(وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِي وَأَيَّاماً آمِنِينَ).
يخبرنا الله عز وجل عن كيفية سفرهم، حيث كان السفر في هذا الوقت عناء كبير، اما عطشا او جوعا او قطاع الطرق، ومع ذلك جعل الله تعالى بين أهل سبأ وهم باليمن والقرى التي باركنا فيها وهي الشام مدنا متصلة يُرى بعضها من بعض وجعل السير فيها سيرا مقداره من منزل إلى منزل لا مشقة فيه، وقال لهم: سيروا في تلك القرى في أي وقت شئتم من ليل أو نهار آمنين لا تخافون (سيروا) سيرا مقدرا يعرفونه، وهنا يلفتنا القرآن إلى أهمية الأمن وان يلتفت الانسان وينظر إلى ما يحدث في كثير من البلاد من فتن كبرى ابتلي بها الانسان، والانسان لا يعرف قدر نعمة الامن الا إذا رافقه الخوف والفزع ولكنهم بطروا هذه النعمة.
(فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا.. الآية) أرادوا ان يبلغوا الامد البعيد فقد ملوا من الراحة والأمن ورغد العيش فارادوا ان يبعد في سفرهم فلا يجدون قرى في طريقهم، وظلموا انفسهم بكفرهم، فأهلكهم الله وجعلهم عبرة وأحاديث لمن يأتي بعدهم وتفرقوا وخربت بلادهم، وان ما حل بسبأ لعبرة لكل صبار على المكاره والشدائد شكور لنعم الله تعالى.
ظن إبليس
(وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِنْ الْمُؤْمِنِينَ) ثم ذكر لنا الله عز وجل ان قوم سبأ ممن صدق عليهم إبليس ظنه وهذا ظن من ابليس وليس يقينا.
(وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ) ما كان لإبليس سلطان وإنما يدعوهم ولكن حكمة الله تعالى اقتضت تسليطه لبني آدم لنعلم من يصدق بالبعث والثواب والعقاب ممن هو في شك من ذلك.
الكل فقير إلى الله
(قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ ) يتحدى الله تعالى المشركين فيأمر نبيه: يا أيها الرسول قل للمشركين بالله وغيره ادعوا الذين زعمتموهم شركاء لله فعبدتموهم من دونه واقصدوهم في حوائجكم فإنهم لن يجيبوكم فهم لا يملكون وزن نملة صغيرة لا في السماوات ولا في الأرض ولا في أي ملك، ليس ذلك فحسب، فهم ليس لهم معين، فكيف يعينهم، فالله سبحانه هو المتفرد بالايجاد فهو الذي يُعبد وحده ولا يستحق العبادة أحد سواه.
مقام رفيع
(وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ) لا شافع عند الله الا من اذن له، فالشفاعة مقام عظيم ومن عظيم، ومن عظيم قدرته عز وجل انه إذا تكلم سبحانه بالوحي فسمع أهل السموات كلامه أرعدوا من الهيبة حتى يلحقهم مثل الغشي فإذا زال الفزع عن قلوبهم سأل بعضهم بعضا، ماذا قال ربكم؟ قالت الملائكة: قال الحق وهو العلي بذاته وقهره وعلو قدره الكبير على كل شيء بما له من الصفات العظيمة ومن علوه ان حكمة الله أن حكمه يعلو، وتذعن له النفوس، حتى نفوس المتكبرين والمشركين.
أدب الحوار
يأمر الله تعالى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ان يقول لمن أشرك بالله ويسأله عن حجة شركه (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) من يرزقكم بالمطر من السموات ومن الارض بالنبات والمعادن وغيرها، فإنهم لابد ان يعترفوا ويقروا بأنه الله، وإن لم يقروا بذلك نقول لهم: الله هو الرزاق، وإن أحد الفريقين منا ومنكم لعلى هدى متمكن أو في ضلال بين لا يحتاج إلى شيء يوضحه، فهو ظاهر لكل عاقل راشد.
فيلقن الله تعالى نبيه هذا الحوار الراقي (قُلْ لا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ) قل لا تسألون عن ذنوبنا ولا نسأل عن أعمالكم لأننا بريئون منكم ومن كفركم وكل منا ومنكم له عمله انتم (لا تسألون) عن اجرامنا وذنوبنا لو أذنبنا ونحن لا نسأل عن اعمالكم.
يوم القيامة يظهر الحق
(قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ) قل: ربنا يجمع بيننا وبينكم يوم القيامة ثم يقضي بيننا بالعدل وهو الفتاح الحاكم بين خلقه العليم بما ينبغي أن يقضي به وبأحوال خلقه، لا تخفى عليه خافية، فيتبين الصادق من الكاذب والمستحق للثواب ومن المستحق للعقاب لأن الله حاكم عادل عالم بحقائق الأمور.
الإله الواحد
(قُلْ أَرُونِي الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلاَّ بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) يقول الله تعالى آمرا نبيه قل: أروني بالدليل والحجة هذه الآلهة التي جعلتموها لله اندادا هل خلقوا شيئا؟ كلا: للإضرا، تضرب كل ما قبلها أي لا يوجد أصلا شركاء، سبحانه الإله المتفرد بالعبادة الذي لا يستحق التأله والتعبد الا هو، العزيز الذي قهر كل شيء فكل ما سواه مقهور ومسخر، (الحكيم) الذي أتقن ما خلقه وأحسن ما شرعه.
دعوة النبي صلى الله عليه وسلم عالمية
(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) يخبر سبحانه أنه ما أرسل رسوله صلى الله عليه وسلم إلا ليبشر جميع الناس بثواب الله ويخبرهم بالأعمال الموجبة لذلك وينذرهم عقاب الله ولكن اكثر الناس لا يعلمون الحق فهم معرضون عنه.
سفاهة هؤلاء
(وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ) بين الله تعالى سفاهة هؤلاء في استبعادهم قيام الساعة واستهزائهم بقولهم: متى هذ الوعد الذي تعدوننا أن يجعلنا الله فيه ثم يقضي بيننا إن كنتم صادقين فيما تعدوننا به؟
(قل) لهم مخبرا بوقت وقوعه الذي لا شك فيه لكنه ميعاد مؤجل معدود لا يزداد ولا ينقص فإذا جاء فلا يؤخر ساعة ولا يقدم، لا تستأخرون عنه ساعة للتوبة ولا تستقدمون ساعة قبله للعذاب فاحذروا ذلك اليوم وأعدوا له العدة.
بداية انحراف قوم سبأ
ـ الغفلة عن شكر الله على نعمه كما أمروا، قال تعالى: (كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور) قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أنعم الله عليه نعمة فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده).
ـ الإعراض عن الطاعات واستعمال النعم في المحرمات، قال تعالى: (فأعرضوا).
ـ الترف المحرم والبطر على نعم الله بطلب الأسفار الشاقة البعيدة قال تعالى: (فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور).
نزول العقوبة
ـ انهيار السد العظيم عماد نهضتهم بالسيل الشديد: قال الله تعالى: (فأرسلنا عليهم سيل العرم...).
ـ السيول تجتاح أراضيهم وتفسد مراعيهم، وتبدل الثمر بالحثالة: قال تعالى: (وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ).
ـ ساروا يبحثون عن أسباب الرزق من البلاد حولهم هربا من المجاعة، فتفرقوا في البلاد: قال تعالى: (فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق...).
ألقيت المحاضرة في مسجد
فاطمة الجسار بمنطقة الشهداء