- انسحاب الحكومة من جلسة ٤/٣/٢٠٠٨ احتجاجاً على التصويت على زيادة الخمسين ديناراً بسبب عدم استجابة المجلس لطلب التأجيل
تم حل مجلس الامة لخامس مرة في عمر الحياة النيابية في الكويت والثالث دستوريا يوم 19/3/2008، بسبب تعارض السلطتين التشريعية والتنفيذية في اكثر من نقطة، فقد كان الحل اجراء دستوريا مارس فيه صاحب السمو الامير صلاحيات منحها له دستور الكويت عندما رأى ان الاوضاع وصلت بين السلطتين التشريعية والتنفيذية الى مرحلة لا تصب في صالح الوطن، فبادر الى اتخاذ قراره بحل مجلس الامة ودعوة الناخبين لانتخاب مجلس جديد ليرسخ الخيار الدستوري في معالجة اوضاع الخلاف بين السلطتين وليعلن ان الكويتيين حكاما ومحكومين متمسكون بتجربتهم الفريدة في المنطقة العربية واتى نص مرسوم الحل بالتالي:
بعد الاطلاع على المادة 107 من الدستور وحماية للوحدة الوطنية باعتبارها السياج الواقي للوطن والمواطنين من مظاهر الانحراف والتجاوزات التي حدثت على الحدود الدستورية المستقرة والواجبة الاتباع بين السلطات العامة في الدولة، وبناء على عرض رئيس مجلس الوزراء، وبعد موافقة مجلس الوزراء رسمنا بالآتي:
مادة اولى: يحل مجلس الامة.
مادة ثانية: على رئيس مجلس الوزراء والوزراء ـ كل فيما يخصه ـ تنفيذ هذا المرسوم ويعمل به من تاريخ صدوره وينشر في الجريدة الرسمية.
أمير الكويت
صباح الأحمد الجابر الصباح
مقدمات الحل
وقبل حل مجلس الامة، طفت على سطح الاحداث عدة مقدمات ادت الى حل المجلس في 19/3/2008، منها انتقادات النائب احمد المليفي لحكومة سمو الشيخ ناصر المحمد على خلفية ملف التجنيس وملف مصروفات ديوان سمو رئيس الوزراء، وشارك المليفي في اثارة هذا الملف النائب د.فيصل المسلم اذ سبق للمليفي ان اشار الى ما اسماه بالتجنيس العشوائي في نهاية العام 2007، اعقبها بدعوة وزير الداخلية للاستقالة في 6/1/2008 وجرت مساع لاحتواء الموضوع وسط تعهد حكومي بمعالجته.
ثم برزت الى الساحة النيابية اجواء الشحن الطائفي جراء ملف قضية التأبين، وبدأت ملفات اخرى بالتصعيد كإزالة الديوانيات وزيادة رواتب المواطنين، اذ واصلت الحكومة ازالتها للدواوين المخالفة والمتعدية على املاك الدولة، فيما واجهت زيادة الرواتب الحكومية بواقع 120 دينارا معارضة نيابية طالبت بزيادة 50 دينارا اضافية، في الوقت الذي بدأ النائب جمعان الحربش تصعيده على قضايا تخص وزارة الدفاع وتوجيهه العديد من الاسئلة حولها، فيما واصل بعض النواب طرح مسألة اسقاط القروض طرحت الحكومة بديلها في صندوق المعسرين ورفضه كثير من النواب.
وتواجهت السلطتان في جلسة 4/3/2008، فيما يخص زيادة الخمسين دينارا، وعندما شرع المجلس في التصويت على مناقشة موضوع زيادة الخمسين دينارا بعدم الاستجابة لحق الحكومة في طلب تأجيل بحث الموضوع لمدة اسبوعين قوبل بانسحاب الحكومة من الجلسة في اشارة للاجواء المتوترة بين السلطتين، في الوقت الذي بدأ فيه الملف الرياضي بالتسخين مع المطالبات النيابية بتطبيق القوانين الرياضية التي اقرها المجلس، وعزز اجواء التوتر النيابي مؤتمر صحافي عقده النائب احمد المليفي دعا الى اقالة الحكومة وتعيين رئيس وزراء جديد وحل مجلس الامة، فيما واجهت الحكومة هجوما نيابيا من طرف آخر عندما اعلنت نيتها التراجع عن ازالة الدواوين مما ادى الى تقديم الوزراء استقالاتهم لرئيس الحكومة في 17 مارس بسبب عدم التعاون بين السلطتين في قضايا زيادة الخمسين والازالة، وما اسموه الاساءة الى رئيس الوزراء، وجاء في البيان الذي وقعه النائب الاول لرئيس الوزراء وزير الدفاع الشيخ جابر المبارك ان الاستقالة جاءت بعد تدخل بعض النواب في اختصاصات الوزراء وامعانهم في تجاوز الحدود الدستورية، حسب بيان الاستقالة، ولاحقا اصدر صاحب السمو الامير الشيخ صباح الاحمد مرسوما اميريا بحل مجلس الامة.
وفيما يلي نص كلمة صاحب السمو أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد
(يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما) صدق الله العظيم.
الحمد لله الذي لا يحمد غيره والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي لا نبي بعده.
إخواني وأخواتي وأبناء وطني..
أتحدث إليكم اليوم حديث الأب إلى أبنائه، والقائد إلى شعبه، حديثا ينبع من قلب محب يمتزج برغبته الصادقة، وثقته العالية بضرورة تحقيق تطلعات أبناء هذا الوطن في العيش بأمن وأمان ورخاء وازدهار، في رحاب وطن عزيز الجانب، مرفوع الهامة، مصان الاستقلال، يعتز أبناؤه بوحدتهم الوطنية التي هي السياج الحامي لأمنه واستقراره.
إن من حق كل مواطن أن يتمتع بالأمن والأمان، والحرية والاستقرار، وأن يستفيد من خيرات وطنه، ومن الواجب عليه أن يحفظ هذا الوطن ويبنيه كما بناه وحفظه الآباء والأجداد، ومن حق هذا الوطن علينا أن يكون التآزر والتعاون رائدنا، وأن نمارس أعمالنا في إطار من الدستور وقوانين الدولة، وأن تقوم السلطات الدستورية بواجباتها ضمن اختصاصاتها وصلاحياتها لتحقق لأبناء الوطن المزيد من التنمية والنهوض بقطاعات الأمن والتعليم والصحة والإسكان والخدمات الأخرى.
لقد كانت توجيهاتنا دوما - للإخوة في السلطتين التشريعية والتنفيذية وبكل المناسبات التي تجمعنا معهم - تنصب نحو التعاون المثمر، والارتقاء بالحوار، والعمل معا من أجل الوطن وأمنه واستقراره، والتقيد بالدستور والقانون، واحترام أحكامهما وتطبيقها على الجميع، والتمسك بحب الوطن والإخلاص والوفاء له باعتباره وطنا للجميع وليس لفئة دون أخرى.
وكنا ندعو لمعالجة الأخطاء بالتحاور والالتزام بمكارم الأخلاق التي تخلو من التجريح، والترفع عن أسلوب التهديد والتطاول على الآخرين، والابتعاد عن مظاهر التجاذب والتأزيم، والمساس بالذمم دون دليل، لأن مثل هذه الممارسات الخاطئة تتنافى مع تعاليم شريعتنا الإسلامية السمحة، وقيمنا الاجتماعية، ونظامنا القانوني، ولم يكن لها وجود في يوم من الأيام ضمن سلوكيات حياتنا، فالديموقراطية التي ندعو لها تعني الحكمة في الحوار دون الاندفاع نحو التعسف باتخاذ القرار، وعدم تجاوز الأصول البرلمانية التي رسمها وحددها الدستور، والحفاظ على مبدأ الفصل بين السلطات.
لقد دعانا الله إلى حفظ كرامة الإنسان، واحترام الكلمة، وحب الوطن، فقال جل وعلا: (ولقد كرمنا بني آدم)، وكان حريا بنا في خطاباتنا البرلمانية والإعلامية أن تكون لجمع الصف ووحدة الكلمة، والحفاظ على وحدتنا الوطنية التي هي السياج الواقي لأمن الوطن ورفعته وعزته، وإبراز الجانب الإيجابي في ممارستنا اليومية، وانتهاج أسلوب النقد البناء لأخطائنا واجتهاداتنا.
فللصحافة ووسائل الإعلام الأخرى دورها الايجابي في خلق رأي عام مستنير، يسهم في جهود التنمية الشاملة، ويعزز الولاء للوطن، ويرسخ الوحدة الوطنية، وينمي القيم الفاضلة لمجتمعنا، دون اللجوء إلى الصخب وتأجيج المشاعر بهدف الإثارة، والخروج عن الحرية المسؤولة، والتعرض بالإساءة إلى المؤسسات والأشخاص، الأمر الذي يستلزم وقفة تأمل وتقييم للارتقاء بالممارسة الإعلامية، لتقوم بدورها الفاعل في بناء الوطن.
إخواني وأخواتي وأبناء وطني..
إن الظروف والأوضاع المحلية والتطورات الإقليمية والدولية المحيطة بنا تفرض علينا أن نقف مع أنفسنا وقفة جادة نسترجع من خلالها ما عملنا وما يجب أن نعمله من أجل أمن وسلامة وطننا، فنحن لسنا بعيدين عن هذه المتغيرات، وحري بكل مواطن غيور على وطنه أن تكون تلك الأوضاع دافعا للعمل الوطني الجاد، ونبذ الخلافات، وأن تتوحد صفوفنا حتى نكون كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، فنحن في هذا الوطن إخوة متحابون، لا مكان فيه للتعصب لطائفة أو قبيلة أو لفئة ما على حساب الوطن، الولاء بيننا لله ثم إلى الوطن الذي نعيش على أرضه، نحميه بوحدتنا الوطنية، ونبني أسواره بتعاضد أبنائه، و(لا تزر وازرة وزر أخرى).
فما يجري في العديد من دول المنطقة هو عبرة وعظة تدفعنا إلى نبذ خلافاتنا والانصراف إلى تنمية وطننا مستفيدين مما أفاء الله به علينا من نعم كثيرة، وما نتمتع به من حرية في القول والفعل وديموقراطية في أسلوب الحياة، نحسد عليها.
إخواني وأخواتي وأبناء وطن..
إننا نؤمن إيمانا راسخا بقيمة الديموقراطية، فهي نعمة من النعم التي وهبها الله منذ نشأة الكويت، وعلينا أن ندرك بأن أي شكل من أشكال المشاركة الشعبية التي نختارها لأنفسنا، يجب أن تقاس بما تحققه من عطاء للوطن، وما ترسمه لنا من صور المستقبل الذي نريده، وكنا نأمل وفق هذا المفهوم من الإخوة في السلطتين التشريعية والتنفيذية انجاز وتحقيق الكثير من تطلعات شعبنا خلال الفترة الماضية.
وقد صبرت على ذلك طويلا، لعل وعسى أن تهدأ النفوس، ويتغلب العقل على العواطف، وترقى مصلحة الوطن فوق كل المصالح، إلا أن شيئا من هذا لم يتحقق.
وإزاء ذلك ومن منطلق المسؤولية المنوطة بنا، وحماية لوطننا ومواطنينا من تصرفات غير مسؤولة تجاوزت حدودها، وبلغت مداها، ولم تأخذ في الحسبان تجارب الماضي، ولم تعد العدة لأحداث المستقبل وحفاظا على وحدة الوطن، وتماسك بنيانه، وبناء على المادة 107 من الدستور، فقد قررت حل مجلس الأمة ودعوة الشعب الكويتي الكريم إلى اختيار مجلس نيابي، يقوم بدوره في الحفاظ على وطنه وتنميته.
(ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير). والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.