- كان الصحابــة يدققون في كتابــة المصاحف في أثناء العمــل وبعد إنجازه.. فإن المصـاحف لم ترسل إلى الأمصـار إلا بعد عرضها ومراجعتها
عرض المصاحف
كان الصحابة وهم ينسخون المصاحف يدركون قيمة العمل الذين يقومون به وما يتطلب من الأناة والدقة، وكانوا يعملون على أساس القاعدة التي حددها لهم الخليفة عثمان، رضي الله عنه، وهي «إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش»، وذلك أن زيد بن ثابت كان من أهل المدينة، فربما تأثر رسمه للقرآن ببعض خصائص لهجته، وقال الزهري: «فاختلفوا يومئذ في (التابوت) و(التابوة)، فقال القرشيون (التابوت)، وقال زيد: (التابوة) فرفع اختلافهم إلى عثمان، فقال اكتبوه (التابوت)، فإنه نزل بلسان قريش».
وجاء في بعض الروايات أن الذين كانوا يكتبون المصاحف ربما اختلفوا في الكلمة، فيتركون مكانها فارغا، ولا يثبتونها حتى يسألوا عنها، وربما يذكرون الرجل قد تلقاها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعله أن يكون غائبا أو في بعض البوادي فيرسل إليه أو يجيء، حرصا منهم على الدقة في كتابة كلمات القرآن الكريم.
وكان الصحابة يدققون في كتابة المصاحف في أثناء العمل، وبعد إنجازه، فإن المصاحف لم ترسل إلى الأمصار إلا بعد عرضها ومراجعتها، وجاء في بعض الروايات أمثلة للكلمات التي توقف عندها الصحابة ودققوا رسمها، وهي مروية عن هانئ البربري الدمشقي مولى عثمان بن عفان، ولدينا روايتان في ذلك هما:
الرواية الأولى: قال هانئ: «كنت الرسول بين عثمان وزيد بن ثابت، فقال زيد: سله عن قوله (لم يتسن)، أو لم يتسنه (259) [البقرة]، فقال عثمان: اجعلوا فيها هاء».
الرواية الثانية: قال هانئ: «كنت عند عثمان، وهم يعرضون المصاحف، فأرسلني بكتف شاة إلى أبي بن كعب، فيها (لم يتسن) و(فأمهل الكافرين) و(لا تبديل للخلق). قال: فدعا بالدواة فمحا إحدى اللامين وكتب لا تبديل لخلق الله (30) «الروم»، ومحا (فأمهل) وكتب فمهل الكافرين (17) [الطارق]، وكتب لم يتسنه (259) [البقرة] ألحق فيها الهاء».
وهذا الحرص والتدقيق في رسم كلمات القرآن يدل على نحو لا يقبل الشك أن القرآن الكريم قد حفظ نصه كما تلقاه الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه حظي في جميع مراحل كتابته بالمراجعة التي لا تدع مكانا للنسيان والوهم في عمل يتعلق بالقرآن الكريم.
وكان أبو بكر الصديق قصد جمعه في مكان واحد، ذخرا للإسلام يرجع إليه إن ذهب قراؤه، وعثمان قصد أن يقتصر الناس على تلاوته على اللفظ الذي كتب بأمر النبي صلى الله عليه وسلم ولا يتعدوه إلى غيره من القراءات التي كانت مباحة لهم.
قال القاضي أبو بكر الباقلاني: «وجميع القرآن الذي أنزله الله تعالى، وأمر بإثباته ولم ينسخه، ولا رفع تلاوته، هو الذي بين اللوحين، الذي حواه مصحف عثمان، رضي الله عنه، لم ينقص منه شيء، ولا زيد فيه شيء، نقله الخلف عن السلف».
المبحث الرابع تأليف القرآن
كلمة (تأليف) مصدر للفعل ألف، يقال في اللغة: ألفت بينهم، إذا جمعت بينهم بعد تفرق، وألفت الشيء تأليفا، إذا وصلت بعضه ببعض، ومنه تأليف الكتب.
وقد استخدمت عبارة (تأليف القرآن) في المصادر القديمة، ويراد بها جمع وترتيب آيات السورة والواحدة، وطريقة ترتيب السور في المصحف.
وهذا الموضوع من الموضوعات التي درسها المؤلفون في علوم القرآن، لأن ترتيب الآيات والسور في المصحف لم يجر على ترتيب نزولها، ومن ثم بحث العلماء الأسس التي بني عليها هذا الترتيب، وتتناول دراسة الموضوع ثلاثة أمور: ترتيب الآيات في السور، وترتيب السور في المصحف، وترتيب القرآن حسب النزول، وهو ما سيكون موضوع الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.
باحث في القرآن الكريم وعلومه