سورة الشعراء تلك السورة التي منّ الله عز وجل فيها على عباده بنعمة كبرى وهي القرآن الفاصل بين الحق والباطل، وبين الكفر والإيمان، والهدى والضلال، والنور والظلام.
كما مر بنا بعد ان بين الله عز وجل صفات الكافرين، بين لنا صفات عباد الرحمن ووصفهم الله بأنهم عباد له، فهؤلاء حققوا مراد الله
في أنفسهم، وبين الله تعالى ان علاقتهم مع خلقه انعكاس لعلاقتهم مع ربهم.
نبدأ بسورة عظيمة من القرآن الكريم سورة مكية نزلت على قلب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهو في مكة وكانت حالته من أصعب الحالات يعاني كفر الكافرين وتعنتهم وعنادهم وسخريتهم وقد نزلت هذه السورة الكريمة في بداية الدعوة الجهرية تسرية عن فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم بذكر أحوال الأقوام السابقة، فذكرت قصص بعض الأنبياء كقصة موسى عليه السلام وقصة إبراهيم، وكذلك قصة نوح وهود وصالح ولوط وشعيب عليهم السلام أجمعين.
سبب التسمية
السور اسمها توقيفي ولفظة الشعراء لم ترد في القرآن إلا في هذه السورة ولأن الله ذكر فيها اسم الشعراء وذلك للرد على المشركين لزعمهم ان محمدا صلى الله عليه وسلم كان شاعرا فرد الله عليهم ذلك الكذب والبهتان بقوله: (والشعراء يتبعهم الغاوون)، بقول ابن كثير: سميت الجامعة لأنها جمعت قصص عدد كبير من الأنبياء، والقصص في القرآن لا يكون من أجل سرد الحكاية ولكن لإبداء العظة وهذا من إعجاز القرآن، والشعر ليس مرفوضا في تعاليم الدين بل هو نوع من أنواع الجهاد، بالكلمة بشرط ان يحمل بين ثناياه الصلاح والإصلاح ولا يكون الشعر موجها للضلال أو الغواية والآية استثنت الذين آمنوا منهم وكان الشاعر صوت القبيلة وفخرها والشعراء في الجاهلية هم الإعلام الموجه لنصرة قضاياهم وهجاء الآخرين، وعليه مسؤولية توصيل صوت الحق للناس.
التكرار من أساليب العرب التي يعدونها من أساليب البلاغة وأسلوب تعليمي تربوي وما جاء التكرار إلا لحكمة وقد يأتي بالكلمة وقد يأتي في الجملة ويدخل الى النفوس من أبواب عدة مرة تكون مخيفة وتارة محببة فتحقق الأهداف كقوله تعالى تعظيما لمجيء يوم القيامة: (وجاء ربك والملك صفا صفا) ومرة للتهويل (إذا دكت الأرض دكا دكا)، فالتكرار في القرآن يأتي لتأكيد معاني بلاغية عظيمة وتكرير الآية وكأنها لازمة وفاصلة في هذه السورة كقوله تعالى: (إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين) فتكرر هذه الآية على مدار السورة وسنرى في كل موضع وجها جديدا ومعنى مختلفا وهذا من بلاغة القرآن، والغرض منه ان نستشعر لذة القرآن وأن نفهم مكانته.
رسالة للإعلاميين
الدعوة إعلام بالحق وبالنور والخير ويأتي الرسل من أجل الدعوة الى الله، فالرسل قادة الخير ورسالتهم تكون رسالة لمن بعدهم وهذه وصية رسولنا صلى الله عليه وسلم «بلغوا عني ولو آية» وإنني مكلفة بالبلاغ ولكن كيف يكون البلاغ؟ يكون بالنشر، والنشر الآن يكون عن طريق وسائل الإعلام وأبواب الخير فتحها الله عليك بأن ترسلي رسالة عن فضل صلاة الفجر فتكون مبادرة بنشر الخير أو تبليغ حديث لأسرتك عن النبي صلى الله عليه وسلم والآيات في السورة تتحدث عن أساليب توصيل الرسالة بأحسن الوسائل الممكنة في إيجاد الوسيلة المناسبة في كل زمان ومكان، والسورة بمثابة رسالة إلى الإعلاميين خاصة وللمسلمين عامة، والسورة تتحدث عن الإعلام والشعراء الذين هم رمز الإعلام خاصة في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، حيث كان شعراء الإسلام وسيلة تأثير مهمة في المجتمع وكان العرب أهل شعر وفصاحة فكانت هذه الوسيلة تخاطب عقولهم، أما في عصر موسى فكان السحر منتشرا فجاءت حجة موسى بالسحر الذي يعرفه أهل ذلك العصر جيدا وهكذا على مر العصور والأزمان فإن وسيلة الإعلام قد تستخدم للهداية (كسحر موسى وشعراء الإسلام) وقد تستخدم للغواية والضلال (كسحر فرعون وشعراء قريش الكفار).
الكتاب العظيم
القرآن الكريم بلاغ عظيم قام به أشرف الخلق، الأنبياء ثم ورث الأنبياء بعضهم البعض في هذا البلاغ، ففي سورة الفرقان ختم الله السورة الكريمة بعد ان بين ان هذا الكتاب هو الهدى وبين كيف انتفع المؤمنون بهذا الكتاب حتى أسماهم الله عز وجل «عباد الرحمن» اثنتي عشرة صفة استكملوها، وفي المقابل هؤلاء المكذبون سيحل عليهم عذاب الله ثم تأتي سورة الشعراء والتي مقصودها إثبات توحيد الله سبحانه والخوف من الآخرة والتصديق بالوحي المنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم والتخويف من عاقبة التكذيب.