أحمد صابر
بأسلوب ممتع يجمع بين السهولة في سرد المعلومات والاهتمام بالتفاصيل الدقيقة، وبرؤية ثاقبة لصحافية وباحثة إعلامية متمرسة، وفي محاولة للتنبؤ بمحتوى وشكل الصحف مستقبلا، أصدرت الإعلامية الزميلة د.رشا الضامن كتابها الجديد «المؤسسات الصحافية في ظل الثورة الرقمية»، مسلطة الضوء على التطورات المتسارعة في تكنولوجيا الإعلام الجديد، وما أحدثته من تغييرات جذرية في آليات تحرير الصحف وأساليب جمع المعلومات ونشرها ثم متابعة ردود الأفعال حولها، وسبل إداراة المؤسسات الصحافية واقتصادياتها في ظل «الانفجار المعلوماتي الكبير»، مستعرضة بنية الاتصالات والمعلومات في الكويت والمشهد الإعلامي في ظل «الرقمنة»، لافتة إلى دور جائحة «كورونا» في تعزيز «الصحافة الإلكترونية».
ويعد الكتاب الذي يقع في 268 صفحة من القطع المتوسط إضافة ثرية للمكتبة الكويتية والعربية، ومرجعا مهما للباحثين والإعلاميين، ورصدا موثقا لتطورات وسائل الإعلام الإلكترونية، وتحليلا لمكونات البيئة الاتصالية في ظل الثورة التكنولوجية والتي فرضت على وسائل الإعلام وخاصة الصحف خلال العقدين الماضيين مجموعة من التحديات مثلث تهديدا مباشرا لصناعة الصحافة، وبالاستغلال الأمثل للمعطيات الجديدة أفرزت تلك الثورة اندماجا وتكاملا بين الوسائل التقليدية والحديثة، وأضفت عليها طابع الديناميكية والفاعلية وأصبحت تتسم بالعالمية والشمولية.
متغيرات ومعطيات
«المتغيرات التكنولوجية ومعطيات البيئة الرقمية»، ضمن هذا الاطار تتناول الزميلة د.رشا الضامن في الفصل الأول من الكتاب كيفية تأثير الحاسبات وظهور شبكة الانترنت في تسهيل الحصول على المعلومات وتوفير الوقت والجهد في إنجاز الأعمال، «فحينما تصبح المعرفة أسمى مصادر التنمية يكون انتاجها من أهم مصادر الدخل القومي»، حيث أوجدت تلك القفزات المتسارعة شكلا جديدا من الاتصال يسمي بـ«الإعلام الجديد» أو «البديل» ويشمل المنتديات ووسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية وغيرها، واستحوذ على اهتمام الرأي العام في كل الدول وأرغم الكثير من الحكومات على اتخاذ او التراجع عن قرارات معينة وأصبح أداة ضغط فعالة عليها، مشيرة إلى الكثير من التطورات التي حدثت في مختلف الوسائل الإعلامية، متوقعة ان تتم الاستعانة بتقنيات الذكاء الاصطناعي واستخدام الروبوت في المؤسسات الصحافية نظرا لانخفاض تكلفته.
وفي المبحث الثاني، ترصد المؤلفة «تأثير التحولات في البيئة الرقمية الجديدة على تحرير الصحف وإدارة غرف الأخبار»، وأسباب الاعتماد على التقنيات الحديثة في فنون الكتابة الصحافية ونشر الأخبار والتعامل السريع معها، مؤكدة ان عملية «التحرير الصحافي» جوهر العمل في ميدان الإعلام وتبدأ بجمع المادة مرورا بصياغتها ومراجعتها بشكل نهائي وصولا إلى النشر، بما يتواءم مع رؤية وأهداف وسياسة الصحيفة، حيث أثر الاندماج بين المنصات التقليدية والحديثة في صناعة القرار التحريري من خلال 4 أبعاد رئيسية تتمثل في: تغيير بنية الهيكل التحريري وذلك بالتحول من النمط الهرمي إلى الكيانات المتوازية، وتغير نمط الإدارة التحريرية والتخلص من الطريقة الفردية والانضمام للفرق الجماعية، ومشاركة الجمهور في صناع القرار ليتحول من مجرد متلق للأخبار الى مشارك في انتاجها، وأخيرا التغير في ثقافة غرف الأخبار وهي القواعد والمعايير التي تحكم سلوكيات الصحافيين، فأصبحت «احتياجات السوق» في مقدمة تلك المعايير مما يشكل تحديا واضحا لمهنية تلك الوسائل.
«بوابات بديلة»
وتواصل د.الضامن تتبع البيئة الرقمية وما احدثته من تغيرات جذرية في الحقل الإعلامي، مؤكدة ان مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي استطاعوا تحويلها إلى منصات صحافية، فيقومون بتبادل الأخبار والتقارير ونشر ما يريدون دون أي قيود، وتعمل كصحف متكاملة تقدم الخبر والرأي والصورة والكاريكاتير وغير ذلك، لافتة الى ان وسائل الإعلام التقليدية في الوقت الحالي حجزت لها أماكن في «التواصل الاجتماعي» فمن خلال روابط الأخبار والتقارير التي تنشرها يمكن لرواد «السوشيال ميديا» الوصول إلى الفضاءات الإلكترونية لتلك الصحف والوسائل، ويمكن اعتبارها «بوابات بديلة» للمواقع الإلكترونية الخاصة بها.
اقتصاديا، وتوضيحا لمحورية العلاقة بين البيئة الرقمية الجديدة والحالة المالية للصحف، تستعرض المؤلفة في نهاية الفصل الأول، مصادر تمويل ودخل الصحف مثل التوزيع والإعلانات وكيفية تأثير البرامج التكنولوجية الحديثة في تخفيض تكاليف التوزيع وجذب المعلنين، والتغيرات الهيكلية في نمط الانتاج والاستهلاك للمادة الإعلامية.
وفي موضع آخر من الكتاب، تلفت المؤلفة الى ظاهرة مهمة أوجدها التطور التكنولوجي الهائل لوسائل الإعلام وهي تعزيز التفاعل بين المرسل والملتقى، فقد استطاعت المؤسسات الصحافية استخدام تلك التقنيات لرفد اصداراتها الورقية التقليدية بالعديد من المميزات والخدمات، فيمكن قراءة الصفحات المعززة بروابط تتضمن صورا ومقاطع فيديو إضافية، وغيرها من العناصر وذلك بالدمج بين الوسيطين الورقي والإلكتروني، مبينة ان الشركات التكنولوجية تنفق مليارات الدولارات على تقنيات الواقع الافتراضي، وقد تصل خلال العام المقبل الى 120 مليارا.
الرقمية في الكويت
وبعد ان التقطت الكاتبة صورة بانورامية شديدة الوضوح للمشهد الإعلامي العالمي في ظل «الرقمنة» وما احدثته من تغييرات في أركان العملية الاتصالية، ها هي تحط رحالها في الكويت لترصد عن كثب التحول الرقمي الذي شهدته البلاد، من منطق سعيها الى تحسين المستوى المعيشي والخدمي للمواطنين وتعزيز ترتيبها في المؤشرات الدولية ضمن الرؤية التنموية «كويت 2035»، ففي الفصل الثاني من الكتاب تتطرق الى «البيئة الرقمية في الكويت»، وتستعرض البينة الأساسية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، مؤكدة ان الشبكة الثابتة للاتصالات الأرضية وشركات الاتصالات تغطي 100% من مساحة الكويت، فيما يبلغ إجمالي اشتراكات الهاتف المحول نحو 240% نسبة لعدد السكان.
وأوضحت ان الكويت قطعت شوطا كبيرا في تنفيذ «الشمول الرقمي» وتحقيق ترابطية المعلومات والاتصالات وإتاحة سعات وسرعات الانترنت العالية للجميع بتكلفة مناسبة، فجميع مدارس وزارة التربية تتوافر بها أجهزة حاسبات للاغراض التعليمية إضافة الى الفصول الذكية والمناهج التفاعلية، وأيضا جميع المؤسسات الصحية متصلة بشبكة وزارة الصحة وتستخدم أنظمة طبية مركزية في صرف الأدوية وحجز المواعيد والملف الصحي الإلكتروني، كما ان جميع مؤسسات وجهات الدولة تستخدم شبكات الانترنت في إدارة أعمالها، وتمثل وسائل التواصل مثل «تويتر» و«فيسبوك» و«انستغرام» الوسيلة الأكثر استخداما في نشر وتبادل الآراء والمعلومات في البلاد، ووفقا لإحصائية أجريت في يونيو 2012 احتلت الكويت المركز الأول عربيا في استخدام «تويتر»، واهتمت معظم المؤسسات الإعلامية بالتواجد المكثف في العالم الاقتراضي مستغلة الإمكانيات المتاحة والبيئة المشجعة على ذلك.
المشهد الإعلامي
في المبحث الثاني من الفصل الأخير تستفيض الضامن في ذكر تفاصيل «المشهد الإعلامي الكويتي» في ظل البيئة الرقمية، لتجدد التأكيد على ان التقنيات الحديثة فرضت نفسها على الساحة الإعلامية، مؤكدة ضراوة المواجهة بين الوسائل التقليدية و«الإعلام الجديد» لضمان البقاء على الخارطة، وعرجت على تاريخ وقوانين وآليات عمل الإعلام المرئي في البلاد والقنوات الفضائية الخاصة، ثم الإعلام المسموع وأشهر البرامج الاذاعية وأخيرا الصحافة المطبوعة، لافتة إلى قانون المطبوعات والنشر الذي صدر عام 2006 وفتح باب التراخيص للصحف والمجلات المحلية.
وتابعت: ومنذ بدايات القرن الحالي، سعت الصحف المطبوعة إلى انشاء مواقع الكترونية لها على شبكة الانترنت وأسست حسابات في مختلف وسائل التواصل لجذب أكبر شريحة من الجمهور، مما مكنها من الاستفادة من الإعلانات الرقمية في زيادة دخلها، وقد وصل عدد مستخدمي الشبكات الاجتماعي بالكويت إلى أكثر من 3 ملايين.
«كورونا».. وتعزيز الرقمنة
اختتمت الزميلة د.رشا الضامن إصدارتها الشيق بمبحث خاص عن دور جائحة «كورونا» في تعزيز رقمنة عمل المؤسسات الصحافية، مؤكدة ان الفيروس حظي بالتغطية الإعلامية الأكبر بين كل الأوبئة على مر العصور، في محاولة لتعقب انتشاره ومعرفة أعداد الوفيات والإصابات وسبل الوقاية وتقارير المنظمات المتخصصة حول هذا الوباء الفتاك.
وتشير الكاتبة إلى ان الكثير من الدول العربية أوقفت مؤقتا طباعة الصحف ومنها الكويت والأردن والمغرب وتونس، مما دفع المؤسسات الصحافية إلى الاعتماد على الإصدارات الرقمية على شبكة الانترنت من خلال صفحات الـ«بي دبي أف» واعتماد آلية «العمل عن بعد» للتقليل من الازدحام داخل مقرات العمل وتجنب الإصابة بالفيروس، مبينة ان الأزمة شكلت فرصة لوسائل الإعلام لاستعادة ثقة قرائها بها، من خلال تعزيز المعلومات المنشورة بمصادر موثوقة ودقيقة، مسلطة الضوء على تقرير لجنة حماية الصحافيين الذي حمل العديد من التوصيات لحماية العاملين بالصحف من الفيروس، ومنها إجراء المقابلات بالهاتف او المنصات الإلكترونية بدلا من المقابلات الشخصية، وتجنب المخالطة والحرص على التباعد الاجتماعي وغيرها من الاجراءات الوقائية.