ما حكـم الزواج من اليهـودية المهاجـرة إلى أرض فلسطين المغتصبة؟
٭ ليس بين أهل العلم اختلاف في جواز التزوج بحرائر نساء أهل الكتاب، لقوله تعالى: (اليوم أحل لكم الطيبات) إلى قوله: (والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن) (المائدة: 5) والمحصنات هنا: هن العفائف، كما أوضحه غير واحد، انظر تفسير ابن كثير(2/ 24) وحكاه عن الجمهور، وأحكام أهل الذمة (2/ 419) لابن القيم.
وصريح القرآن يدل على أنه للمسلم التزوج بالكتابية سواء كانت ذمية أو حربية، إذ لا فرق بين الصنفين في الدخول تحت قوله تعالى: (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) لكن لابد من النظر في المصالح والمفاسد المترتبة على نكاح الكتابية، لاسيما إذا كانت حربية. فقد روى ابن أبي شيبـة والبيهقي (7/ 172) عن أبي وائل قال: تزوج حذيفة يهودية، فكتب إليه عمر: أن خلّ سبيلها، فكتب إليه: إن كان حراما خليت سبيلها، فكتب إليه: «إني لا أزعم أنها حرام، ولكني أخاف أن تعاطوا المومسات منهن». إسناده صحيح. وهذا من عمر رضي الله عنه على سبيل الكراهة والتنزيه والاحتياط.
وقال الإمام مالك رحمه الله كما في المدونة (4/ 156): أكره نكاح نساء أهل الذمة: اليهودية والنصرانية، وما أحرمه، وذلك أنها تأكل الخنزير وتشرب الخمر ويضاجعها ويقبلها، وذلك في فيها وتلد منه أولادا فتغذي ولدها على دينها، وتطعمه الحرام وتسقيه الخمر. وقال الإمام الشافعي رحمه الله في الأم (5/ 7): ويحل نكاح حرائر أهل الكتاب لكل مسلم، لأن الله تعالى أحلهن بغير استثناء. وأحب إلي لو لم ينكحهن مسلم.
ثم روى بسنده: عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبدالله يسأل عن نكاح المسلم اليهودية والنصرانية، فقال: تزوجناهن زمان الفتح بالكوفة مع سعد بن أبي وقاص ونحن لا نكاد نجد المسلمات كثيرا، فلما رجعنا طلقناهن.
وقال الحافظ ابن حجر: أخرج ابن أبي شيبة بسند حسن: أن عطاء كره نكاح اليهوديات والنصرانيات، وقال: كان ذلك والمسلمات قليل.
قال الحافظ: وهذا ظاهر في أنه خص بالإباحة بحال دون حال. وقال أبو عبيد: المسلمون اليوم على الرخصة، وروي عن عمر: أنه كان يأمر بالتنزه عنهن من غير أن يحرمهن. انتهى (الفتح: 9/ 417).
قال العلماء: إنما كره عمر وغيره من الصحابة الزواج بالكتابيات ومنعوا منه خشية الفتنة على الزوج أولا، فربما قويت المحبة بينه وبين زوجته الكتابية فاستمالته إلى دينها، وكذلك خشية الفتنة على الأولاد فإنهم يميلون إلى أمهم أكثر، فربما صار هذا سببا للتأثر بدين النصرانية أو اليهودية.
أما إذا لم يكن هناك خطر بأن كان الطمع في إسلامها كبير، فلا وجه للقول بالكراهة، والله تعالى أعلم.