تقليد خطير
(وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله)، بعد كل هذه الآيات الظاهرة الكونية والآيات في أنفسهم مازالوا يكفرون بالله فيقال لهم قول التوبيخ اتبعوا ما أنزل الله، اقرأوا كتابه آمنوا برسله، يأتي الجواب يقولون: (قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا)، هذا التقليد خطير جدا، التقليد بغير علم من أخطر الأشياء التي تهلك الإنسان في دينه، لأن الله سبحانه وتعالى ذم هؤلاء، لم يكن لهم حجة ولا سلطان إلا حجة اتباع آبائهم الأقدمين، يعجب الله عز وجل من قول هؤلاء إذا كان آباؤهم يهدونهم الى ضلال وهم في حقيقتهم لا يتبعون إلا الشيطان، (أو لو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير)، أليس الإنسان يتبع الدليل حتى يهديه الى النجاة في طريقه وفي سبيله؟! حتى لا يضيع ولا يهلك، فما بال هؤلاء يتخذون الشيطان دليلا الى عذاب الله وعقابه، نسأل الله العافية، يعني انقلبت موازين الفطرة، عطلت آلات الإدراك التي أوجدها الله عز وجل للبشر، سيحاسبك الله عز وجل، أعطاك عينين لمَ لم تبصر بهما؟ أعطاك أذنين لمَ لم تسمع وتعي بهما؟ أعطاك قلبا تتعظ به وتعتبر لمَ لم تستخدمه؟ لمَ طمست بصيرتك؟ أيها الإنسان ستحاسب، هذه الأدوات، الله سبحانه وتعالى أعطاك إياها وستسأل عنها، (إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا)، سنسأل عن كل هؤلاء، هؤلاء عطلوا معارفهم وعطلوا آلاتهم وعطلوا نعم الله وبدلا من الشكر كفروا بالله عز وجل.
الصفوة
في المقابل، يخبرنا الله عز وجل عن هؤلاء الصفوة الخيرة الصالحين المؤمنين، قال سبحانه وتعالى: (ومن يسلم وجهه إلى الله)، يعني من يخلص عبادته لله عز وجل، وقصده الى الله عز وجل، يتجه بكلّيته الى الله قلبا وعملا ومعاملة، يقول سبحانه وتعالى: (وهو محسن)، محسن في عمله باتباع ما أمر الله به عز وجل، وترك ما نهى عنه سبحانه وتعالى، هذا (فقد استمسك بالعروة الوثقى)، يعني أخذ موثقا من الله عز وجل وعهدا متينا قويا لا ينفرط، والله سبحانه وتعالى صادق يصدق وعده، ولا يخلف الميعاد، لما قال الله عز وجل ومن يستمسك فقد استمسك بالعروة الوثقى، لا يخفى عليكم ان العروة الوثقى هي الحبل المعقود فيه العقدة الكبيرة، تعرفون هذه العقدة وهذا الحبل أين كان يستخدم؟ إذا وقع الإنسان في البئر وأراد أن يخرج مثل السلم، فهذه العقدة هي نجاته، يستمسك بها ويضع رجله عليها حتى يخرج فيسحبها الرجل الآخر فينجو من هذه البئر او يرقى الى هذا الجبل، الألفاظ القرآنية لها وقع عظيم، فيخبرنا الله عز وجل بهذا المثل أنك أيها الإنسان إذا أسلمت قلبك ووجهك وعملك لله عز وجل وأنت محسن مؤتمر بأمر ومنته عن نهيه فإنك كأنك قد استمسك بحبل النجاة، يقول سبحانه وتعالى: (وإلى الله عاقبة الأمور)، والله سبحانه وتعالى نهاية الأمور له، والمرجع إليه كما ان المبتدأ منه، هذا منطوق الآية، دل عليه منطوقها، كل أمر ختامه ومنتهاه الى الله عز وجل، ومفهوم الآية كذلك ايضا ان كل أمر مبتدؤه من الله عز وجل، فأنت تتقلب أيها الإنسان بين أمر الله، مبتدؤك ونهايتك الى الله ومن الله، تذكر هذا وأنت في طريقك، تذكر هذا وأنت غارق في دنياك، الحبل والعروة الوثقى التي تصعد عليها وتتمسك بها وتخرجك من كل كرب في الدنيا والآخرة هي عهد الله عز وجل، وهذا أحرى وأدعى ان يجعل الإنسان متشوقا ومتحفزا لأداء أمر الله عز وجل.
نهاية الكافر
يقول الله سبحانه وتعالى: (ومن كفر)، لما مدح هؤلاء المستمسكين بأمره قال (ومن كفر)، هناك من سيكفر، التفت في الكلام الى نبينا صلى الله عليه وسلم، قال: (فلا يحزنك كفره)، الرسول صلى الله عليه وسلم كان رقيق القلب، كان يحزن لكفر الكافر، والآن نسأل الله العافية، هناك من يتصدى للحديث باسم الإسلام، يفرح بكفر الكافر، كيف تفرح؟! الرسول صلى الله عليه وسلم كان يرق لحال الكافر يريده أن يسلم، لا يريد ان يبين صلى الله عليه وسلم انه هو على حق وان هذا على باطل، لا، الأمر ليس كذلك، الأمر انه صلى الله عليه وسلم كان بشيرا ونذيرا وداعيا الى الله وسراجا منيرا، وهكذا يجب ان يكون كل داع الى الله من بعده يريد الخير للناس وإن أراد هذا الإنسان الشر لنفسه، فكان صلى الله عليه وسلم يحزن لكفر هؤلاء الكافرين لأنه لا يريد ان يكونوا في النار، فالله عز وجل يسلي قلبه الرقيق، يقول (فلا يحزنك كفره)، لا تحزن لقد أديت أمانتك وبلغت رسالتك، أما هذا الإنسان فقد اختار ما أراد، والله عز وجل أوكله الى ما اختار، يقول سبحانه وتعالى: (إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا)، نهايتهم الى عز وجل، ومرجعهم الى الله، وقوفهم بين يدي الله للحساب، وهناك حين لا ينفعهم ما عملوا سيعلمون الحق وسيعلمون الباطل، كما قال عز وجل (ونزعنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد)، اليوم تعرف الحق من الباطل، يقول سبحانه وتعالى: (إن الله عليم بذات الصدور)، سبحانه وتعالى، عليم بما تكن صدورهم من الكفر بالله وطاعة الشيطان وإصرارهم وعنادهم على مدافعة الإيمان، الله هو الذي سيحاسبهم وهو الذي سيجازيهم، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم عليه مهمة ان يدعو الناس الى طاعة الله، وكذلك الأمة من بعده تدعو الناس الى طاعة الله، لكن لا تفرح بكفرهم.
(نمتعهم قليلا)، أين المتاع؟ المتاع في الدنيا، والمتاع أيضا عند العرب معروف، هو الشيء المؤقت، انتفاعه مؤقت، ونفعه زائل، قال سبحانه وتعالى: (نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ)، نُلجئهم ونسوقهم سوق إهانة الى عذاب يوم القيامة، الى عذاب السعير، نسأل الله العافية، وهذا طبعا فيه من الإهانة البدنية والعذاب البدني كما فيه الإهانة النفسية فهم يعذبون عذابين، عذابا جسديا وعذابا نفسيا، نسأل الله العافية.
ألقيت المحاضرة
في مسجد فاطمة الجسار بالشهداء