بقلم: السفير بندر بن حمد العطية
يسعدني ويشرفني وبلادنا، دولة قطر، تحتفل بيومها الوطني المبارك، ذكرى تولي مؤسس دولة قطر الشيخ جاسم بن محمد بن ثاني آل ثاني، الحكم في البلاد والتي توافق الثامن عشر من ديسمبر من كل عام، ان نستلهم فيها ذكرى الأب القائد المؤسس «طيب الله ثراه» وان نستحضر فيها ان ما بناه على أساس متين من الوحدة والعزيمة والتطلع قد بلغ اليوم، بعون الله، على أيدي ابنائه واحفاده المخلصين شأنا عظيما وتحول الى صرح نفخر به بين الأمم. ونحن إذ نحتفل بذكراه إنما نرد الفضل لأهله فلولاه ما كانت قطر التي نشهدها الآن، قطر التاريخ والنهضة والتقدم والبناء.
وبهذه المناسبة العزيزة على قلوبنا جميعا، يسعدني أن أتقدم بأسمى التهاني وأطيب التمنيات وأصدقها لمقام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، حفظه الله ورعاه، راعي النهضة الشاملة وقائد المسيرة المنتصرة الظافرة، وللحكومة الرشيدة والشعب القطري الأبي المؤازرة لقيادته، المحب لوطنه، الحريص على بلوغ اسمى الغايات والمتطلع للمزيد من الإنجازات كلما أشرقت شمس يوم جديد.
إننا بهذه المناسبة الوطنية الخالدة، نفخر بما حققته دولة قطر من تطور ونماء في كل المجالات، تدفعها ارادة واثقة وطموحة حيث تتوق دائما للافضل وتتطلع للاعلى وتنتهز مناسبة ذكرى اليوم الوطني كل عام كنقطة رصد وتقييم للانطلاق نحو تحقيق المزيد من الانجازات نحو مستقبل زاهر بمشيئة الله.
ان اول عنوان للنهضة والنمو والتطور هو التنمية وهذه لا تقوم إلا على قاعدة راسخة وهي بناء الانسان المسلح بالعلم والمعرفة والشعور الصادق بالوطنية والانتماء للأرض ومن أجل ذلك تولي دولة قطر جل اهتمامها لبناء الإنسان بوضع مناهج متطورة ومتميزة تستنهض الفكر وتطور المعارف وتنمي شعور المواطنة من خلال دور علم تشع ثقافة وأفكارا وابتكارا ولذلك كان على رأس اهداف رؤية 2030 تحويل الدولة الى دولة متقدمة وقادرة على تحقيق التنمية المستدامة لتوفير الحياة الكريمة لأبنائها بالسعي لتطوير اقتصاد متنوع يقوده استثمار الاقتصاد المعرفي الشامل مع دور بناء للقطاع الخاص ودور بارز للاستثمار الخارجي.
وتشهد دولة قطر منذ أكثر من عقدين تنمية شاملة في البنية التحتية لا تخطئها عين الناظر أو الزائر لدولة قطر وقد زادت بوتيرة أسرع وارتفع معدلها في السنوات الأخيرة مع قرب استضافة دولة قطر لأكبر مناسبة كروية في العالم والأولى من نوعها التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط وهي تنظيم بطولة كأس العالم 2022.
وهي نهضة، تمثلت في بنية انتظمت الدولة في البنيان والعمران، تمثلت في طرقها وشوارعها الحديثة وفنادقها وحدائقها المتميزة.
كما تم إنشاء أكبر وأحدث مطار في المنطقة «مطار حمد الدولي» الذي صنفته شركة «AirHelp» الدولية للطيران، هذا العام الأول على مستوى العالم من بين 132 مطارا في جميع انحاء العالم، كما صنفت الشركة الخطوط الجوية القطرية كأفضل شركة طيران في 2019، بين 72 شركة طيران.
كما تم انشاء ميناء حمد الدولي الذي تم تجهيزه على أحدث المواصفات والنظم ويستطيع استيعاب اكبر السفن في العالم فكان هو الآخر بوابة لربط دولة قطر بالعالم.
وتم في العام الماضي افتتاح متحف قطر الوطني كصرح ثقافي وتحفة معمارية تزخر بالتراث العالمي وقد أصبح قبلة لزائري دولة قطر ومعلما بارزا لبدائع التراث العالمي الفريد بما يضمه من كنوز ويحتويه من مقتنيات فيما أصبح الاسطول الجوي القطري يجوب قارات العالم بأحدث الطائرات مقدما أفضل الخدمات ومحققا سمعة طيبة بين أفضل الشركات على مستوى العالم.
كما شهد هذا العام أيضا افتتاح عدد من ملاعب كرة القدم الدولية المبنية على احدث الطرز وافضل المقومات لاستضافة كأس العالم وستشهد السنوات المقبلة بإذن الله افتتاح العديد من المنشآت الرياضية والسياحية والفنادق وغيرها. وكذلك شهد شهر سبتمبر الماضي اطلاق شعار مونديال قطر 2022 في الدوحة وعدد من العواصم الخليجية والعربية والعالمية وقد تضمن الشعار ربط دولة قطر بالهوية العربية والقطرية التي يعتز بها الشعب القطري ليكون كأس العالم في الدوحة فخرا لكل الخليج وكل العرب.
لقد اصبحت دولة قطر بفضل من الله وتوفيقه تحفة معمارية وسياحية في الداخل وعلما يرفرف بالرفعة والتقدم في كل بقاع العالم برا وبحرا وجوا.
ولم يقتصر اهتمام دولة قطر على البناء والتنمية ارضا وانسانا بل كان لا بد من التقدم بشأن ارساء دولة العدل والشورى والديموقراطية التي يؤكد عليها الدستور القطري حيث حرصت على تنظيم وتطوير اجهزة العدالة التي تكرس استقلال القضاء وتحقق العدل وترسي دعائم المجتمع الآمن المستقر سواء على مستوى المواطن وتنظيم شؤونه العدلية وقوانين الأحوال الشخصية والأسرة والطفل والشيخوخة او على مستوى العمالة الوافدة بحيث تطورت القوانين لتتيح للعامل كامل حقوقه واستحقاقاته وحرية تنقله واختياراته وسفره وحيازة أوراقه الثبوتية وكل التسهيلات التي تكفلها المواثيق الدولية.
إن دولة قطر مقبلة على استكمال مشروع المتطلبات الدستورية لانتخاب أعضاء مجلس الشورى بموجب الدستور الدائم لدولة قطر، حيث صدر مرسوم أميري هذا العام بإنشاء وتشكيل اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشورى لإعداد القوانين والترتيبات للإشراف على التحضير للانتخابات في غضون عامين بإذن الله.
إن ما حدث من تقدم في جميع المجالات في دولة قطر تشهد عليه المؤشرات العالمية، حيث تحقق دولة قطر مستويات متقدمة في المؤشرات الدولية مثل مؤشر مكافحة الفساد ومؤشر النزاهة ومؤشر الحريات العامة وحرية الصحافة ومؤشر الشفافية وكافة مؤشرات الاقتصاد والتعليم والصحة وغيرها وأصبحت تحتل منذ سنوات مركز الدولة الأولى في العالم من حيث دخل الفرد مما خلق مجتمعا متماسكا ومستقرا وآمنا بحمد الله وتوفيقه.
كما ان قطر تسعى لاستقطاب الاستثمار الخليجي والدولي من خلال إجازة قوانين تمنح تسهيلات تنافسية، تختصر الإجراءات البيروقراطية وتمنح المزايا التفضيلية وتهيئ الأجواء لاستثمار آمن يستفيد منه المستثمر ويعود بالفائدة على البلد. كما تسعى لأن تكون قبلة سياحية وترفيهية يساعد على ذلك منح تأشيرات الدخول بصورة ميسرة وافتتاح العديد من المرافق التي ستجعل دول قطر جاذبة للسياحة.
ولقد انعكس ذلك الرخاء الاقتصادي الذي حققته الدولة في المساعدات التي تقدمها دولة قطر للخارج في شكل هبات ومنح وقروض ميسرة وودائع في معظم دول العالم الثالث الشقيقة والصديقة للمساعدة في استقرارها ونمائها الاقتصادي، كما تساهم دولة قطر عبر الهيئات الخيرية والهلال الأحمر القطري في أعمال الإغاثة في كثير من البلدان التي تشهد اضطرابات سياسية او نزاعات عرقية او كوارث طبيعية يتضرر منها السكان خاصة النساء والأطفال والشيوخ.
وعلى صعيد مساهمة الدولة فكريا وثقافيا، تنعقد في دولة قطر باستمرار المؤتمرات المحلية والدولية التي تقوم بها مراكز الدراسات المتخصصة والتي تهتم بقضايا الإنسان والحرية والتنمية مثل الديموقراطية وحقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب وحل النزاعات والعمل الإنساني والتنمية المستدامة والسلام والصحافة والإعلام.. إلخ.
إن دولة قطر ملتزمة في علاقاتها الدولية باحترام ما أقرته المواثيق والأعراف الدولية وأهمها العمل على الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين ومقررات حقوق الإنسان واحترام علاقات حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، كما انها وقعت العديد من الاتفاقيات الدولية الخاصة بمكافحة الإرهاب والتطرف وتمويله واحتضانه، وذلك لإيمانها المطلق بوجوب محاربته نظرا لما يسببه من اضطراب وما يجلبه من دمار يكون ضحاياه من الأبرياء، كما قامت بالكثير من الجهود في التوسط لحل النزاعات ولاتزال تبذل قصارى جهدها لإرساء دعائم السلام والاستقرار في العديد من مناطق النزاع على سبيل المثال في أفغانستان والسودان.
كما ان دولة قطر تعتبر كيانا فاعلا في الأسرة الدولية وتقوم بدورها في محيطها الدولي والعربي والإقليمي وهي لا تحيد عن ثوابتها ومواقفها من قضايا أمتها العربية والإسلامية خاصة فيما يتعلق بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على حدود العام 1967 وعاصمتها القدس، كما ظلت تدعم جهود حقوق الأقليات المسلمة التي تتعرض للاضطهاد والتشريد في كثير من الدول.
كما بقيت مواقف دولة قطر ثابتة من حيث دعوتها للحل السلمي للصراعات الدامية في كل من اليمن وسورية وليبيا وفقا للقرارات الدولية وما تم الاتفاق عليه داخليا برعاية دولية وإقليمية وظلت تدعو لإعادة الاستقرار والأمن نظرا لتضرر الشعوب والمعاناة التي تواجهها جراء تلك النزاعات التي طال أمدها.
لقد كانت دولة قطر وستبقى، بعون الله، حريصة على بقاء كيان مجلس التعاون لدول الخليج العربية، قويا موحدا.. تستظل بمظلته وتحرص على تطوره وتطمح لتحقيق الأهداف التي نشأ من أجلها، فهو كيان أصبح ملكا لكل شعوب الخليج التي تعتبره السياج المنيع لحمايتها والأمل في تحقيق وحدتها، ولذلك كان القيادة السياسة في دولة قطر ممثلة بحضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، حفظه الله، تؤكد دائما على ان دولة قطر ستظل جزءا لا يتجزأ من المجلس وأنها مستعدة للحوار غير المشروط الذي يبني الثقة ويعيد اللحمة ويحفظ لكل دولة حق خياراتها دون التدخل في شؤون الآخرين او التأثير على سيادتها وقراراتها.
ومؤخرا، استضافت دولة قطر دورة «خليجي 24» والتي اختتمت عرسها الكروي بالود والمحبة، حيث اجتمع فيها شمل دول الخليج تحت ظلال الدوحة وتوحدت قلوب شعوبها واحتضنتها دوحة الخليج والعرب بكل محبة خالصة وترحاب صادق وقد زينها شعار «مرحبا بالجميع في دوحة الجميع»، كما كانت كلمات حضرة صاحب السمو الأمير المفدى حفظه الله، عند افتتاحها، انعكاسا لروح المودة، حيث رحب فيها سموه بكلمات طيبات قائلا: «باسم كل قطري.. نرحب بالجميع في دوحة الجميع»، تعبيرا صادقا عن الفرحة باستقبال الاخوة الأشقاء.
كما كان ما شهده حفل افتتاح البطولة من تنظيم وإعداد وعرض فولكلوري مثار إعجاب كبير، وستستضيف الدوحة ايضا خلال ايام كأس العالم للأندية الأبطال وهو ما يعد بداية طيبة تمهد لما ستكون عليه دولة قطر في افتتاح العرس الأكبر لكأس العالم 2022 بمشيئة الله.
إن كان ثمة ما يثلج الصدر ويفرح النفس فهو ما نراه من علاقات متميزة بين البلدين والشعبين الشقيقين في كل من دولة قطر ودولة الكويت الشقيقة والتي تزداد متانة وتطورا كل يوم برعاية القيادة الحكيمة في البلدين الشقيقين، تتوافق فيها الرؤى على الملفات الإقليمية والدولية وتتحد فيها التوجهات نحو ضرورة استقرار المنطقة وتحقيق رفاهية شعوبنا في الرخاء والازدهار والتقدم.
وإن كان ثمة عبارات شكر وتقدير فإن صاحب السمو الأمير الشيخ صباح الاحمد ،حفظه الله ورعاه، قائد الإنسانية وربان سفينة الحكمة والديبلوماسية نحو بر الأمان هو الأجدر والأولى بها، حيث ظل يواصل جهوده الخيرة لإنهاء الأزمة الخليجية وغيرها من أزمات المنطقة دون كلل أو ملل، متسلحا بالتفاؤل ومتوشحا بالأمل، ولن تنفصم عرى الخليج بمشيئة الله بوجود صباح الكويت، ونسأل الله العلي القدير ان يبارك في سموه وفي مجهوداته حتى تكلل مساعيه بالنجاح وأن يعينه ويمتعه بالعافية ذخرا للكويت والخليج والعرب والإنسانية جمعاء.
والشكر أجزله لوسائل الإعلام بدولة الكويت الشقيقة خاصة الصحافة التي ظلت على الدوام حريصة على وحدة الصف الخليجي والعربي والبعد عما يؤثر على علاقات الشعوب، كما ظلت منارة للثقافة والمعرفة والوعي، وحفظ الله بلادنا جميعا من كل مكروه وأدام عليها نعمة الأمن والأمان والاستقرار والازدهار.
وكل عام وأنتم وبلادنا جميعا بخير.