14 آذار 2005 نزل أكثر من مليون لبناني الى الشارع والى وسط بيروت في مشهد تاريخي غير مسبوق بهذين الحجم والزخم، كان أكثر من انتفاضة وأقل من ثورة شعبية. وأسفرت هذه الحركة الشعبية التي أطلقت شرارتها عملية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري عن تحالف سياسي عريض مواز لتحالف قاده حزب الله في 8 آذار من العام نفسه ومن وسط بيروت أيضا، وعن قوة دفع للموقف الدولي تجاه لبنان، وعن تطورات وإنجازات تحققت تباعا، من انسحاب الجيش السوري في ابريل 2005، الى مؤتمر الحوار الوطني الذي لم يدم طويلا وتوقف مع حرب يوليو 2006، الى تشكيل محكمة دولية خاصة لبنان. 14 آذار لحظة تاريخية لا تتكرر أو «روح لا تموت» أو «قضية لا تنتهي»، أو «مشروع وطني لا ينضب»، أو «بركان خامد بعد ثورة»، أو مجرد ردة فعل على حركة 8 آذار، أو جبهة وطنية وتحالف سياسي، تختلف التوصيفات والتعريفات المعطاة لـ «ماهية وطبيعة 14 آذار»، وتختلف أيضا التحليلات والآراء المعطاة لعملية وكيفية تفكك 14 آذار وسقوطها ووصول جمهورها الى الخيبة. ومنذ ثلاث سنوات تشهد أروقة وأوساط 14 آذار نقاشات متكررة حول مسار هذه الحركة وما آلت إليه أوضاعها وتدور عملية بحث في أسباب السقوط الهادئ والمتدرج، ولم تخل النقاشات من نقد ذاتي عنيف لامس في أحيان كثيرة حدود «جلد الذات».
في البحث عن أسباب السقوط وردت التفسيرات والتبريرات التالية:
٭ تحول 14 آذار من مشروع وطني الى مشروع سلطة، ومن مشروع عبور الى الدولة الى مشروع عودة الى المربعات الطائفية والأمنية.
٭ دخول 14 آذار نفق التسويات والتنازلات التي كان آخرها التسوية الرئاسية.
٭ عدم تولي صناع هذه الحركة قيادتها، لتذهب بعد ذلك الى قادة أحزاب لا يتطابقون مع فكرتها، بمعزل عن حماسة قواعدهم الشعبية.
٭ تخاذل الأحزاب وتخليها عن الثوابت، إما خوفا أو طمعا بالسلطة.
٭ ضغوط إقليمية فرضت على قيادات حركة 14 آذار تقديم التنازلات التي أدت الى تحوير مسارها.
٭ غياب أو انكفاء الحاضنتين الإقليمية (السعودية) والدولية (الولايات المتحدة الاميركية)، بدءا من العام 2008 ومع وصول الرئيس باراك أوباما الى البيت الأبيض، مع انفتاح الملك عبدلله بن عبدالعزيز على القيادة السورية.
أما في الكلام السياسي وتعداد المحطات التي تدرجت فيها 14 آذار نزولا وشهدت حالة من التفكك والتلاشي التدريجي، فيشمل الانتقاد والتعداد هذه المحطات ونقاط التحول:
ـ 2005: التحالف الرباعي الذي كان من نتائجه عزل العماد عون وتياره الذي تواجد على أرض 14 آذار.
ـ 2006: التفاهم الموقع بين العماد ميشال عون والسيد حسن نصرالله، وشكل أول اختراق فعلي في جسم 14 آذار.
ـ 2006: حرب يوليو التي أعقبها ارتداد حزب الله الى الداخل اللبناني.
ـ 2008: اتفاق الدوحة الذي أعاد تشكيل السلطة على أسس جديدة. وكان هذا الاتفاق الفرعي بمنزلة أول خرق للاتفاق الأم، اتفاق الطائف.
ـ 2009: خروج وليد جنبلاط من تحالف 14 آذار بعد انتخابات نيابية لم تستثمر ولم تترجم سياسيا وحكوميا.
ـ 2010: مغادرة سعد الحريري الى الخارج بعد سقوط حكومته، مع ما شكله هذا الغياب من افتقاد 14 آذار لمرجعية وقيادة سياسية، ومن دخول تيار المستقبل مرحلة الضعف والوهن والفوضى الداخلية.
ـ 2016: التسوية الرئاسية التي أوصلت عون الى رئاسة الجمهورية وأعادت الحريري الى رئاسة الحكومة، وانخرط فيها على مضض وليد جنبلاط ود.سمير جعجع، واعتبرت بمنزلة نقطة التحول الكبير في مسيرة 14 آذار وقضت على ما كان بقي منها تنظيميا وسياسيا، ونظرت شخصيات مستقلة في 14 آذار الى هذه التسوية على أنها صفقة تضمنت تنازل المساكنة مع حزب الله والرضوخ لسيطرته على القرار اللبناني وللهيمنة الإيرانية. وأطلقت عملية خلط أوراق للتحالفات والمحاور، وأسدلت الستارة على حقبة 14 آذار.
إذا كان الاختلاف واقعا في تفسير أسباب انتهاء 14 آذار، الى درجة أن ذكراها السنوية تمر من دون مظاهر احتفالية وتذكيرية، فإن لا اختلاف بشأن إمكانية إحياء 14 آذار، فهذه الإمكانية غير موجودة بسبب تبدل الظروف والمعادلات الإقليمية والداخلية، الى درجة أن الانقسام السياسي الوطني الذي كان قائما بين فريقي 8 و14 آذار لم يعد موجودا.