- تتسم صياغة نص المادة 305 بالركاكة وعدم الدقة حيث جاء فيها «تجوز مخاصمة القضاة وأعضاء النيابة إذا وقع من القاضي أو عضو النيابة في عمله غش أو تدليس أو خطأ مهني جسيم»
- الموقع الصحيح للمخاصمة هو قانون تنظيم القضاء باعتباره موضوعاً يخص السلطة القضائية وقانون المرافعات هو مجموعة من القواعد التي تبين إجراءات سير الدعوى منذ بدايتها حتى نهايتها
- جعلت المادة 305 القاضي طرفا في دعوى المخاصمة، بحيث يجب أن تقام الدعوى عليه شخصيا، وفي ذلك إرهاق له وتشويش على أداء عمله
- نصت الفقرة الأخيرة من المادة 305 على حق رجوع الدولة على القاضي وهذا مساس باستقراره المالي سيؤثر حتما على استقراره النفسي والذهني
أعدتها للنشر آلاء خليفة
اعد الأستاذ د.سامي الدريعي من كلية الحقوق بجامعة الكويت دراسة عن قانون مخاصمة القضاء الجديد تنشرها «الأنباء» وجاءت كاتالي: لا شك في أن مسؤولية القاضي المدنية تعد من المساءل الملحة والعاجلة في الدول الديموقراطية، فمن الناحية التاريخية نجد أن الأعمال التي يقوم بها القاضي ضمن اختصاص وظيفته القضائية تؤسس على تفويض من الله ومن الملك، لذلك كان ينظر على انه يقوم بأعمال مقدسة لا يمكن المساس بها أو انتقادها.
وعلى الرغم من التطور السياسي الذي أدى إلى فصل الدين عن الدولة، إلا أن بعض الدول مازالت وفية لمبدأ حصانة القاضي وعضو النيابة المدنية عن الأخطاء التي يرتكبونها في أثناء أداء عملهما القضائي.
ومن هذه الدول بريطانيا، حيث لا يساءل القاضي عن أخطائه في الأحكام ما دام يحكم ضمن اختصاصه (حكم Marshalsea 1613 _ حكم McCv.Mullan 1985). في السياق نفسه، كل من أميركا (حكم Forrester v. White 1988) وكندا (حكم محكمة التمييز الكندية الصادر في 7 فبراير 2008)، فالقاضي هناك يتمتع بعدم مسؤولية مدنية كاملة.
ويؤسس هذا الحكم على أن القضاء متخصص ومؤهل علميا، ومن ثم فلا يتصور فيه الخطأ، فضلا عن ذلك فان القضاء يكون على درجتين، بحيث تمثل الطعون على الأحكام الأداة القانونية الفاعلة لتصحيح الأخطاء الواردة فيها.
في المقابل، فإن الظلم الذي كان مستشريا في أوروبا على أيدي الملوك ولد تيارا فكريا يرى ضرورة محاسبة القضاة الذين كان يستخدمهم الملك كأداة لظلم الشعب وقمعه، وقد تعزز ذلك بعد الثورة الفرنسية سنة 1789، حيث حمل الثوار لواء العدالة والمساواة والحرية فتوجهت أنظارهم إلى القضاء على اعتبار انه كان يمثل الأداة الظالمة للشعب.
ولما كانت العدالة تقتضي أن كل من يرتكب فعلا يسبب ضررا للغير يلتزم بتعويضه، فأصبح من الضروري إلزام القاضي المخطئ بتعويض المضرور الذي صدر الحكم الخاطئ ضده.
وهكذا قرر الثوار سنة 1806 مسؤولية القضاة المدنية تحت مسمى La prise à partie في المادة 505 من قانون المرافعات الفرنسي، وقد اقتبس المشرع المصري هذه المسؤولية سنة 1949 تحت اسم «مخاصمة القضاة وأعضاء النيابة».
وقام مؤخرا المشرع الكويتي بنسخ هذا النص في القانون المقترح مع إجراء بعض التغييرات الطفيفة.
السؤال الملح هنا: هل وفق المشرع الكويتي عند نسخه لقانون المخاصمة المصري؟ وهل القانون المصري قادر على تحقيق الهدف منه وهو تعويض المضرور من الأخطاء الواردة في الأحكام؟ وهل هذا القانون يتماشى مع المكانة الرفيعة للقضاة وأعضاء النيابة وما يفترض بهم من نزاهة واستقلالية؟
يبدو لي أنه من خلال قراءة نصوص قانون المخاصمة قراءة فاحصة ومتخصصة الملاحظات التالية:
أولا: الملاحظات الشكلية
1 ـ لم يوفق المشرع باختيار العنوان «مخاصمة القضاة وأعضاء النيابة»، في الحقيقة ان كلمة مخاصمة لا تتناسب مع مكانة القاضي فضلا عن ان لها معنى سلبيا يدل على الخصومة، أي النزاع الشخصي.
في حين أن أصل المصطلح مأخوذ من القانون الفرنسي La prise à partie وترجمها لغويا يتخذ من القاضي طرفا في الدعوى، ولكن ترجمها العلماء الأوائل بالمخاصمة، وهو ما أورث الاعتقاد لدى العامة وبعض القانونيين بأن المخاصمة عبارة عن عقوبة توقع على القاضي أو عضو النيابة المخطئ، ولا ينازع أحد بأن المخاصمة عبارة عن دعوى مدنية يرجع فيها المتضرر من الحكم الخاطئ على القاضي الذي أصدره مطالبا بالتعويض عن الضرر الذي لحق به بسبب خطئه في الحكم.
لذلك فإن موضوعها المسؤولية المدنية للقضاة وأعضاء النيابة. فلم يستخدم المشرع هذا المصطلح (المخاصمة) عند تنظيم مسؤولية المعلم، أو المهندس ومقاول البناء أو مسؤولية الطبيب وغيرهم.
فلماذا يشذ عن ذلك عند تنظيم المسؤولية المدنية للقضاة وأعضاء النيابة، وهم أولى بالرعاية وبالمحافظة على مكانتهم لما للقضاء من دور مهم في إرساء العدالة في المجتمع؟ وبناء على ذلك، يكون العنوان الادق ـ في نظري ـ المسؤولية المدنية للقضاة وأعضاء النيابة.
2 ـ تنص المادة 305 من القانون على «تجوز مخاصمة القضاة وأعضاء النيابة إذا وقع من القاضي أو عضو النيابة في عمله غش أو تدليس أو خطأ مهني جسيم».
يؤخذ على صياغة هذا النص على الرغم من تحفظنا عليه ما يلي:
أ ـ استخدم المشرع كلمة تجوز في صدر المادة 305، وهو ما يوحي بعدم حتمية قيام مسؤولية القاضي أو عضو النيابة عند تحقق أسبابها، وإنما الأمر جوازيا! بمعنى أن الصياغة توحي بأنه بالرغم من تحقق شروط المخاصمة إلا إن للقاضي الخيار بين أن يحكم بها أو ألا يحكم بها، وأجزم بأن المشرع لا يريد هذا المعنى إطلاقا ولكن عبر عنه بشكل غير دقيق، وآية ذلك انه عند تنظيم المسؤولية الخطئية في المادة 227 مدني ومسؤولية متولي الرقابة 238 ومسؤولية حارس الأشياء 243 وغيرها لم يستخدم المشرع كلمة يجوز.
ب ـ تتسم صياغة نص المادة 305 بالركاكة وعدم الدقة، حيث جاء فيها تجوز مخاصمة القضاة وأعضاء النيابة، إذا وقع من القاضي أو عضو النيابة في عمله غش أو تدليس أو خطأ مهني جسيم، فليس من حسن الصياغة القانونية تكرار الكلام والأدق من حيث الصياغة «تجوز مخاصمة القاضي أو عضو النيابة إذا وقع منهما في عملهما غش أو تدليس أو خطأ مهني جسيم»، ومع ذلك فالأفضل أن يصاغ النص على النحو التالي «تقوم مسؤولية القاضي وعضو النيابة المدنية إذا وقع منهما في عملهما غش أو تدليس أو خطأ مهني جسيم».
ت ـ لقد ضم المشرع مخاصمة القضاة وأعضاء النيابة في قانون المرافعات المدنية والتجارية، وذلك على غرار القانونين المصري والفرنسي القديم.
من المعلوم لأهل القانون أن قانون المرافعات عبارة عن مجموعة من القواعد القانونية الإجرائية التي تبين إجراءات سير الدعوى منذ بدايتها حتى نهايتها.
فهو قانون يعنى بالدرجة الأولى بالقواعد الإجرائية Les règles procédurales والكل يعلم أن المخاصمة هي قواعد موضوعية تبين موضوع المسؤولية بالدرجة الأولى Les règles substantielles.
لذلك نجد أن المشرع الفرنسي منذ العام 1972 قد ألغى المخاصمة بالنسبة للقضاة المهنيين ونظم مسؤولية الدولة عن السير المعيب لمرفق القضاة، ومن ضمنها الخطأ الصادر من القاضي في قانون تنظيم القضاء. لذلك، فإن الموقع الصحيح للمخاصمة هو قانون تنظيم القضاء باعتباره موضوعا يخص السلطة القضائية.
3 ـ نصت الفقرة الثانية من المادة 311 على «وإذا قضت بصحة المخاصمة حكمت ببطلان التصرف في موضوع المخاصمة»، فما المقصود من كلمة التصرف هنا؟ وهل يمكن اعتبار الحكم القضائي تصرفا بالمعنى القانوني؟
4 ـ نصت الفقرة الثالثة من المادة 305 على «وتكون خزانة الدولة مسؤولة عن تنفيذ ما يحكم به على القاضي..». إن استخدام المشرع كلمة خزانة الدولة تجعلنا نتساءل: هل خزانة الدولة شخص معنوي يمكن اقامة الدعوى ضدها أم أن المقصود هنا الدولة، لذلك فالأدق هو «وتلتزم الدولة بتنفيذ ما يحكم به على المخاصم من تعويضات بسبب أي من هذه الأفعال..».
ثانيا: الملاحظات الموضوعية
1 ـ تنص المادة 305 على «تجوز مخاصمة القضاة وأعضاء النيابة إذا وقع من القاضي أو عضو النيابة في عمله غش أو تدليس أو خطأ مهني جسيم»، لقد اقتبس المشرع الكويتي فكرة الغش والتدليس والخطأ المهني الجسيم من القانون الفرنسي القديم (1806) ومن القانون المصري (1949)، وكان القضاء الفرنسي في تلك الحقبة غير مقتنع بقيام المسؤولية المدنية للقاضي، لذلك نراه تشدد في تحديد مفهوم الغش dol والتدليس fraude والخطأ المهني الجسيم faute lourde professionnelle.
وقد تأثر القضاء المصري في ذلك ووجد فيه مخرجا لحماية القضاة وأعضاء النيابة من الرجوع عليهم من قبل المتضررين من الأحكام الخاطئة.
وهكذا وضعت محكمة النقض المصرية تعريفا واحدا للغش والتدليس، حيث جاء في أحكامها المتواترة» يقصد بالغش والتدليس الانحراف عن العدالة بقصد وسوء نية لاعتبارات خاصة تتنافى مع النزاهة، كالرغبة في إيثار بعض الخصوم أو الانتقام منه أو تحقيق مصلحة شخصية للقاضي أو غير ذلك من الاعتبارات الخاصة ومن الأمثلة على ذلك أن يرتكب القاضي ظلما عن قصد بدافع المصلحة الشخصية أو الكراهية أو المحاباة أو أن يحرف عن قصد ما أدلى به الخصم أو الشاهد أو أن يكلف بكتابة تقرير في الدعوى فيصف عن عمد مستندا بغير ما اشتمل عليه ليخدع بتقية الأعضاء (حكم محكمة الاستئناف المختلطة الصادر في 11/7/1949، مجلة التشريع والقضاء سنة 61، ص136 ـ طعن رقم 1163 س 51 جلسة 5/3/1985 – طعن رقم 1601 س 51 ق جلسة 23/4/1985).
ويلاحظ في هذا التعريف أن جوهر كل من الغش والتدليس هو النية والرغبة في إيذاء الغير بمعنى أنها تعتبر أفعالا إرادية عمدية نفسية يندر أو يستحيل إثباتها من الناحية العملية، وهو ما يفسر عدم ثبوت غش dol أو تدليس fraude القاضي أو عضو النيابة منذ وجود المخاصمة في فرنسا (1806) وفي مصر (1949).
بل أكثر من ذلك أليس في قيام القاضي أو عضو النيابة بالغش أو التدليس في عملهما على نحو ما ورد في تعريف محكمة النقض المصرية ما يمكن اعتباره من قبيل جرائم التزوير واستغلال السلطة المعاقب عليهما في القانون الجزائي، كما لو غير مفهوم شهادة أحد الشهود لمصلحة أحد الخصوم، أو أجبر أحد الشهود على تغيير شهادته لمصلحة احد اطراف الدعوى.
وفي هذه الحالات يخضع القاضي كغيره من الافراد إلى أحكام القانون الجزائي، ويكون للمتضرر من هذه الأفعال أن يطلب من القاضي الجزائي الذي ينظر الدعوى الحكم له بالتعويض المدني عن الأضرار الناتجة عن تلك الجرائم.
وما يعزز وجهة نظرنا تلك أن محكمة النقض المصرية قضت بأن «المخاصمة لا تغني عن الادعاء بالتزوير، فإذا حصل التمسك بان القاضي غير الحقيقة في حكم أو قرار، وجبت إقامة دعوى المخاصمة والطعن بالتزوير على الحكم أو القرار حتى لا تكون للأحكام والقرارات حجيتها» (نفض 92/3/1962 السنة 13 ص360)، كما قضت انه «المخاصمة بدعوى أن القاضي غير الحقيقة في حكم أو قرار يقتضي وعلى ما جرى قضاء هذه المحكمة أن يسلك طالب المخاصمة سبيل الطعن بالتزوير في هذا الحكم أو القرار حتى تبقى الأحكام أو القرارات حجة بما ورد فيها، وحتى لا يستعاض بإجراءات المخاصمة عن إجراءات الطعن بالتزوير» (نقض 9/12/1980 طعن رقم 647 لسنة 49 ق) وذلك يعني أنه على القاضي المدني أن يوقف سير دعوى المخاصمة إلى حين الانتهاء من الدعوى الجزائية.
لذلك نجد أن المشرع الفرنسي سنة 1972 قد ألغى ما يطلق عليها مخاصمة القضاة (La prise à partie) لصعوبة إثبات غش وتدليس القاضي من جهة ولأنها تشكل جريمة من جرائم المنصوص عليها في القانون الجزائي من جهة ثانية.
لذلك حري بالمشرع الكويتي أن يحذو حذو المشرع الفرنسي في هذا الصدد، بحيث لا يجعل من الغش والتدليس أسبابا لقيام مسؤولية القاضي وعضو النيابة المدنية.
أما فيما يتعلق بتحديد مفهوم الخطأ المهني الجسيم Faute lourde professionnelle فقد تبنت محكمة النقض المصرية تعريف محكمة التمييز الفرنسية وبينت في أحكامها المتواترة أن المقصود بالخطأ الجسيم وفق أحكام مخاصمة القاضي وعضو النيابة «هو الخطأ الذي يرتكبه القاضي لوقوعه في غلط فاضح ما كان ليساق إليه لو اهتم بواجباته الاهتمام العادي أو لإهماله في علمه إهمالا مفرطا، ويستوي أن يتعلق بالمبادئ القانونية أو بواقائع القضية في ملف الدعوى وتقدير مبلغ جسامة الخطأ يعتبر من المسائل الواقعية التي تدخل في التقدير المطلق لمحكمة الموضوع (طعن رقم 497 س 52 ق جلسة 19/12/1985).
وقضي انه «لا يسأل القاضي عن أي خطأ، وإنما يسأل إذا اخل بواجباته إخلالا جسيما» (نقض 29/3/1962 السنة 13 ص360 – نقض 5/3/1985 رقم 1163 س 51 ق).
ومع ذلك، ومن أجل تحقيق حماية فاعلة للقاضي المخطئ قررت محكمة النقض المصرية رفض المخاصمة في الحالات التالية:
أ ـ لا يعتبر خطأ مهنيا جسيما فهم رجل القضاء للقانون على نحو معين ولو خالف فيه اجماع الشراح، ولا تقديره لواقعة، ولو أساء الاستنتاج ولو عرض هذا الخطأ رجل القضاء لملاحظات رؤسائه أو لتوقيع جزاء تأديبي عليه (استئناف المنصورة 18/7/1953، المحاماة س 34 ص111).
ب ـ لا يعتبر خطأ مهنيا جسيما أمر رجل القضاء بالحبس في جنحة لا يجيز فيها القانون الحبس الاحتياطي (استئناف المنصورة 18/7/1953، المحاماة س 34 ص111).
ت ـ لا تقبل مخاصمة القاضي بسبب خطئه في تقرير صحة إجراء معين، أو خطئه في تقدير ثبوت الوقائع أو في تطبيقها أو في تفسيرها للقانون تفسيرا معينا ولو كان مخالفا لإجماع الفقهاء أو أحكام القضاء، أو في تطبيق القانون على وقائع القضية، أو في رفضه إجراء تحقيق معين مادام في كل هذا حسن النية (نقض مدني 30/6/1960، مجموعة النقض س 11، ص298 ـ استئناف القاهرة 14/1/1963 المجموعة الرسمية 61 ص 11، رقم 2).
ث ـ ولا يعد خطأ جسيما تقدير القاضي ـ ضمن حدود سلطته التقديرية ـ أن الطعون الموجهة إلى القضاء الصادر في موضوع الدعوى محل المخاصمة طعون موضوعية مجالها الطعن في الحكم المشار إليه سواء ما تعلق منها بالقصور إلى الأسباب أو الخطأ في تفسير التعاقد بين طرفي الخصومة» (نقض 14/2/1980 س31 ج1، ص514).
ج ـ لا يعتبر خطأ مهنيا جسيما اشتراك أحد القضاة في المداولة دون سماعه للمرافعة أو عدم إثبات تخلف أحدهم عند النطق بالحكم مع توقيعه على مسودته وحلول غيره محله يترتب عليه بطلان الحكم دون أن يكون هذا سببا لمخاصمة القاضي، ما دام القانون لم ينص على ذلك، ومن غير الجائز القياس على نص المادة 175 (نقض 14/2/1980 طعن رقم 864 سنة 46 ق).
ومن الطبيعي أن يلجأ القضاء الكويتي عند تحديد مفهوم الغش والتدليس والخطأ المهني الجسيم إلى ما استقر عليه القضاء المصري على اعتبار أن نص المادة 494 من قانون المرافعات المصري هو الصدر التاريخي لنص المادة 305 المقترحة.
وقد رأينا كيف أن هذا القضاء فسر تلك المفاهيم تفسيرا ضيقا هادفا من ذلك وضع سياج حمائي متين قادر على حماية القضاة وأعضاء النيابة من أي رجوع محتمل من قبل المتقاضي الذي يشعر بوجود خطا في الحكم الذي صدر ضده وترتبت عليه أضرار معينة.
وبذلك يكون نظام مخاصمة القضاة وأعضاء النيابة نظاما عقيما غير قادر على تحقيق العدالة وإنصاف المتضررين من الأحكام الخاطئة.
وبذلك يتحول نظام المخاصمة من نظام يهدف إلى توفير حماية المتقاضي المضرور إلى نظام يوفر حماية كاملة للقاضي وعضو النيابة المخطئ!
١ - فهل يدرك البرلمان أن المخاصمة وفق ما ذكرناه سابقا عبارة عن حصانة مدنية كاملة للقضاة وأعضاء النيابة، بحيث يمكن أن نراها في ثنايا قانون المرافعات، ولكن لا أثر لها في الواقع العملي؟ يبدو واضحا أن نظام المخاصمة الذي أقره مجلس الأمة الكويتي كالشمس التي لا تضيء والنار التي لا تحرق، وجودها نظري بحت لا طائلة من ورائه، بل يحرم المتضرر من الحصول على تعويض عن الأضرار التي لحقت به جراء صدور الحكم الخاطئ. فهل يريد البرلمان الكويتي هذه النتيجة؟
2 ـ لقد اغفل المشرع في المادة 305 ولم يعتبر نكران العدالة من قبيل أسباب مخاصمة القضاة وأعضاء النيابة. مع الأسف الشديد أن المشرع الكويتي لم يوفر أهم ضمانة للمتقاضي، وهي الحصول على محاكمة عادلة خلال مدة معقولة.
فليس من المقبول أن يتعمد أو يهمل القاضي أو عضو النيابة في اتخاذ إجراء معين أو إصدار الحكم لمدة طويلة على نحو يلحق الأضرار بمصلحة المتقاضيين برغم جهوزية الدعوى للفصل فيها.
وقد نص العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في المادة 14-3-ج منه على «أن يحاكم دون تأخير لا مبرر له». وقد انضمت الكويت إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية سنة 1996.
لذلك حريا بأن يضيف المشرع الكويتي ما يؤكد على توفير ضمانة حصول المتقاضي على محاكمة عادلة خلال مدة معقولة، وذلك بما يتماشى مع التزامات الكويت الدولية.
3 ـ لقد جعلت المادة 305 القاضي طرفا في دعوى المخاصمة، بحيث يجب أن تقام الدعوى عليه شخصيا، وفي ذلك إرهاق له وتشويش على أداء عمله.
وتجدر الملاحظة أن إدارة الفتوى والتشريع لا تقوم بالدفاع عن القاضي وعضو النيابة المخاصم، وذلك انطلاقا من مبدأ الفصل بين السلطات من جهة، ومن جهة ثانية فإنه بمقتضى نص المادة 8 من قانون تنظيم إدارة الفتوى والتشريع تتولى إدارة الفتوى والتشريع الدفاع عن مصالح الخزانة العامة في جميع القضايا التي ترفع أمام المحاكم على الحكومة أو منها.
ونعلم جميعا أن كل من يصدر الحكم ضده لا يكون سعيدا به، وإنما يعتقد أن القاضي قد اخطأ في حكمه، ومن ثم فإنه مع وجود المخاصمة سيلجأ إليها، وبالتالي سيكون القاضي تحت سهام كل من تصدر أحكامه ضدهم الأمر الذي يتطلب منه أن يتفرغ ليدافع عن نفسه وعن الحكم الذي أصدره، وهو ما سيؤثر حتما على أداء عمله الأصلي في إصدار الأحكام في الدعاوى المعروضة عليه.
وبذلك سيتأخر في إصدار الأحكام على نحو تتضرر معه منظومة العدالة ككل.
ناهيك عن أن إقامة الدعوى مباشرة في مواجهة القاضي تمس من مكانته ودورة الهام في المجتمع، وبذلك تضحى سيفا مسلطا على القاضي يؤثر على وقته وصفاء ذهنه وتركيزه في القضايا المعروضة عليه.
4 ـ لقد استبعدت المادة 305 من نطاق المخاصمة الخطأ البسيط، حيث بعد عن حددت أسباب المخاصمة بالغش والتدليس والخطأ المهني الجسيم نصت على «ولا تجوز المخاصمة في غير هذه الحالات».
فقد حرم المشرع المتضرر من الحصول على التعويض بالرغم من ثبوت خطأ القاضي أو عضو النيابة البسيط في الحكم.
وبذلك يكون القانون قد تخلى عن أهم وظيفة للدولة، وهي حماية أرواح الأفراد وحقوقهم وحرياتهم وأموالهم.
فلا يجوز أن نميز بين المتضررين من الأحكام الخاطئة بسبب جسامة الخطأ! إن العدالة تقتضي إزالة الضرر الناتج عن الخطأ أي كان جسامته، فالعبرة هنا في الضرر لا بجسامة الخطأ. إن استبعاد الخطأ البسيط من نطاق المخاصمة فيه مساس بمنظومة العدالة دون مسوغ قانوني أو أخلاقي أو منطقي.
فالقاعدة أن من لحقه ضرر بسبب إصدار حكم خاطئ يجب أن يحصل على تعويض بغض النظر عن جسامة الخطأ، ولاسيما أن آثار الحكم الذي يخطئ فيه القاضي خطأ بسيطا قد تكون جسيمة تمس حياة الإنسان أو حريته أو أمواله.
فهل من المقبول أن يحرم من الحصول على التعويض من يعدم أو من يسجن تنفيذا لحكم أخطأ فيه القاضي خطأ بسيطا؟ أو أن يباع منزله أو متجره أو أن ينفى نسبه أو أن تطلق زوجته تنفيذا لحكم أخطأ فيه القاضي خطأ بسيطا؟
5 ـ نصت الفقرة الثانية من المادة 311 على «وإذا قضت بصحة المخاصمة حكمت ببطلان التصرف موضوع المخاصمة..». وذلك يعني أنه إذا أقرت المحكمة بوجود غش أو تدليس أو خطأ جسيم عليها أن تحكم ببطلان الحكم الخاطئ وفي ذلك مساس واضح بحجية الأحكام من جهة، وعدم إدراك الهدف من دعوى المخاصة من جهة أخرى.
أولا: نعلم أنه إذا حاز الحكم على حجية الأمر المقضي يصبح عنوان الحقيقة، وإن ذلك يؤسس على اعتبارات عملية محضة تكمن في الرغبة في استقرار المعاملات وتحقيق الأمن القانوني. ولا شك في أن إبطال الحكم الخاطئ فيه مساس بحجيته، وهو أمر غير مرغوب به.
ويبدو أن المشرع قد تأثر في ذلك بموقف القانون المصري الذي يقرر إبطال التصرفات الصادرة بغش القاضي أو عضو النيابة أو تدليسهما أو خطأهما المهني الجسيم، في حين أنه لا يوجد أي قانون آخر (سوى قانون البلجيكي الذي يجعل البطلان اختياريا) يقرر بطلان الحكم الخاطئ فالقانون الفرنسي ـ مهد فكرة المخاصمة ـ لم يقرر ذلك لما فيه من مساس بحجية الأحكام.
ثانيا: يبدو واضحا عدم فهم المشرع الكويتي وإلمامه بموضوع مخاصمة القضاة وأعضاء النيابة. إن دعوى المخاصمة هي في جوهرها دعوى مسؤولية يقيمها من يتضرر من صدور حكم خاطئ ضده تتضمن غش القاضي أو عضو النيابة أو تدليسه أو ارتكابه خطأ مهنيا جسيما.
فلا يسعى المتضرر من المخاصمة إلى إبطال الحكم الخاطئ، وإنما يرغب في الحصول على تعويض عن الأضرار التي لحقت به بسبب الخطأ الذي ورد بالحكم وشتان بين الأمرين. لذلك لم تنص القوانين المقارنة على بطلان الحكم كما بينا سابقا.
6 ـ لم تبين المادة 311 أثر بطلان الحكم أو العمل الصادر من القاضي أو عضو النيابة بسبب الغش أو التدليس أو الخطأ الجسيم على الغير حسن النية.
وهي مسألة في غاية الأهمية تضرب استقرار المعاملات في مقتل وتجعل الأفراد يتوجسون من أي حق صدر بمقتضى حكم قضائي على اعتبار انه مهدد بالزوال، فهب لو انه تم بيع عقار عن طريق المزاد بحكم أخطأ فيه القاضي خطأ جسيما، وقام من اشتراه ببيعه على غيره حسن النية، فهل سيؤثر إبطال حكم البيع بالمزاد على حق المشتري الثاني؟ فإن كان الجواب بالإيجاب أليس في ذلك زعزعة لاستقرار الأوضاع الذي يسعى المشرع إلى تحقيقه دائما؟ كما هو الحال عندما قرر بمقتضى المادة 189 من القانون المدني عدم الاحتجاج بإبطال العقد في مواجهة الخلف الخاص للمتعاقد الآخر إذا تلقى حقه معاوضة وبحسن نية.
7 ـ لقد نصت الفقرة الأخيرة من المادة 305 على حق رجوع الدولة على القاضي الذي يحكم بثبوت غشه أو تدليسه أو خطأه الجسيم.
لا شك في أن هذه الفقرة تعرض الذمة المالية للقاضي وعضو النيابة للخطر وتمس استقراره المالي الذي سيؤثر حتما على استقراره النفسي والاجتماعي ويحدث إرباكا في تركيزه الذهني، لاسيما ان القضاة يحكمون في الدعاوى بمبالغ كبيرة جدا لا يمكن دفعها وسيكون ذلك بالتأكيد حملا ثقيلا وعاملا طاردا لتقلد منصب القضاء في الوقت الذي يسعى فيه المشرع إلى تكويته.
وتجدر الملاحظة أن الدولة الفرنسية لم ترجع بدعوى الرجوع منذ 1806 على قاض واحد ثبت غشه أو تدليسه أو خطأه الجسيم في الأحكام.
كما أن القضاء المصري لم يحكم بثبوت حالة واحدة لغش أو لتدليس أو لخطئ جسيم صادر من القاضي أو عضو النيابة، وإن المحرك الأساس لهذا الموقف هو إدراكه ما للرجوع على القاضي وعضو النيابة من آثار سلبية مؤكدة على عمله الأساسي، وهو الفصل في الدعاوى المعروضة عليه.
8 ـ لقد وردت مخاصمة القضاة وأعضاء النيابة في قانون المرافعات المدنية والتجارية دون الإشارة إلى خضوع القضاء الإداري.
وقد قضى مجلس الدولة المصري عدم خضوع القضاء الإداري لنظام المخاصمة (نقض 6/12/1987، رقم 1856 س28 ص1062 ـ نقض 14/1/1990 رقم 2464 س34).
كما أن القانون الفرنسي سنة 1806 لم يخضع القضاء الإداري لنظام المخاصمة، وإنما تم إدخال القضاء الإداري (مجلس الدولة) ضمن نطاق مسؤولية الدولة عن السير المعيب لمرفق القضاء سنة 1972، وبذلك فإن قضاة المحاكم الإدارية سيكونون بمنأى عن المخاصمة، وهو ما يقد يمس مبدأ المساواة المنصوص عليه في الدستور على نحو يثير شبهة عدم دستورية القانون.
وفي الحقيقة أن جميع تلك المآخذ والملاحظات الموضوعية دفعت جميع القوانين المقارنة (فرنسا ـ بلجيكا ـ هولندا ـ ايطاليا) إلى ترك نظام المخاصمة واللجوء إلى نظام آخر يتلافى تلك الملاحظات أطلق عليه مسؤولية الدولة عن السير المعيب لمرفق القضاء La responsabilité de l›état pour dysfonctionnement de la service public de la justice، بحيث لم تعد المخاصمة موجودة إلا في القانون المصري والقانون الكويتي.
النتائج المترتبة على إلغاء المخاصمة واستبدالها بمسؤولية الدولة
من أهم النتائج المترتبة على إلغاء المخاصمة واستبدالها بمسؤولية الدولة عن السير المعيب لمرفق القضاء ما يلي:
1 ـ أن الدعوى تقام على الدولة وليس على شخص القاضي أو عضو النيابة، وذلك يحفظ هيبة القضاء ومكانته كمؤسسة تعنى بالدرجة الأولى بتحقيق العدالة.
كما انه لا يترتب عليها تبديد وقت القاضي وعضو النيابة وجهدهما وتشتيت تركيزهما وإطالة أمد القضايا المعروضة عليهما. وذلك يصب في مصلحة منظومة العدالة على اعتبار أن المتقاضين سيحصلون على محاكمة عادلة وفي مدة معقولة.
2 ـ إلغاء الغش والتدليس كأسباب لإقامة مسؤولية الدولة عن السير المعيب لمرفق القضاء، وهو ما ينسجم مع المفهوم القانوني لهذين المصطلحين كونهما من الأخطاء العمدية فإن أتاها القاضي أو عضو النيابة فإنه سيخضع فيها إلى قواعد القانون الجزائي شأنهما في ذلك شأن جميع الأفراد.
3 ـ بفضل وجود مسؤولية الدولة عن السير المعيب لمرفق القضاء استطاع القضاء الفرنسي أن يتخلص من التعريف التقليدي للخطأ الجسيم، بحيث لم يعد ذلك الغلط أو الخطأ الفاحش أو الإهمال الجسيم الصادر من القاضي أو عضو النيابة والذي ما كان ليصدر لو انه نفذ واجباته كما ينفذها القاضي الحريص الذي يوجد في نفس ظروفه، وإنما منذ 2001 قررت الدوائر المجتمعة L›assemblé plénière أن الخطأ الجسيم ضمن نطاق مسؤولية الدولة على اليسير المعيب لمرفق القضاء يتحقق عند وجود أي نقص مميز لأي فعل أو مجموعة أفعال يعكس عدم قدرة مرفق القضاء على تحقيق مهتمه وهي تحقيق العدالة.
وتطبيقا لذلك قضت محكمة التمييز في باريس أن إصدار القاضي حكمه بإلزام الصغير بالسكن مع والدته ـ على الرغم من تنبيه الأب لسوء سلوكها ـ والتي قامت بعد ذلك بقتله يعد خطأ جسيما. وقضت بإلزام الدولة بدفع تعويض للأب عن فقد ابنه.
وبذلك تحول الخطأ الجسيم من فعل ذي مظهر شخصي (يرجع عند تقديره إلى سلوك القاضي) إلى فعل ذي مظهر موضوعي (يرجع عند تقديره إلى أمر خارج عن سلوك القاضي وهو عدم قدرة مرفق القضاء لتحقيق العدالة). بل إن اجتماع الأخطاء البسيطة يمكن أن يتشكل منها ـ بنظر محكمة التمييز الفرنسية ـ الخطأ الجسيم مادام أنها تعكس عدم قدرة مرفق القضاء على تحقيق العدالة.
4 ـ بفضل إقرار مسؤولية الدولة عن السير المعيب لمرفق القضاء يمكن لكل من تضرر من أي حكم خاطئ مهما كانت جسامة الخطأ (جسيما أو بسيطا) الحصول على التعويض من الدولة.
وبذلك تتحقق العدالة للجميع. فقد قرر قانون لكسنبورج سنة 1988 على إلزام الدولة بتعويض المضرور من الحكم الخاطئ ولو كان الخطأ الذي ورد فيه خطأ بسيطا.
وهو كذلك ما قررته محكمة التمييز البلجيكية سنة 1991. 5 ـ لقد قرر القانون الفرنسي إلزام الدولة بتعويض من يصدر ضده حكم بالحبس ثم يتم إلغاؤه عن طريق الاستئناف أو التمييز (قانون الإجراءات الجزائية مادة 262).
6 ـ كما أننا ندعو إلى عدم رجوع الدولة على القاضي المخطئ بعد دفع التعويض للمتضرر من حكمه، وفي ذلك حماية خاصة لذمته المالية من أن تمس أو أن يتأثر مركزه المالي، إن تحقيق الاستقرار المالي للقاضي وعضو النيابة من أهم العوامل المعززة لنزاهته ولاستقراره النفسي الذي يساعده بلا شك على انجاز المهمة الموكولة له على أكمل وجه.
ونقترح أن تقوم الدولة بالاتفاق مع شركات التأمين للتأمين على أخطاء القضاة وأعضاء النيابة التي تقع منهم في أثناء ممارسة أعمالهم القضائية، وذلك على غرار القانونين الاسباني والايطالي، حيث يؤمن القضاة وأعضاء النيابة على أخطائهم المهنية.
وننوه إلى أن وزارة الصحة في الكويت تحث المشرع على تبني نظام التأمين على أخطاء الأطباء العاملين لديها.
وبناء على كل ما ذكرته آنفا من ملاحظات شكلية وموضوعية نرجو رد قانون المخاصمة وتبني فكرة مسؤولية الدولة عن السير المعيب لمرفق القضاء لما يحققه هذا النظام من إقامة التوازن بين حق المضرور من خطأ القاضي أو عضو النيابة من جهة، والمحافظة على مكانة القاضي وعضو النيابة وهيبتهما وذمتهما المالية من جهة أخرى.