح المناقصات لدفع فواتير سياسية لصالح بعض نواب الأمة واعتماد الشركات غير المؤهلة وارتفاع كلفة الترضيات السياسية في الاحتكار التجاري، ومكافأة الحرامي والفاسد بل تمكينهما بشكل علني وجرئ، واستبعاد القيادي المخلص النظيف حتى وصلت الكويت الى سيول الفساد.
سيول الأمطار ستنتهي وتجف في حرارة الشمس اللاهبة ولكن سيول الفساد ستستمر لان الكشف عنها بمسطرة واحدة كلفتها عالية وستعري رؤوسا عدة، فأنا أشك بأن محاربة الفاسدين ومحاسبتهم في أجندة أي مسؤول كان في أي موقع، لأننا حتى الآن لا نسمع إلا الجعجعة ولم نر الطحين! الكل اخذ يدلو بدلوه عبر وسائل الاعلام والتواصل الاجتماعي ولكن أين ستنتهي هذه الازمة، كيف سنخرج منها، كيف نستفيد من نتائجها؟
الرسالة الثالثة: الكويت في مفهوم الدولة المدنية ان لدينا ديموقراطية، حيث يختار الشعب من يمثله في المجلس من خلال انتخابات يفترض ان تكون نزيهة، ولكن للاسف يستمر الشعب في الاستنكار والرفض وعدم الرضا عن أداء الحكومة وأكبر دليل معاناة المواطنين في كل انحاء الكويت في مواجهة أضرار السيول، والسؤال هنا من أوصل نواب الأمة الى المجلس ومن استمر في التصويت اللامحدود والمنقطع النظير لعدد من النواب الذين يتربعون على كرسي المجلس.
لكن إنجازات تقدم مصلحة المواطن والوطن قبل القواعد الانتخابية للاسف لا شيء! أليست هذه أنانية ونظرة ضيقة لممارسة ديموقراطية منقوصة، اذا كانت المحاسبة والمكاشفة فيجب ان يحاسب الناخب قبل النائب! انها سلسلة متصلة، فنواب الخدمات ومصالح التراضي جعلت بعض النواب يلهثون وراء عودتهم للمجلس بل يحاربون من أجل ذلك بالسكوت القاتل على الفساد والكيل بمكيالين مع الحكومة، فماذا نتوقع هل هذا النائب سيراقب الحكومة ويحاسبها بشفافية !!! لعل اكبر دليل عدم اكتمال نصاب جلسة مناقشة اوضاع سيول الأمطار رغم انها اخطر أزمة واجهت الكويت، على العكس نجد تسارع الأغلبية من النواب لحضور جلسات قوانين التنفيع السياسي لكسب قواعدهم الانتخابية وليس المصلحة العامة وحماية المال العام.
الاجابة صعبة والدليل سيول الفساد فعندما تطال أحد أهم مقومات الإصلاح والتطوير في نظام الدولة نحن أمام عجز كامل يتطلب إعلان ثورة إصلاح بكل الأبعاد، فالمسؤولية تقع على كل مواطن ومسؤول وقيادي وصانع قرار.
هل سنعي دروس ازمة سيول الامطار وننهض من غفلتنا؟! انا أشك في ذلك، نعم لست متفائلة لأننا لازلنا نعيش الاحلام الوردية رغم اننا دولة نملك افضل المقومات البشرية والمادية ولازال هناك من المواطنين المخلصين الذين تأخذهم الوطنية والمواطنة الصادقة يعملون بصمت وعزة نفس ولا ينظرون الى الخلف ولكن للاسف هناك من يريد ان يتقصى منهم حتى لا يكشف المستور من الفساد.
مواجهة سيول الفساد لن تكون إلا في انتفاضة وثورة إدارية لا تحمل المجاملات فالكل يعرف كيف نخرج من عنق زجاجة الفساد اذا كنا نريد ان نرى كويت المستقبل.
وآخر الكلمات (وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد ـ غافر: 44).
(ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون ـ الروم: 41).
د.سلوى عبدالله الجسار - النائب السابق في مجلس الأمة -الأستاذ المشارك في كلية التربية - جامعة الكويت