يقول سبحانه وتعالى لافتا مرة اخرى الناس الى النظر في الكتاب المنظور، الكون كتاب الله المنظور، يقول سبحانه وتعالى (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا)، نتوقف فقط هنا، لو تكلمنا عن الماء وما فيه من معجزات لاحتجنا الى اعمار فوق الاعمار، هذا الماء العجيب سبحان الله تسقى به تربة واحدة بل بذرة واحدة تنبت هذه النبتة فتخرج منها ثمرة حلوة وثمرة مرة، سبحان الله بل في الثمرة سبحان الله ناحية جزء منها حلو وجزء منها غير حلو سبحان الله، انظر الى هذا الماء النازل من السماء الذي جعل الله عز وجل فيه رزقكم، بل جعلكه صلب حياتكم، فإنه جعل من الماء سبحانه وتعالى كل شيء حي، قال (ألم تر) يعني ألا تنظر أيها الانسان نظر اعتبار ان الله انزل من السماءهذا الماء؟ كيف تكونت هذه السحب؟ وهل سيقت الا برحمة الله؟ كيف امطرت الا برحمة الله، ومن هذه المعجزة الظاهرة فوق الانسان الى هذه المعجزة الظاهرة تحت قدمي الانسان، انظر الى الارض، انظر الى ما فيها من تركيبات عجيبة.
معجزات ظاهرة
(وَمِنْ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ)، الجدد الطرائق، قيل الجبال التي شق الله عز وجل فيها هذه الطرق وهذه السبل، تخيلوا لو كانت كل جبال الارض صلبة لا يمكن ان يشق فيها طريق كيف سيكون الحال؟ نعم يعزل الانسان، لكن الله سبحانه وتعالى جعل في هذه الجبال الصلدة طرقا يطرقها الانسان وتطرقها دواب الانسان، والله سبحانه وتعالى يخبرنا ان من هذه الجبال ألوان مختلفة منها الابيض ومنها الاحمر ومنها الاسود، الآن بعد اكتشاف علم الجيولوجيا قسم العلماء الاحجار والجبال الى ثلاثة كما في هذه الآية، الجبال البيض التي تتكون من الترسبات التي تتكون من المادة البيضاء، فقال العلماء والجبال السود ايضا هي نوع من الصخور السود وهي صخور بركانية فهذه قالوا جلها من معدن البازلت، البازلت هذا يحول الصخور الى اللون الاسود، وقالوا في الفئة الثانية انها جلها من الصخور النارية التي يكثر فيها معدن الحديد فيحول اللون الى الاحمر، سبحان الله، الله عز وجل يقول انظر ايها الانسان الى هذه الجبال، والله ما يخفى عليكم ففي اوقات نمر على جبل محفور لشارع واذا به اصفر وابيض واحمر واسود واخضر ألوان عجيبة سبحان الله، يلفتنا الله الى بديع صنعه في هذا الكون.
قدرة عجيبة
(وَمِنْ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ)، قدرة الله عجيبة في هذا الكون الذي يحيطك ايها الانسان وفي هذا الكون الذي انت فيه، في ذات ألوانك واختلاف اجناسك، فإن هناك ابيض وهناك اسمر وهناك اسود وهناك اصفر بل في العائلة يخرج من بطن واحد ابيض واسود، سبحان الله، وكذلك الانعام شيء عجيب، ترى هذه البقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين، وترى هذه البقرة سبحان الله سوداء، وترى هذه البقرة بيضاء، امر عجيب سبحان الله.
الدواب كل ما يدب على هذه الارض، من حيوان من حشرات شيء عجيب، (مختلف ألوانه كذلك) قال سبحانه وتعالى (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ)، ان العبد اذا علم خشي الله عز وجل، ان العبد اذا عرف من هو الله حلت خشية الله في قلب هذا العبد، وكلما زاد الانسان علما رفعه العلم هذا في مراتب الخشية لله عز وجل، وان لم يرفعه العلم ويزيده خشية لله فما ذلك بعلم نافع، فإنه علم هالك، اما العالم حقيقة فإنه اذا رأى آيات الله عرف ان لهذه الآيات إلها، يقول سبحانه وتعالى (إن الله عزيز غفور)، سبحانه وتعالى عزيز قوي لا يغالبه شيء، ولا يعجزه شيء، تذكر قدرة الله في خلقه، الذي خلقك وخلق الكون والاجرام وجعل في هذه البيئة متناقضات لا يمكن ان تجمع الا من الواحد القهار سبحانه، ان الله عزيز قوي لا يغلب، فاعتز ايها المؤمن بعزة ربك، ومن فضل الله عز وجل انه قال انه عزيز ولكنه في عزته هذه وقوته التي لا غالب لها غفور، قال سبحانه وتعالى (عزيز غفور)، يغفر لأهل الايمان يتجاوز عنهم ما كان من عاد الى الله بالتوبة عاد الله عليه بالمغفرة، شكا ابليس يقول اهلكت بني آدم بالمعاصي ؤأهلكوني بالاستغفار، مازال الله عز وجل يسأل كل ليلة هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من سائل فأعطيه؟ اللهم اغفر لنا وارحمنا، الله عز وجل بكل قوته بكل عزته بكل غناه معتن بك ايها الانسان الضعيف، يحيطك بعنايته وبلطفه وبفضله، فتوكل على الله واعبد الله حق عبادته، وانزع من هذا القلب كل ما سوى الله عز وجل، قال صلى الله عليه وسلم معلما ابن عباس رضي الله عنه كلمات عظيمة، قال يا غلام احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، اذا سألت فاسأل الله، واذا استعنت فاستعن بالله.
استمد قوتك من الله
قال سبحانه وتعالى (مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)، اي قوة يكون لهذا العبد المؤمن؟! انما تستمد القوة من الله عز وجل، انما تستمسك بالعروة الوثقى التي هي حبل الله عز وجل قرآنه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، اذا خاف الناس لا يخافون، واذا ضاق الناس لا يضيقون، تضيق الدنيا بغيرهم وهم تتعلق قلوبهم برحمة الله، يختار غيرهم الفاني ويختارون هم الباقي، ينافسهم اهل الدنيا بدنياهم فلا يرضون بمنافستهم بل يرمونها في وجوههم، ينافسهم اهل الايمان في دينهم لا والله فلا يرضون ان يسبقهم احد، طموحهم عال يريدون رضا الله عز وجل، ايمانهم قوي بالله مازالوا يتعاهدون هذا الايمان بالزيادة ويخشون عليه من النقصان، فإن الايمان كما اخبر صلى الله عليه وسلم يزيد وينقص، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، والله عز وجل في هذه الآيات الكريمات البينات اخبرنا كيف نزيد الايمان، ننظر في كتاب الله المنظور، ونرجع الى كتاب الله المسطور، فنتعلم ما في قرآنه ونرى بديع صنعه وقدرته فيما في اكوانه، فإن ذلك يزيد ايمان العبد ويزيد العبد قوة بالله وثباتا في مواجهة امر الله واقدار الله، والرضا بكل ما جاء به الله عز وجل.
ألقيت المحاضرة في مسجد
فاطمة الجسار بمنطقة الشهداء