بقلم: أ.د.وليد محمد عبدالله العلي استاذ الشريعة والدراسات الاسلامية بجامعة الكويت وإمام وخطيب المسجد الكبير بدولة الكويت
[email protected]
إن القلب لما كان معرضا لطوارق الشبهات المناقصة لخبر الله تعالى؛ كما أن الجوارح معرضة لطوارق الشهوات المخالفة لأمر الله تعالى: أمر العبد باليقين والصبر، لأن اليقين يمنع الشبهات، والصبر يدفع الشهوات، فالشبهة: تُفسد القلب، والشهوة: تفسد الجوارح، ولا ينجو عن عذاب الله تعالى إلا من: منع الشبهات باليقين؛ ودفع الشهوات بالصبر.
وإن الله- سبحانه وتعالى- قد أخبر عن حُبوط أعمال أرباب الشهوات؛ وأصحاب الشبهات، فقال تعالى: (كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون).
فما ذُكر في هذه الآية الكريمة من الاستمتاع بالخلاق ـ الذي عُوقبوا عليه بحُبوط أعمالهم في الدنيا والآخرة فكانوا من الخاسرين: هو استمتاع أرباب الشهوات بنصيبهم منها، وما ذكر بعدها من الخوض بالباطل في دين الله تعالى: هو خوض أصحاب الشبهات فيه، فعلق الله- سبحانه وتعالى- حبوط الأعمال والخسران: باستمتاع الجوارح بالشهوات؛ الذي هو الاستمتاع بالخلاق، وبخوض القلب في الشُبهات؛ الذي هو خوض بالباطل.
فقول الله تعالى: (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون): كما تضمن تعليق الإمامة في الدين بأمرين - هما الصبر واليقين -: فقد تضمن أيضا أصلين آخرين هما:
الأصل الأول: الدعوة إلى الله تعالى؛ وهداية خلقه.
الأصل الثاني: أن يكون سبيل الدعوة وطريق الهداية بما أمر الله تعالى به على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لا بمقتضى العقول والآراء والأذواق التي هي على غير هدى وبرهان من الله تعالى، فالدعاة مكلفون بمتابعة النبي صلى الله عليه وسلم والانقياد له، فمتابعة النبي صلى الله عليه وسلم في سبيل الدعوة: نظير متابعته في الأمر والنهي، فهي من جملة ما سيسأل عنه الدعاة يوم القيامة، كما قال الله تعالى: (ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين).
وقال صلى الله عليه وسلم في سؤال العبد في قبره: (بي تفتنون، وعني تسألون).
فبمجموع ما في هذه الآية الكريمة من الأمرين والأصلين: يستفاد منها أربع قواعد من قواعد إصلاح القلوب والجوارح:
القاعدة الأولى: الصبر؛ وهو الحبس، ويكون بحبس النفس عن ترك فرائض الله تعالى، وحسبها عن فعل محارم الله تعالى، وحبسها عن التسخط على قضاء وقدر الله تعالى، وهذه القاعدة متعلقة بركن الايمان السادس؛ وهو ركن الإيمان بالقضاء والقدر، خيره وشره، حلوه ومره.
القاعدة الثانية: اليقين وهو الإيمان الجازم الثابت الذي لا ريب فيه ولا تردد ولا شك ولا شبهة، وهذه القاعدة متعلقة بأركان الإيمان الخمسة التي جمعها قول الله سبحانه: (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين).
فهذا اليقين محله بصيرة القلب؛ كما ان الرؤية محلها بصر العين، ولهذا قال بعض السلف: (اليقين: الإيمان كله).
القاعدة الثالثة: هداية الخلق؛ ودعوتهم إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، كما قال الله تعالى: (ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين).
فهذا الداعي إلى الله تعالى: هو حبيب الله، وهو وليه، فقد أسلم وجهه لله تعالى، وعمل بطاعته، ودعا الخلق إليه.
القاعدة الرابعة: دعوة الخلق إلى الله تعالى بما يتوافق مع أمره، وهذا يتضمن اتباع شرعه الذي أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم، فهداية الخلق إنما تكون بشرع الله وحده، دون غيره من الأقوال والآراء والنحل والمذاهب، فاتباع سبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يهدون إلا بأمره خاصة، كما قال الله تعالى: (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين).