فضل المساجد
(الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح.. الآية).
وصف الله عز وجل نفسه بالنور ووصف نبيه صلى الله عليه وسلم بالنور (وسراجا منيرا) ووصف كتابه بالنور (وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً) سبحانه هو نور السموات والأرض، إذا اتصلت به منحك بعض نوره ليريك الحق وينير قلبك بالخير، وهذا النور نعمة كبرى وفضل عظيم لأهل الإيمان.
فكتابه نور وشريعته نور والإيمان به نور.
(كمشكاة): أي: كوة (فيها مصباح) تجمع نور المصباح فيها، وهذا المصباح من زجاجة، من صفاتها (كأنها كوكب دري) مضيء يقصد ذلك المصباح في تلك الزجاجة الدرية من شجرة مباركة زيتونة.
وهذه نعمة كبرى لأهل الإيمان فإن الذي يستهديه القرآن كالزيت الصافي من صفائه كأنه مشتعل.
من جودة هذا الزيت يكون نوره (لا شرقية ولا غربية) فلا تصيبها الشمس آخر النهار «ولا غربية» فقط لا تصيبها الشمس أول النهار، شجرة معتدلة في الشروق والغروب فكان أكمل لثمرها وزيتها.
وهذا المثل ضربه الله على حال المؤمن ونور الله في قلبه بمنزلة الزيت الصافي فإذا وصل إليه الإيمان والعلم اشتعل النور في قلبه بمنزلة اشتعال النار فتيلة ذلك المصباح.
ويضرب الله الامثال حتى يتعظ الإنسان بما فيها حيث ضرب الأمر المعقول بالمحسوس ليعقلوا ما به ويفهموا، فالامثال تقرب المعاني فيعلمها العباد علما واضحا.
مــــن أراد النور فلـــيلزم بيت الله (في بيـــــوت أذن الــــله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيــــها بالغدو والآصال رجال..) هي المساجد وحق على الله أن يكرم من زاره، فيها الذكر والاـــتماع، ولا تتــخذ إلا للعبادة فلا تكون سوقا يباع ويشترى فيها إنما أذن الله أن تعمر ليذكر فيها اسمه.
ثم مدح تعــــالى عمارها بالعـــبادة فقال (يسبح له فيها) إخلاصا (بالغدو والآصال) آخره (رجال) خص هذين الوقتين لشــــرفهما ولتيسر السير فيهما إلى الله.
رجال حددوا أولوياتهم فامتدحهم الله وضرب الله المثل بالتجارة لأنها أكثر ما تلهي الناس، فهؤلاء لا تشغلهم الدنيا ولا زخرفها ولا بديعها ولا ربحها، أناس حققوا قول الله: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين) يقدمون طاعة الله ومراد الله على مرادهم، لا تؤثر فيهم دنيا ولا تجارة ولا مكاسب، فكل من يلهيه البيع وتشغله التجارة عن حضور المسجد فهو خاسر.
بشارة عظيمة
(ليجزيهم الله أحسن ما عملوا) يقبل عنهم أحسن ما عملوا ويتجاوز عن سيئاتهم ويزيدهم من فضله لأن أعمالهم الحسنة الصالحة أحسن ما عملوا والله أكرم الأكرمين يرزق من يختار، ولا يحاسبه، نعيم في الدنيا وعفو في الآخرة، فالرزق الدنيوي يحصل للمؤمن والكافر، وأما رزق القلوب من العلم والإيمان فلا يعطيهما إلا من يحب، ويزيدهم من فضله في الجزاء المقابل لأعمالهم.
مثلان
ثم ضرب الله تعالى مثلين للكفار (والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء.. الآية) هذان مثلان ضربهما الله لأعمال الكفار في بطلانها وذهابها سدى.
فأعمال الكفار مثل السراب يظنها أنها أعمال نافعة فيغتر بها وهو في حاجة لها مثل احتياج الظمآن للماء. ومثلّها الله بالسراب الذي بقيعة لا شجر فيها ولا نبات، وهذا مثال لقلوبهم لا خير فيها ولا أعمال صالحة، والمثل الثاني: بطلان أعمال الكفار (كظلمات في بحر لجي) بعيد وهو الجاهل المقلد المتبع يظن انه على حق وأنه لن يبعث ولن يحاسب، فالمثل الأول للكافر المتبوع، والثاني للكافر التابع الجاهل المقلد لأهل الكفر.
بشارة لأهل الإيمان
(ألم تر أن الله يسبح له من في السموات والأرض والطير صافات.. الآية) الكون كله في تسبيحة واحدة لله الذي احاط علمه بكل ما في هذا الكون، فلا تغتر أيها الإنسان.
فبعد أن بين سبحانه افتقارهم اليه في العبادة والتوحيد بين افتقارهم اليه من جهة الملك والتربية والتدبير، فنبه الله عباده على عظمته وكمال سلطانه وافتقار جميع المخلوقات إليه، فالكل يسبح بحمده من حيوان وجماد والطير صافات اجنحتها في السماء تسبح ربها.
كل من المخلوقات (قد علم صلاته وتسبيحه) أي كل له صلاة وعبادة وقد ألهمه الله تلك الصلاة وذلك التسبيح.
عبادة منسية
(ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما.. الآية) دلالات على خلق الله يستدل بهذه الآيات على ربوبية الله عز وجل، فالسحاب آية عظيمة.
يقول تعالي انظر ببصرك إلى هذا الخلق وعظيم قدرة الله، يسوق «سحابا» قطعا متفرقة ثم يؤلف بين تلك القطع فيجعله سحابا متراكما مثل الجبال (فترى الودق) أي المطر يخرج من خلال السحاب نقطا متفرقة ليحصل بها الانتفاع من دون ضرر فتنبت الأرض وتسيل الأودية.
التفكر في خلق الله
جاء عن السيدة عائشة رضي الله عنها ان النبي صلى الله عليه وسلم قال لها ذات ليلة «يا عائشة ذريني أتعبد الله ربي» فقالت: والله إني أحب قربك وأحب ما يسرك.
قالت فقام فتطهر ثم قام يصلي.
قالت: فلم يزل يبكي حتى بل حجره. قالت ثم بكى حتى بلّ الأرض، فجاء بلال يؤذنه بالصلاة، فلما رآه يبكي.
قال يا رسول الله، تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال «أفلا أكون عبدا شكورا». عبادة التفكر بها يستدل العبد على عظمة الله بآياته الكونية ويدرك سننه الشرعية ويعلم حقيقة الوجود.