(فخرج منها خائفا يترقب)، لم يعاد جاره الإسرائيلي بل عادى القوة السياسية في البلد كله، صار الجيش ضده والبلاط ضده والملك ضده، لكن الله سبحانه وتعالى معه، فخرج خائفا يترقب، نعود مرة أخرى للمشاعر البشرية.. (فخرج منها خائفا يترقب)، كما قلنا المشاعر البشرية لا بأس بها لكن أن تحركك هذه المشاعر ان تملي عليك هذه المشاعر لا، فموسى خرج خائفا لكنه لم يجزع، وعندما خاف عالج الخوف الذي عنده، كيف عالجه؟ (قال رب نجني من القوم الظالمين)، فلما خاف لجأ إلى الله عز وجل ليطلب الأمن.
ثقة بالله عز وجل
(ولما توجه تلقاء مدين)، قصد بلاد مدين للخروج من سلطان فرعون، (قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل)، ثقة بالله عز وجل، وهو لا يعلم كيف الطريق أو ما هو أفضل طريق، مرة أخرى تدبير الله عز وجل لموسى، هذه السورة عظيمة، برغم كل المؤشرات الدنيوية التي تكون ضد هذا الإنسان إلا ان عناية الله التي ترعاه وترعى المؤمنين أيضا توصله إلى كل خير، وتنجيه من كل شر.
الحياء
(ولما ورد ماء مدين)، هذه المدينة، (وجد عليه أُمّة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يُصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير)، الآن موسى عليه السلام رأى هذا المشهد والكل يسقي ماشيته، فبدل ان تذهب الماشية الى هذا البئر وجد امرأتين تصدان الماشية عن البئر من حياء هاتين المرأتين أنهما لا تريدان مخالطة الرجال، اختارتا ثوب الحياء، فأصبحتا تذودان، تردان الغنم حتى ينتهي الرعاة، لما رأى موسى هذا المشهد استغرب، وأراد ان يخدم حاجة المرأتين بمساعدتهما وتدبير أمرهما، فقد أرسل الله لهما هذا الرجل القوي، سبحانه سخره لهما وسخرهما له.
مروءة وعفة
(فسقى لهما ثم تولى إلى الظل)، في هذه فائدة ان الإنسان إذا عمل الخير لا ينتظر الشكر، إذا صنعت المعروف اهرب، لا يكن حظك منه شكر الناس لك، ولكن ليكن حظك منه شكر الله لك، مرة اخرى في مواجهة هذه الحاجات الإنسانية يلجأ موسى الى ربه فيقول (رب إني لما أنزلت إليّ من خير فقير)، في كل موقف كان فيه موسي في حالة ضعف بشري لجأ الى ربه، وكلما لجأ الى ربه فرج الله كربه، دعاء يكتب بماء العين إذا احتجتم شيئا قولوا هذا الدعاء، اي شيء تحتاجونه ارجعوا الى الله عز وجل واسألوه سبحانه وتعالى.
من هو شعيب؟
اختلف المفسرون من هو الرجل أبو البنات (إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا) قال أحدهم انه شعيب النبي الذي أرسله الله الى أهل مدين، وقال الحسن البصري هو ابن اخيه وليس شعيبا، وقيل انه رجل مؤمن من قوم شعيب، وقال ابن تيمية وابن القيم وابن كثير والسعدي وغيرهم ان شيخ مدين الصالح الذي جاءه موسى عليه السلام وتزوج احدى ابنتيه ليس هو النبي شعيب الذي بعثه الله إلى أهل مدين، فشعيب عليه السلام كان قبل ذلك في الفترة الزمنية الواقعة بين عهد يوسف وعهد موسى عليهما السلام أي في زمن نبي الله إبراهيم عليه السلام، ورجح انه ليس بشعيب ولكنه رجل مؤمن والله أعلم.
ألقيت المحاضرة بمسجد فاطمة الجسار بمنطقة الشهداء