Note: English translation is not 100% accurate
خلال ندوة بعنوان «الممارسة البرلمانية بين الرقابة والتشريع» أقامها أمس الأول في فندق الشيراتون
الراشد: فكرة تعديل الدستور ليست كفراً وإنما لمزيد من الحريات
11 ديسمبر 2009
المصدر : الأنباء
محمد راتب
أقام النائب المحامي علي الراشد، في فندق الشيراتون مساء أمس الأول ندوة بعنوان «الممارسة البرلمانية بين الرقابة والتشريع» دعا إليها الفقيه والعلامة والخبير الدستوري المصري يحيى الجمل، وبمشاركة المحامي يعقوب الصانع، وحضور بعض أساتذة الجامعات، والمثقفين والإعلاميين.
قال الراشد خلال الندوة: من الضروري المقارنة بين ما يجري في الكويت والحياة البرلمانية وما المطلوب أن نفعله، فمنذ سنة 1963 إلى 2002 أي 40 سنة، لدينا في الكويت 25 استجوابا، ومن 2003 إلى 2009 كان لدينا 25 استجوابا، وهذا يعكس الغلو في العمل البرلماني، وتحولت هذه المادة الراقية من المساءلة والرقابة والاستجوابات القيمة التي تفيد البلد إلى استجوابات استفزازية برائحة «مصلحية» وأصبحت أداة ابتزاز، وخلال فترة الاستجواب حتى صعود الوزير نسمع اتهامات ما انزل الله بها من سلطان، ونرى حربا غريبة على الوزير لأنه طبق القانون ولم يمرر للنائب معاملاته.
وأضاف الراشد بالقول: «نحن لسنا ضد الرقابة ولا الاستجواب لكن الغلو في الكويت أدى لانحراف السلطة وتحولت المعارضة الوطنية الحقيقية التي كانت دائما تنشد الإصلاح، فعندما قدمت الحكومة خطة تنفيذية لـ 25 سنة، جئنا في المعارضة الحقيقية الوطنية وقلنا: لنعط فرصة للحكومة لتطبق الخطة، ثم نحاسبها، وطلبنا أن تطبق القانون على الجميع على أن نقف معها، فوجدنا بالفعل منهجا مختلفا عن المناهج السابقة، وبدأ القانون بالتطبيق فعلا بدءا بوزارة الداخلية والوزارات الأخرى، وشعرنا بالتغير من خلال معاملاتنا التي نقدمها للوزارات، فنحن نقيس الوزير بالرد على هذه المعاملات، فإذا لم يوافق على المعاملة غير القانونية فإننا نعلم أنه صادق ولا يمرر أمور الأعضاء خوفا منهم، وبالتالي، وجدنا هناك رغبة صادقة من الحكومة في تطوير البلد.
المعارضة الكويتية
وبين الراشد أن المعارضة الكويتية بذلك تحولت إلى معارضة تدعم الحكومة في مواقفها القانونية، ولكن تحول المغالون وأصحاب الابتزاز والمستغلون إلى معارضة لأنهم كما قال: «صكوا الحنفية عنهم وتوقفت مصالحهم، فبدأوا يهاجمون وزيرا تلو آخر، ونجحوا في الحكومة السابقة عندما لم تواجه الحكومة الاستجوابات، أما في هذه المرة، فقد واجهوا ووقفنا معهم بحق، وأطلقوا علينا الاتهامات بالصحف أو المدونات، فالذي يهمنا الكويت، والذي يفكر في كرسيه يضيع الكويت، والذي يرى الكويت لا يرى الانتخابات، وبالعكس».
وذكر أنه أطلق مبادرة ان تعطى للحكومة سنتان لتطبيق عملها ويتفرغ النواب خلالها للتشريع، ومن ثم تكون السنتان الأخريان للرقابة والحساب، وهذا غير موجود في الدستور، ولكن هذا ليكن اتفاقا أدبيا، من أجل أن تمضي البلد على خير، إلا أنه وصفهم بأنهم يسعون إلى تضييع البلد بالاستجوابات بعد أول أسبوع من عمل المجلس، والكارثة والسابقة الخطيرة التاريخية أنهم جمعوا 4 استجوابات في وقت واحد للوزارات السيادية، وهو أمر غريب، فما المقصود منه؟ إنه انحراف وغلو».
وبين الراشد أن أحد الزملاء صرح بقوله: «لن نتوقف عن التأزيم» وكأن التأزيم أصبح شعارا من شعارات الانتخابات، موجها له السؤال: أنت لمن تعمل؟ هل للكويت أم لدول أخرى؟ اكشف لنا من وراءك؟ هل هذا شعارك؟ فنحن قاعدون لك، وسنرى كيف ستخسر جولة بعد أخرى، ورغم أن الكويت تخسر فاننا لا حول لنا ولا قوة نظرا لأن الدستور سمح له، بسبب أن الناس عند كتابة الدستور كانوا راقيين ويحافظون على المال العام، ولم يعرفوا أننا سنصل لهذه المرحلة، وإلا لوضعوا ضوابط كثيرة.
وأشار إلى أن أول ما وضع الدستور تم الاتفاق على إعادة النظر فيه كل 5 سنوات لمعرفة ما لم يعد يصلح، ولإعادة النظر للمزيد من الحريات، ولكن من ذلك الوقت لم يمس أحد الدستور وكأنه قرآن، رغم أن القرآن نسخ الله بعض آياته، فعندما تقول تعديل الدستور كأنك تكفر بالديموقراطية.
وقال الراشد: قلتها وما أزال أقولها: «إن دستور الكويت بحاجة إلى إعادة نظر في بعض مواده بما يتطلب مع الظروف، ومنها عدد أعضاء المجلس القليل فكيف نعمل؟ واللجان كثيرة من دون أن يداوم فيها الأعضاء، ولا يوجد نصاب للأعضاء فيها، وأصبح مجلس الأمة مثل مخفر من الداخلية، والأعضاء مجرد شكليات في اللجان».
ووصف الراشد ما يحدث بالكارثة، وقال: «نحن نقتل بلدنا بيدنا باسم الديموقراطية، علينا أن نعرف وضعنا كمجتمع كويتي وعلينا أن نعرف طبيعتنا. وأعرافنا وتقاليدنا، ولسنا مثل بريطانيا وأميركا، ونحن من خلال تجارب متعثرة نريد أن نطبق بين يوم وليلة اساليب ما اعتدنا عليها، ونسينا وضع مجتمعنا، فالوضع يحتاج إلى إعادة النظر تكون من خلال آلية رسمها الدستور، وألا نتهم من يقول هذا الطرح بالكفر السياسي، لأن التغيير سيتم من خلال ثلثي المجلس مع موافقة سمو الأمير».
وجود الاحزاب
ولفت الراشد إلى أن الدول الديموقراطية لديها أحزاب هي التي تشكل الحكومة، بالتالي، تدخل الحكومة مستقرة لأنها انتخبت من قبل الأغلبية، ولو كان كل يوم استجواب مثل بريطانيا فليس لديهم خوف لأن الأغلبية ضامنة، وقال: أما في الكويت فليس لدينا هذه الأغلبية، إذن فإن تعيين الوزراء داخل مجلس الأمة يجعلهم أعضاء، فلماذا لا يصوتوا على طرح الثقة من أجل الاستقرار الحكومي؟
وبين الراشد أن فكرة تعديل الدستور ليس كفرا وإنما للمزيد من الحريات، فالذي لا يتغير لا يتطور. والاختلاف حق مشروع، والمهم أن يكون هدفنا هو مصلحة البلد، والديموقراطية هي التي تحكمنا، لافتا إلى أن المجلس يعاني من عدم وجود مستشارين برلمانيين، فما نراه هو اجتهادات شخصية ونستعين بعض الأحيان بمستشارين خارج الكويت، ولكن المفترض أن يكون هناك خبرات ومستشارون في المجال الدستوري والقانوني.
وتوقع الراشد ألا يكون هناك حل دستوري، مشيرا إلى أن مواجهة الحكومة للاستجوابات الأربعة، والتوجه الكبير لتجديد الثقة بهم، يعتبر بمثابة رسالة جيدة للأمير بوجود تعاون من الأغلبية، ومع ذلك، فإن هاجس الحل موجود إذا استمر التأزيم وتوقف البلد. وقال: تفاجأت بأن الطبطبائي يقول اليوم: «إذا لم يحضر وزير الداخلية إلى اجتماع لجنة حقوق العمالة خلال الأيام القادمة فسأستجوبه». وذلك رغم أن اللائحة الدستورية تسمح للوزير بأن يرسل أحدا يمثله في اللجنة، إذا لم يكن الاجتماع لاتخاذ قرار على مستوى سياسي. معتبرا أن ما قاله الطبطبائي غير معقول، فكيف لا يريد البعض تعديل الدستور؟
الهاجس المخيف
ووصف الوضع في المجلس بالهاجس المخيف، قائلا: إني رأيت أحد النواب الذين أرادوا طرح الثقة بوزير الداخلية يقوم إلى نائب آخر متردد في طرح الثقة، ويترجاه ألا يغير موقفه ويرجوه أن يعطيه الثقة ويقول له: «إنه وزير نظيف، ولكننا مضطرون إلى التصويت ضده لأن علينا ضغوطا، أما أنتم فغير مضطرون». وهذا يبين الإرهاب الفكري والضغط على النواب الذين لا يستطيعون ممارسة صلاحياتهم بشكل يرضي ضميرهم، فلو صوت ضد الوزير فسيحترق عند جماعته. ولفت إلى أنه عندما تم التصويت على سرية جلسة استجواب رئيس الوزراء فإننا وضعنا المبررات لتخفيف الشحن الموجود وغير المعقول في الشارع والذي كان من غير المستبعد أن تحدث بسببه جرائم، فالشر يرى في عيون البعض، وقد أقنعنا البعض بالسرية ولكن بعضهم لم يصوت مع السرية رغم أنهم غير مقتنعين بذلك. ونحن قلنا: إن علينا أن نقود الشارع لا أن يقودنا الشارع.
تطور الحياة البرلمانية
وفي محاضرته، أشار الخبير الدستوري الأستاذ الدكتور يحيى الجمل إلى أن الحياة البرلمانية تطورت في العالم خلال الفترة الأخيرة فالسلطة كانت ملكا لحاكم كما كانت ميزانية الدولة ملكه، وكان يعتبر القاضي والسجان الأول، ومع بداية الدولة الحديثة تحولت السلطة من سلطة فرد إلى سلطة مؤسسة، والذي ساهم في ذلك 3 أمور، اولا: حدوث هذا التطور السياسي في المملكة المتحدة سنة 1215، ثانيا: حدوث حرب الاستقلال الأميركية، وقيام الاتحاد الأميركي، والأمر الثالث وهو الحدث الأكبر في العالم: حدوث الثورة الفرنسية، والتي قلبت الأمور في فرنسا، واستقر مبدأ «الشعب مصدر للسلطة» والتي يمارسها الشعب نفسه بشكل مباشر أو غير مباشر.
وفي بلد مثل انجلترا التي نشأ فيها النظام البرلماني وتطور على مدى 700 سنة، أصبحت الملكية هناك مجرد رمز، بل وصلت الأمور إلى أن الملك أو الملكة ليس له من السلطة شيئا قط على أي صعيد، مشيرا الى ان النظام في بريطانيا يستطيع أن يغير النظام الملكي بكل سهولة كما يغير نظام المرور.
وأضاف د.الجمل أن السلطة كانت في المنطقة العربية أيضا ملكا شخصيا، وذلك على مدى سنوات الخلافة العثمانية وما قبلها، ثم كانت هناك تجارب في الوطن العربي بدأت بالملكية في مصر بقيادة محمد علي، ثم إسماعيل باشا، وبعد ذلك جاءت فكرة انتقال السلطة إلى المؤسسات، لافتا إلى أن حاكم الكويت سنة 1962 وهو الشيخ عبدالله السالم رحمه الله، كان حريصا على بناء دولة، بناء على فكره ونظرته التاريخية، وعندما تم وضع الدستور لم يعترض على مادة واحدة فيه، بل وافق عليه بالكامل، وأصبحت السلطة موزعة على ثلاث مؤسسات، وهي التشريعية والتنفيذية والقضائية تربطها علاقة معينة، معتبرا الدستور الكويتي بمثابة عقد بين الشعب والحاكم تم في ذلك الوقت بإرادة الطرفين، ومن هذا المنطلق، فإن تعديله يتم بإرادة كل من الحاكم والشعب.
تركيبة السلطتين
وأشار د.الجمل إلى أن السلطة التنفيذية مركبة من الأمير ثم مجلس الوزراء والإدارات التابعة، والسلطة التشريعية يتولاها في الأساس مجلس الأمة، إلا أن للأمير دورا تشريعيا في الظروف العادية وغير العادية، فهو يشارك في الظروف العادية بالتشريع، ويملك حقوقا أخرى مثل حق الاعتراض على أي قانون، والذي يسمى في الدستور «حق الاعتراض التوقيفي»، فإذا لم تكن هناك الأغلبية المطلوبة لإقرار قانون معين وجاء فصل تشريعي جديد، فإنه يحق للمجلس ـ بالأغلبية العادية ـ أن يقر القانون الذي اعترض عليه الأمير، ومن هنا يتضح أن جوهر سلطة التشريع ملك للمجلس المنتخب. موضحا أن المجلس في الكويت يتكون من نواب منتخبين، ويضاف عليهم بنص الدستور الوزراء، فهم أعضاء في مجلس الأمة بحكم مناصبهم.
وذكر د.الجمل أن السلطة التنفيذية لديها من الأجهزة ما يمكنها من إعداد القوانين، وفي إنجلترا توشك أن تكون 90% من القوانين التي تصدر تأتي في البرلمان من اقتراح الحكومة ثم يناقشها البرلمان مناقشة عميقة ويدخل عليها تعديلات، وهذا له صلة بالتنظيم الحزبي، لأن الحكومة هي اللجنة التنفيذية من الحزب، والبرلمان هو الجناح التشريعي.
وبين د.الجمل، أنه يتعين على المجلس بحكم الديموقراطية والدستور أن يمارس سلطتي التشريع والرقابة وكلاهما هام وضروري، إلا أن ما يحدث أحيانا هو أن يغلب جانب على آخر لأسباب أو ظروف معينة. مشيرا إلى أن النظام الأميركي يتولى فيه الكونغرس التشريع ولا يتدخل في الرقابة، ولا يوجه استجوابا لا للرئيس ولا للحكومة، أما في النظام البرلماني في بريطانيا، فإن من حق النواب ان يوجهوا أي استجواب للوزير أو رئيس الوزراء، ولكن الملك لا يسأل ولا يقدم له أي استجواب، فهو لا يستطيع أن يفعل خطأ لأنه لا يستطيع أن يفعل شيئا.
وأشار د.الجمل، إلى أن فرنسا والتي هي بلد برلماني في الأصل مرت بخمس جمهوريات، وكانت الفترة خلال الجمهورية الرابعة تعاني من تخبط واضطراب سياسي وعدم استقرار، فالحكومة هناك كانت تسقط بمعدل مرة كل ستة أشهر، وكان نظاما برلمانيا صرفا فالبرلمان يراقب الحكومة ويحق له أن يسحب الثقة منها أو من وزير، وفي المقابل يحق للرئيس حل البرلمان، مشيرا إلى أن النظام الحزبي كان يساعد على ذلك، ففرنسا كانت مليئة بالأحزاب الصغيرة، مما أدى إلى حدوث هذه الظروف السياسية المضطربة، ثم جاء الرئيس الفرنسي شارل ديجول وشكل لجنة دستورية وأقر دستورا بعد أن عدل فيه بعض الأمور التي تؤدي بمجملها إلى استقرار السلطة التنفيذية، كما وضع على النظام البرلماني ضوابط دون أن يلغي دوره في الرقابة، وجاء إلى الدور التشريعي وأعطى البرلمان سلطة التشريع في المسائل الأساسية مثل الجنسية والقضاء، وترك ما عدا ذلك للسلطة التنفيذية، فتحولت هذه السلطة إلى مشارك أساسي في العملية التشريعية، وتساءل: ولكن.. لماذا فعل ديجول ذلك؟ مجيبا بأن المسألة لم تكن ليرد ديجول السلطة من سلطة مؤسسات إلى سلطة شخصية، ولكن لتستقر الأمور، ويحدث التوازن بين السلطات، ولكي تكون لكل سلطة ما عهد لها به، فنتج عن ذلك الدستور الفرنسي البرلماني الذي أقيم في سنة 1958 برلماني لكن مع تطعيمه ببعض سمات النظام الرئاسي. وقد كان الرئيس من قبل يختار من قبل الجمعية الوطنية، فجاء ديجول وعمل استفتاء على أن ينتخب الرئيس من قبل الشعب، ورغم أن هذا التعديل مشكوك فيه من قبل فقهاء الدستور، كونه لم يمر على الجمعية الوطنية، إلا أن الإشكال انتهى بعد ذلك، وتم إقرار مادة رقم 11 تفيد بأن لرئيس الجمهورية أن يستفتي الشعب على مسائل دستورية، فديجول طرح فكرة تعديل الدستور، ونجح فيها، ثم رشح نفسه وجاء رئيسا لفرنسا في أوائل الستينيات. مبينا أن هذا التعديل أعطى لديجول نوعا من القوة، وأصبح يتمتع بالكثير من السلطات التي لم يكن يتمتع بها من كان قبله من رؤساء.
بناة فرنسا
ووصف د.الجمل ديجول بأنه «بلا شك أحد بناة فرنسا، وهذا رأيي الشخصي، وأحد عمالقة القرن العشرين مثل: أنطوني كوين، وجمال عبدالناصر، وأم كلثوم، بل كان صاحب نظرة تاريخية، ولولاه لغرقت فرنسا في الجزائر، وبسببه انتهى الاستعمار هناك، واستقلت الجزائر». لافتا إلى أن ديجول الذي سمي المنقذ، هو الذي وضع بعض السمات الرئيسية من أجل استقرار فرنسا، في حين كانت الجمعية الوطنية منشغلة بالاستجوابات وإسقاط الحكومة، ولم يكن هناك تشريع، رغم أنه لها اختصاصان أساسيان هما التشريع والرقابة.
الجمهورية الرابعة
وقال د.الجمل: «إن الذي يحدث الآن في الكويت يذكرني بفترة الجمهورية الرابعة في فرنسا، فالبرلمان يريد توجيه الاستجوابات، أما الجزء الآخر من مهمته في التشريع فوضعه في المؤخرة، ولم يعطه حقه من الاهتمام والبحث والدراسة، وأتصور أن هناك عددا كبيرا من التشريعات في المجلس حاليا لم ير النور ولم يناقش، لأن البرلمان منشغل بالدور الرقابي أكثر من التشريعي وهذا ما يؤدي إلى اختلال التوازن بين الأمرين. واصفا البرلمان الكويتي بأنه أقوى برلمان عربي، مع كل ما يوجه إليه من نقد، فالبرلمانات العربية في أغلبها مجرد ديكور سخيف وممل ولا يستحق النفقات التي تصرف عليها، باستثناء البرلمان الكويتي، وإلى حد ما البرلمان اللبناني.
وأكد أ. د. الجمل، أنه لابد على الكويت أن تدرك تجربة الجمهورية الرابعة في فرنسا، ولابد أن يدرك المجلس أن له وظيفتين أساسيتين، هما التشريع والرقابة، لافتا إلى أن الغلو في إهمال التشريع يؤدي إلى الضرر البالغ للبلد والذي يحتاج إلى التشريعات لتسير أموره بشكل طبيعي، والغلو في الرقابة يؤدي أيضا إلى ارتباك السلطة التنفيذية مع الاستجوابات، وأغلب الفقهاء يعتبر أن السؤال من قبل البرلمان للسلطة التنفيذية هو استفهام، ويجسد صورة من صور التعاون بين السلطتين أكثر من كونه رقابة، فالرقابة تأتي في صورة استجواب وطرح الثقة وعدم التعاون، وعندما نأتي ونرى برلمانا في بلد مثل الكويت والتي افاء الله عليها بقدر كبير من الرخاء، حيث لا يوجد فيها مواطن محتاج إلى لقمة الخبز، فإننا نرى من هذا البرلمان القوي غلوا وانحرافا.
وأضاف أن بعض الأعضاء في المجلس - لأسباب إيديولوجية أو طائفية أو أخرى - يغالون في الاستجواب، وقد حضرت جلسة الاستجواب أمس وشعرت بأن هذا الاستجواب ليس معبرا عن المصلحة العامة، وإنما لتوجهات قبلية أو شخصية. ورغم أن بعض الاستجوابات في الدنيا فيها شيء من هذا القبيل، إلا أنها لا تكون السمة الغالبة.
وشدد أ. د. الجمل على أهمية الحرص على التجربة الكويتية لأنها رائدة، لافتا إلى أن بعض الدول الكبيرة في المنطقة والتي مازالت تحافظ على السلطة الشخصية يخافون من تجربة الكويت، كونها تمثل لهم الرعب، وقال: «ليست الديموقراطية التي تعطل التنمية، ولكن الذي يحصل هو الانحرافات والغلو، وهو الذي يفسد كل شيء، وفي غياب الديموقراطية لا يأتي خير قط، لذا، على الكويت أن تتمسك بتجربتها البرلمانية، وفي الوقت نفسه أن تعيد النظر فيما يعرقل هذه التجربة وما يؤدي إلى عدم الاستقرار».
وذكر أن الدستور الفرنسي تم إقراره قبل الكويتي، ولكن أدخل عليه 24 تعديلا آخرها كان في يوليو 2008، مشيرا إلى أنه اطلع على بحث في كلية الحقوق جامعة الكويت يتعلق بالتعديل الرابع والعشرين في الدستور الفرنسي واصفا هذا البحث بالرائع، وقال: «ليس محرما أن نعيد النظر في بعض مواد الدستور، وقد يكون هذا في صالح التجربة الديموقراطية بوضع الضوابط التي تسير السلطات من خلالها في خطوط متوازنة وسليمة وتقوم السلطة التنفيذية بدورها بطمأنينة، أما التشريعية فتقوم بدوريها التشريعي والرقابي، مشبها التجربة الكويتية بالجمهورية الفرنسية الرابعة، والتي تم خلالها عرقلة الحياة الدستورية وأوشكت أن تؤدي لانقلابات.
وبين د.الجمل، أن تعديل الدستوري أمر طبيعي، لكن من أجل مزيد من الديموقراطية، وليس ردة عليها أو من أجل تمكين الحكومة على حساب الحرية، وهو ما حدث في بعض البلاد، ولكن نريد تعديلات تمكن الحكومة من ممارسة سلطتها التنفيذية، وتمكن المجلس من ممارسة دوره التشريعي، وتوضع للرقابة ضوابط بحيث لا تعطل الحياة العامة. وأضاف: «بالنسبة للكويت لا أستطيع أن أقول بأن أوضاع الكويت تتحمل أحزابا، ولكن الكويت مرت بتجربة ديموقراطية غنية وثرية، ونحن بحاجة لمزيد من الثقافة للأعضاء».
تجربة رائدة
من جهته، أكد المحامي يعقوب الصانع، أن التجربة الديموقراطية في الكويت رائدة في المنطقة والوطن العربي، بل إن الكويت تفتخر بأن لديها مساحة من الحرية في هذه الدولة الصغيرة، غير أن كثرة هذا اللغط يفقد هذه الديموقراطية هدفها، من خلال الممارسة البرلمانية الخاطئة أو الممارسة الخاطئة من السلطة التنفيذية.
ولفت الصانع إلى انه من الضروري على طلائع المجتمع الكويتي إيضاح الأسباب لهذه الممارسة الديموقراطية التي حلت في الكويت أخيرا، وظهرت من خلال عدة أزمات وعدم توافق بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، لدرجة أنه خلال 4 سنوات حل مجلس الأمة عدة مرات، مشيرا إلى أن هناك أسبابا سياسية لا يمكن التكلم عنها في هذه الندوة، لكن أيضا هناك أسباب قانونية وهي أن الكويت والدستور الكويتي الذي يجمع بين النظام الرئاسي والديموقراطي لها طبيعة تختلف عن الدول الأخرى التي لديها أحزاب وتكتلات، وبالتالي، عندما تكثر الاستجوابات وهي ظاهرة صحية، وهو حق العضو في ممارسة دوره الرقابي، إلا أن الجانب المهم ألا يتعدى الاستجواب مسيرة تنمية الكويت ووضع عدة استجوابات في آن واحد.
وقال: «من قال بأن الديموقراطية تعطل التنمية، نقول لهم ولله الحمد: بأن السلطة التنفيذية ليلة البارحة أثبتت قناعتها بالتجربة الديموقراطية والمثول أمام المنصة رغم بعض الانحرافات التي نراها، ولكن هناك غلو أيضا في الرقابة على حساب التشريع. وهناك عدم تدرج في الرقابة البرلمانية، والذهاب إلى الاستجواب مباشرة قبل التحقيق والاستفسار.
الأحزاب موجودة في الكويت واقعاً لا تقنيناً
ردا على سؤال وجهه المحامي يعقوب الصانع، حول فرضية أن تكون الغالبية العظمى من الأعضاء معارضة، فكيف للحكومة أن تقوم بعمل برنامجها التنموي؟ أجاب الجمل، بالقول: «إنه لابد من إعادة النظر في الدستور لزيادة عدد الأعضاء»، مشيرا إلى أن الأحزاب موجودة في الكويت واقعا، وإن كانت غير موجودة تقنينا، فكل ديوانية كبيرة تشكل حزبا، ويمكن أن يحل الانتقال إلى النظام الحزبي جميع المشاكل، ولكن من الممكن أيضا أن توجد مشاكل. فالبلاد التي فيها أحزاب تدخل الحكومة مطمئنة بالأغلبية الضامنة، مشيرا إلى أنه في بريطانيا حدث في مجلس العموم البريطاني فرق بين العمال والمحافظين بفارق 4 أصوات فقط، وكان هناك استجواب مطروح، فعمدت الحكومة إلى الإتيان باثنين من نوابها من المستشفى بالإسعاف والنقالة لكي يحضرا الجلسة ويصوتا.
وقال: إن الأحزاب مكون أساسي من مكونات الديموقراطية لأنها تؤدي إلى تداول السلطة، وغيابها يجعل التجربة الديموقراطية منقوصة، وهذه الإجابة ليست قابلة للتطبيق على جميع مجتمعات العالم، فالكويت بحكم معرفتي بها صغيرة وعدد مواطنيها محدود وهذا ما قد يمنع وجود الأحزاب، ولكن مما يشجع عليها هو أن البلد في الحقيقة فيه ديوانيات كبيرة مثل أحزاب غير معلنة، ونحن نحتاج لمزيد من الثقافة السياسية لأعضاء مجلس الأمة والشعب خصوصا عندما نسمع أن بعض الأعضاء يقول: لن نتوقف عن التأزيم.
تشريعات قابلت الـ 50 استجواباً منذ عهد الدستور حتى اليوم
ذكر النائب علي الراشد، ان الكويت مر عليها 50 استجوابا، 25 منها كان منذ بداية الدستور حتى سنة 2003، والـ 25 الأخرى كانت منذ 2003 وحتى اليوم، فعقب الخبير الدستوري على ذلك بأن هذا العدد من الاستجوابات في التاريخ الكويتي بعد إقرار الدستور الكويتي شيء غريب، وقال: «أريد أن أعرف عدد التشريعات التي تمت مقابل هذه الاستجوابات لنعرف مدى قيام المجلس بسلطته التشريعية إلى جانب الرقابية، وكم من القوانين التي قدمت للحكومة تعطلت. وقال: إن الدستور الفرنسي تعدل 24 مرة، والدستور الأميركي رغم أن له 200 سنة إلا أنه تعدل أكثر من 28 مرة لأن الحياة الاجتماعية تتغير».
تعطيل الدستور انقلاب عليه
في رده على سؤال عن صـــياغة الدســاتير، ذكر د.الجمل، أن هناك صياغا محترفين للتشريع وكـــتابة الدســتور، لأن صياغة الدستور فن له أصول وقواعد ويحتاج إلى أجهزة فنية معاونة، لافتا إلى أن تعطيل الدستور يعتبر بلا شك انقلابا على الدســـتور.
وقال: أنا لست من الذين يحبذون التعطيل، لكن أنا من الذين يرون تعديل الدستور لمواكبة التطورات، وهناك نظرية في القانون الدستوري موجودة في فرنسا وفي مصر تسمى المادة 16 والتي تحدد الحالات الاستثنائية وسلطات رئيس الجمهورية في الحالات الاستثنائية سماها ديجول بالديكتاتورية المؤقتة، فنظرية الضرورة تبيح أمورا كثيرة، لكن الضرورة تقدر بقدرها، والضرورة هي خروج عن الأصول العامة كما جاء في الآية الكريمة: (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه).
وهناك قاعدة تقول إن الضرورة تبيح ما لا يباح في الظروف العادية، وإذا تجاوزت الضرورة قدرها لم تعد ضرورة وتعد انحرافا في السلطة.
أ. د.يحيى الجمل في سطور
ـ العلامة الخبير الدستوري يحيى الجمل، أستاذ القانون العام في كلية الحقوق جامعة القاهرة.
ـ عضو محكمة التمييز الدولي في باريس.
ـ وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء المصري.
ـ وزير التنمية الإدارية السابق.
ـ عضو مجلس الشعب.
ـ عميد كلية الحقوق.
ـ مستشار ثقافي في السفارة المصرية بباريس.
ـ له العديد من المؤلفات الخاصة بالدستور.
ـ شارك في صياغة العديد من الدساتير، منها دستور دولة قطر، وأريتريا، وجزر القمر، كما شارك في إعداد صياغة العديد من التشريعات المصرية، منها: قانون الاستثمار، وقانون نزع الملكية، وقانون الجمعيات الأهلية، وقانون التحكيم التجاري، وقانون الإصلاح الوظيفي.