سورة مكية تتبين فيها رحمات الله عز وجل، وتتجلى فيها مكانة الأنبياء، وذكر فيها الله عز وجل قصة ومعجزة زكريا عليه السلام، كما ذكر معجزة خلق عيسى عليه السلام من غير أب، وأخبرنا عز وجل ان هذا القصص فيه العبرة لكل من استمع اليه من قصة امرأة عمران التي نذرت ما في بطنها لله، وبين مكانة الدعاء وان الله سميع قريب مجيب فلا تبخلوا بالدعاء والتوسل إلى الله.
وبعد ان ذكر الله تعالى قصة زكريا عليه السلام ذكر مريم وولدها عيسى عليه السلام، ثم ذكر حالها في مواجهة قومها حين أتت به تحمله وهي مستعدة للمواجهة حين اتهموها بالزنا (لقد جئت شيئا فريا) وحين اشارت اليه اعتبروا ذلك سخرية وتهكما فجاءت معجزة الله وتكلم الطفل فألجم الأفواه وصدح معلنا التوحيد (قال اني عبدالله) وأصبحت بركة عيسى تحل معه أينما حل، فقد جعل الله تعالى البركة في أماكن وأشياء وأناس معينة.
تحقيق عبادة الله
كرم الله تعالى عيسى عليه السلام بالكتاب والنبوة والبركة اينما حل وحقق مراد الله عز وجل (وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا) فالبر بالوالدين متلازم مع طاعة الله وهذا من فضل الله على الانسان وعلى الوالدين، (ولم يجعلني جبارا شقيا) أي لم يجعلني جبارا مستكبرا عن عبادته وطاعته وبر والدتي فأشقى بذلك.
حقيقة بشرية
(والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا) اثبات منه بعبوديته لله عز وجل وانه مخلوق من خلق الله يحيا ويموت ويبعث كسائر الخلائق والسلام هو الأمان، قالوا هذه اجابة دعوة جدته فجنبه الشيطان عند ولادته.
(ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون) فبميلاد عيسى اكتملت رباعية البشر، خلق آدم بلا حواء وخلقت حواء بلا آدم وخلق عيسى بلا أب وخلق الله الناس من ذكر وأنثى.
(وإن الله ربي وربكم فاعبدوه) أي ومما أمر به عيسى قومه وهو في مهده أن اخبرهم ان الله ربه وربهم وأمرهم بعبادته فقال: (فاعبدوه هذا صراط مستقيم) أي هذا الذي جئتكم به «صراط مستقيم».
اختلاف الأحزاب
(فاختلف الأحزاب من بينهم) كان الاختلاف على خمس، منهم من قال وهم اليهود عليهم لعنة الله، انه ولد زانية، ومنهم من قال هذا سحر، وقالت طائفة أخرى انها تكلم الله وقال آخرون بل هو ابن الله وقال آخرون ثالث ثلاثة وقال آخرون بل هو عبدالله ورسوله وهذا هو قول الحق الذي ارشد الله اليه المؤمنين وهي بشارة عظيمة بأن التوحيد هو الكلمة التي جاء بها عيسى وموسى ومحمد عليهم السلام.
كبش أملح
يخبر الله عز وجل عن ذاته الإلهية فيقول لنبيه (وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون) أي يفصل بين أهل الجنة وأهل النار قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار يجاء بالموت كأنه كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار فيقال يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ فيقولون نعم هذا الموت، فيقال يا أهل النار هل تعرفون هذا؟ ويقولون نعم هذا الموت، قال: فيؤمر به فيذبح ويقال يا أهل الجنة خلود ولا موت ويا أهل النار خلود ولا موت».
نداء إبراهيم
(واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا) واتل على قومك الذين يعبدون الأصنام واذكر لهم ما كان من خبر إبراهيم خليل الرحمن الذين هم من ذريته ويدعون أنهم على ملته وقد كان صديقا نبيا في حواره مع ابيه، اذ نادى أباه (يا أبت لا تعبد الشيطان) والنداء هنا من إبراهيم إلى أبيه لجذب اهتمامه واستدرار عطفه وبين ان لديه من العلم ما يمكنه من نجاة أبيه (إن الشيطان كان للرحمن عصيا) أي مخالفا مستكبرا عن طاعة ربه فطرده وأبعده، وظل ابراهيم متلطفا بأبيه فبين بعد نداءاته المتكررة ان نهاية هذا الطريق هي العذاب (يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا) فيأتي رد والده (أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليّا)، (قال سلام عليك سأستغفر لك ربي انه كان بي حفيا) أي قريب من أوليائه مجيب لدعواتهم.