سورة مكية مدارها التوحيد حيث جاء الأنبياء جميعا بـ«لا إله إلا الله» وتستعرض الآيات نماذج من الأنبياء الذين ابتلوا بالخير، وآخرين ممن ابتلوا بالشر وكيف تم للرسل النجاح في المقامين عن طريق الشكر والصبر، مبينة ان الابتلاء ثلاثة أصناف: الأول تكذيب المكذبين واستهزاء المستهزئين والثاني الابتلاء بالنعم والثالث الابتلاء بالضر كما ابتلي أيوب وصبر على ما أصابه.
سجن الحوت
(وذا النون إذ ذهب مغاضبا..) أي واذكر عبدنا ورسولنا ذا النون وهو يونس، اي صاحب النون (الحوت) بالذكر الجميل فإن الله أرسله إلى قومه فدعاهم فلم يستجيبوا ولم يؤمنوا، فخرج يونس غاضبا ووعدهم بالعذاب، ولم ينزل عليهم العذاب لأنهم خرجوا وعندما أصابت القرعة يونس التقمه الحوت وظل في ظلمات ثلاث، ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت، فنادى ربه (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين)، لقد فزع الى ربه وألحّ في الدعاء الذي يتجلى فيه التوحيد والتنزيه والافتقار، فأقرّ لله تعالى بكمال الألوهية ونزاهته عن كل نقص وعيب وآفة واعترف بظلم نفسه.
هبة ومعجزة
(وزكريا إذ نادى ربه ربّ لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين) زكريا الذي تمنى الولد ليرث العلم ويورثه الدعوة إلى الله عز وجل، فخاطب الله تعالى وطالبه بأن يهب له الولد وقال انت خير من يرث الأرض ومن عليها (فاستجبنا له ووهبنا له يحيى...) يحيى النبي الكريم الذي لم يجعل الله له من قبل سميا (وأصلحنا له زوجه) بعد ان كانت عاقرا وعجوزا.
امتدحهم الله تعالى
ثلاثة أمور امتدح بها الله زكريا عليه السلام وهي: المبادرة الى الخيرات وكانوا يدعون الله وهم راجون رحمته ويخشون عقابه معظمين الله تعالى رغبة وخوفا ورهبة (إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين).
تقوى الله
فالمؤمن متوازن في كل شيء بين جناحي الرغبة والرهبة، امتدحهم الله (وكانوا لنا خاشعين) والخشوع له معان كثيرة، الخشوع والانقياد لله عز وجل وعدم التكبر على أوامر الله، وكانت وصية أبي بكر في حديثه «أوصيكم بتقوى الله».
قيمة العفة
ثم ذكر الله قصة مريم مقرونة بزكريا حيث جاءت المعجزة في ان تلد مريم عليها السلام بلا زوج (والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا...) مثنيا عليها مبينا قدرها وشرفها ولم يسمها باسمها وإنما وصفها ممتدحا عفافها، هذه المرأة التي حصنت نفسها ووهبت نفسها لله ولم تتخذ زوجا ولا صاحبا، والعفة قيمة عظيمة وصفة عظيمة مدح بها الله تعالى مريم، والعفة مطلوبة من الشباب والشابات، والعفاف منار الصالحين وديدن المتقين.
تقرير رباني
(إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) التوحيد واحد، ودينكم واحد قائم على لا إله إلا الله وحقيقة التوحيد ألا نتوجه بالعبادة إلا لله عز وجل، نعبد الله بالطريقة التي يريدها منا وبما هو ثابت في كتابه وسنة نبيه.
(وتقطعوا أمرهم بينهم) شبّه الدين كأنه ثوب، وكل أمة أخذت من الدين ما تريد، فتقطع وتفرق المنتسبون لاتباع الأنبياء فرقا وكل هذه الفرق المتفرقة وغيرهم (إلينا راجعون) لنجازيهم أتم الجزاء.
الوعد القريب
يبين الله عز وجل أن وعده قريب (حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون) فهو تحذير من الله للناس انه قد اقترب انفتاح يأجوج ومأجوج وسيفتح في آخر الزمان السد عنهم فيخرجون الى الناس من مكان مرتفع وهو الحدب يسرعون منه (واقترب الوعد الحق) أي يوم القيامة الذي وعد الله بإتيانه ووعده حق وصدق، وفي هذا اليوم تكون أبصار الكفار شاخصة من شدة الفزع والهول يدعون بالويل والندم والحسرة على ما قالوا واعترفوا بظلمهم والاعتراف هنا تبكيت وحسرة على أنفسهم.
(إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون) الحصب ما توقد به جهنم والأصنام التي عبدوها يرميها الله معهم في جهنم لتزيد النار عليها احراقا ومن شدة العذاب (لهم فيها زفير) وهم فيها لا يسمعون صم بكم عمي لا يسمعون من شدة غليانها وزفيرها.
السعداء
لما ذكر الله حال الأشقياء ذكر لنا حال السعداء (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى) هؤلاء اهل الإيمان هم اهل الجنة، اهل الخلود فيها الذين سبقت لهم السعادة من الله لما اسلفوا من الصالحات في الدنيا، فكما احسنوا في الدنيا ينجيهم الله من النار مبعدون لا يدخلونها ولا يسمعون حتى حسيسها وهم في لذة من كل جانب، حواسهم متلذذة ومتنعمة في الجنة لا تسمع الا الخير (وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون).
بشارة كبرى
(لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة...) يوم القيامة المؤمن لا يخاف عند البعث تأتيه الملائكة تطمئنه وهذا يوم اللقاء يوم البشارة (توعدون) المؤمنون آمنون مطمئنون تبشرهم الملائكة.
الوراثة لأهل الصلاح
(يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب...) السجل: الصحيفة، يطوي الله تعالى السماء كما نطوي نحن الكتاب ويعاد الخلق كما بدأ خلقه.
(ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر ان الأرض يرثها عبادي الصالحون) يخبرنا الله تعالى بأن أرض الجنة يرثها عباده الصالحون، والوراثة لأهل الصلاح فلابد ان اصلح نفسي وأصلح المجتمع حولي حتى استحق وعد الله.
(إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين) إشارة إلى القرآن وإلى مواعظ الله في كتابه، في القرآن بلاغ لكل خير، كفاية من كل شيء، صلاح لنفسك وأهلك لقوم صفتهم أنهم يعبدون الله عاملين على طريق الله متبعين لهذا البلاغ.
رحمة للعالمين
(وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) أرسل الله محمدا صلى الله عليه وسلم لكل الناس لمؤمنهم وكافرهم، فمن شكر هذه النعمة أسعده الله في الدنيا والآخرة ومن جحدها خسر الدنيا والآخرة.
فقل يا محمد (إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد) الذي لا يستحق العبادة إلا هو ولهذا قال: (فهل أنتم مسلمون) أي منقادون لعبوديته مستسلمون لألوهيته، فعنوان الإيمان: الإسلام والإيمان (فإن تولوا فقل آذنتكم على سواء...).
آذنتكم: أي أعلمتكم بالعقوبة على سواء، أي علمي وعلمكم لما أنذرتكم وحذرتكم. (وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون) يقول النبي صلى الله عليه وسلم :لا أدري ما أنتم فيه من النعم وإمهال الدنيا لكم لعله فتنة واستدراج وإمهال لكم (قال رب احكم بالحق وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون) دعاء عظيم، افصل بيننا وبين هؤلاء المكذبين، يسأل النبي صلى الله عليه وسلم ربه باسمه الرحمن ان تشمله هذه الرحمة فيفتح بينه وبين هؤلاء الكافرين ويكفيه امرهم.
وختم الله عزّ وجلّ السورة الكبيرة بما بدأها (قال رب احكم بالحق) فعاد ختامها على مبتداها (اقترب للناس حسابهم).
خلاصة السورة
٭ الإنذار بقرب الساعة مع غفلتهم عنها.
٭ إنكار المشركين نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه بشر مثلهم وأن ما جاء به اضغاث احلام وأنه افتراه ولو كان نبيا حقا لأتى بآية كآيات موسى وعيسى.
٭ الرد على هذه الشبهة بأن الأنبياء جميعا كانوا بشرا وأهل العلم من اليهود والنصارى يعلمون ذلك.
٭ الإخبار بأن الله تعالى أهلك كثيرا من الأمم المكذبة لرسلها وأنشأ بعدهم قوما آخرين.
٭ بيان أن السماوات والأرض لم تخلق عبثا وأن الملائكة لا يستكبرون عن عبادته ولا يملون.
٭ إقامة الدليل على وحدانية الله والنعي على من يتخذ آلهة من دونه بلا دليل على صدق ما يقولون مع ان الانبياء جميعا اوحي إليهم انه لا إله إلا الله.
٭ النعي على من ادعى ان الملائكة بنات الله.
٭ وصف النشأة الأولى ببيان ان السماوات والأرض كانتا رتقا فانفصلتا وأن الجبال جعلت في الأرض أوتادا حتى لا تميد بأهلها وأن كلا من الشمس والقمر يسبح في فلكه.
٭ استعجال الكافرين العذاب مع انهم لو علموه ما طلبوه.
٭ بيان ان الساعة تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون.
٭ قصص بعض الأنبياء كموسى وهارون وإبراهيم ولوط ونوح وداود وسليمان وأيوب وإسماعيل وإدريس وذي الكفل ويونس وزكريا وقصص مريم.
٭ بيان ان الدين الحق عند الله هو الإسلام وبه جاءت جميع الشرائع والاختلاف بينها انما هو المرسوم بحسب اختلاف الازمنة والأمكنة.