بقلم السفير الصيني لدى الكويت : لي مينغ قانغ
في عام 2020، تتعرض آفاق مستقبل البشرية والعالم لتأثيرات عميقة ومثيرة للقلق تحت ظروف لم نشهدها منذ مائة عام من تغيرات في الأوضاع الدولية واجتياح جائحة ناجمة عن فيروس كورونا المستجد.
وفي هذا الوقت الحرج، ما يؤلم ويحزن الناس أكثر هو رحيل السياسي المخضرم الحكيم وقائد الإنسانية، صاحب السمو الأمير الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، عما يعشقه من وطنه العزيز وشعبه الوفي، وفقدان الشعب الصيني صديقا قديما مخلصا.
وفور تلقيه النبأ، تقدم الرئيس الصيني شي جين بينغ بخالص التعازي وصادق المواساة في وفاة سموه إلى الشعب الكويتي.
كان سمو الأمير الراحل الشيخ صباح الأحمد يسخّر حياته دون كلل وملل في سبيل بناء الكويت الحديثة وتعزيز السلام والتنمية في المنطقة، حيث كان يسافر من بلد إلى بلد آخر لإعلاء الصداقة والتعاون وتسوية النزاعات والصراعات، مما ترك إسهامات لا تمحى في تحقيق القفزة الاقتصادية للكويت ومكانتها البارزة على مستوى العالم، إضافة إلى الكنوز المعنوية القيمة التي خلفها الشيخ صباح الأحمد، بما فيها الحكمة السياسية والديبلوماسية المتفوقة والجهود الإنسانية الرائدة، والالتزام الثابت بالتضامن والتعاون والسلام، كنبراس هاد لطريق الكويت نحو التقدم.
من جانبها، نكست الأمم المتحدة أعلامها في مقرها حدادا على سمو الأمير الراحل الشيخ صباح الأحمد. وفي نفس الوقت والمكان، تجري الاجتماعات التسلسلية الرفيعة المستوى بمناسبة إحياء الذكرى السنوية الـ 75 لتأسيس الأمم المتحدة.
وفي وجه الجائحة التي تجتاح العالم، وصل مجتمع البشرية إلى تقاطع طرق جديد يصعب عليه الخيار.
وفي هذه اللحظة الحاسمة لآفاق مستقبل العالم، وقفت الصين مع الكويت وغيرها من الدول المواكبة لتوجه التاريخ والداعية للتضامن والتعاون، إذ أطلق الرئيس شي جين بينغ الصوت الصيني القوي لدعم مهام الأمم المتحدة والدفاع عن تعددية الأطراف، بما صوب الاتجاه الصحيح المتمثل في ممارسة تعددية الأطراف وبناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية.
ندعو إلى ضرورة لعب الأمم المتحدة دورها بشكل أفضل. إن الصين كأول دولة وقعت على ميثاق الأمم المتحدة، تظل أمينة بتعددية الأطراف، وتصون بكل ثبات المنظومة الدولية التي تكون الأمم المتحدة مركزا لها.
كما أن الكويت تصون بكل ثبات النظام الدولي على أساس القانون الدولي، والدور الجوهري للأمم المتحدة في الشؤون الدولية.
يلتزم كلا الجانبين بثبات لا يتزعزع بمقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة التي تعد حجر الأساس لاستقرار النظام الدولي.
ندعو إلى الإنصاف والعدالة وحل النزاعات عن طريق الحوار. تلتزم الصين بالمبادئ المتمثلة في الاحترام المتبادل والمساواة بين دول العالم سواء أكانت كبيرة أو صغيرة، فلا يجوز حصر القرار بيد صاحب القبضة الأقوى.
وتدعو الصين إلى استبدال التصادم والإكراه بالحوار والتشاور، وتوسيع أرضية المصالح المشتركة للجميع.
كما أن الكويت ظلت عضوا في حركة عدم الانحياز، وتنتهج مبادئ التعايش السلمي وحسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وتتوسط حريصة بين دول المنطقة لحل التضاد بين بعضها البعض والدفع بالحل السياسي للقضايا الساخنة، سعيا لإحلال السلام والاستقرار والتنمية في جميع أنحاء الخليج.
ندعو إلى التضامن والتعاون والتمسك بتعددية الأطراف. تعلمنا من هذه الجائحة أننا نعيش في قرية كونية يترابط ويتواصل فيها جميعنا في السراء والضراء.
تكرس الصين مفهوم مجتمع المستقبل المشترك الذي يربط بعضنا بالبعض، ورفض محاولة بناء كتل لإقصاء الآخرين واللعبة الصفرية، لبناء مفهوم التعاون والتنافع كعائلة واحدة.
كما أن الكويت قد أشارت إلى أن الوباء لا يهتم بالجنسية أو الثروة أو العرق أو الدين أو الجنس، مما أبرز أهمية التعددية والحاجة إلى جهود عالمية وجماعية متضافرة للتغلب على أكثر التحديات إلحاحا التي تواجه العالم اليوم، وشدد ممثل سمو الأمير سمو رئيس الوزراء الشيخ صباح الخالد في الدورة الـ 75 للجمعية العامة للأمم المتحدة على إعلان قيم التعاون والتضامن العالمي والتمسك بالمنظومة الدولية المتعددة الأطراف وتقوية الحوكمة العالمية وفق قاعدة المصير المشترك لخدمة البشرية جمعاء.
ندعو إلى التركيز على الخطوات الملموسة لحل المشاكل على أرض الواقع. ستقدم الصين مساهمة إضافية بقيمة 50 مليون دولار أمريكي لخطة الأمم المتحدة للاستجابة الإنسانية العالمية لفيروس كورونا المستجد، وستوفر 50 مليون دولار أميركي للمرحلة الثالثة للصندوق الاستئماني بين الصين ومنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة لتعزيز التعاون بين الجنوب والجنوب، وستفي بوعدها حول تقديم مساعدات دولية تبلغ قيمتها ملياري دولار أميركي في السنتين المقبلتين.
كما أن الكويت شاركت في مختلف الآليات والمبادرات التعاونية المتعددة الأطراف بحيوية، وقدمت دعما قويا لمنظمة الصحة العالمية، متجسدا في التبرع بـ270 مليون دولار أميركي لتعزيز التعاون الدولي لمكافحة الوباء ودعم المجتمع الدولي في تسريع وتيرة تطوير اللقاح.
وبالإضافة إلى ذلك، فقد انضم كلا الجانبين إلى خطة «كوفاكس» العالمية للقاحات كورونا كخطوة واقعية تهدف إلى تعزيز العدالة عند توزيع اللقاحات وضمان توفر اللقاحات للدول النامية ودفع المزيد من الدول ذات القدرات والإمكانيات للانضمام إليها.
ندعو إلى التوجه إلى المستقبل والوفاء بمسؤولياتنا تجاه الأجيال القادمة. ستنشئ الصين مركز الأمم المتحدة للمعرفة والابتكار للمعلومات الجغرافية العالمية ومركز الدراسات الدولية للبيانات الضخمة عن التنمية المستدامة، بما يوفر قوة دافعة جديدة لتنفيذ «أجندة الأمم المتحدة 2030 للتنمية المستدامة»، وستتخذ سياسات وإجراءات أقوى لجعل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون تبلغ ذروتها قبل عام 2030، وتحقيق تحييد الكربون قبل عام 2060، وتدعو الصين جميع الدول لانتهاز الفرصة التاريخية للجولة الجديدة من الثورة التكنولوجية والصناعية، بما يحقق «الانتعاش الأخضر» للاقتصاد العالمي بعد تجاوز آثار الجائحة.
كما أن الكويت تأخذ مرحلة ما بعد كورونا بعين الاعتبار وتدعو لدفع الاقتصاد العالمي لتحقيق التعافي المستدام والشامل، وتنفيذ «أجندة الأمم المتحدة 2030 للتنمية المستدامة» للتخلص من الفقر ودعم تمكين الشباب والنساء، والتعامل مع تداعيات التغير المناخي تحت إطار «اتفاق باريس»، فيما يدعو الجانبان بشكل مشترك إلى اتخاذ المزيد من التدابير وفق مبدأ المسؤولية المشتركة متباينة الأعباء، والحد من الآثار الكارثية نتيجة فقدان التنوع البيولوجي، ويطالبان من الدول المتقدمة بالوفاء بالمزيد من الالتزامات لمساعدة الدول النامية.
إن الذين تجمعهم الرؤية المشتركة لا تفصلهم الجبال والبحار. ففي وجه التحديات المشتركة للبشرية، يجب على جميع الدول التعامل معها بالتضامن وروح الفريق الواحد، وذلك لا يعتبر الصوت الواحد من الصين والكويت فحسب، بل التصرفات المشتركة لهما أيضا.
وبالقيادة الحكيمة لصاحب السمو الأمير الشيخ نواف الأحمد وسمو ولي العهد الشيخ مشعل الأحمد، سيتوارث الشعب الكويتي طموحات الأمير الراحل الشيخ صباح الأحمد، ويمضي قدما بثبات لبناء كويت أغنى وأقوى وأكثر ازدهارا، وتعزيز السلام والاستقرار والتنمية في المنطقة.
إننا على استعداد تام للعمل مع الجانب الكويتي يدا بيد، واسترشادا بهدف بناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية، على مواصلة تعميق علاقات الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، وبذل جهود متضافرة لخلق آفاق أرحب لمستقبل العالم!