Note: English translation is not 100% accurate
الأسير.. الشاهد رقم 232036 (1/2)
7 أغسطس 2011
المصدر : الأنباء
بقلم : أحمد الرجيب
في حياة كل منا أيام وتواريخ لا تنسى، تحمل وقائع وقضايا ومواقف وحوادث وأسماء وشخصيات، تقبع تلك الأيام وتلك التواريخ في الذاكرة، ويستكن ما فيها في الوجدان، بعضها يشكل علامة فارقة في حياتنا إما إيجابا او سلبا، او الاثنين معا في ذات الوقت. ومن تلك الأيام يومان لن ينساهما الكويتيون لا كبيرهم ولا صغيرهم، يومان وتاريخان سيظلان تنقلهما الذاكرة من جيل الى جيل، هما يوم 2/8/1990 يوم الغزو العراقي الهمجي البربري للكويت الآمنة.. ويوم 26/2/1991 يوم التحرير، يوم اندحر الجيش العراقي من الكويت يجر أذيال الهزيمة المذلة والخزي والعار. وما بين هذين التاريخين هناك ملاحم وبطولات وتضحيات وقصص ومواقف تشهد على المعدن الأصيل والإرادة الصلبة لأهل الكويت رجالا ونساء شهد لها العالم وسجلها التاريخ بكلمات الرفعة والعزة.
ومن الأيام التي لا تنسى بالنسبة لي هو يوم السبت 4/8/1990 ثالث أيام الغزو، كنت مديرا عاما لمديرية أمن محافظة العاصمة برتبة عقيد، وكنت وقوة المحافظة متواجدين كالعادة في مقر مديرية أمن محافظة العاصمة (قصر نايف) يوم 2/8، وغادرناها صبيحة الجمعة 3/8 بناء على أمر وكيل الوزارة آنذاك الفريق يوسف الخرافي، ورجعنا اليها ومجموعة صغيرة من الضباط وبعض الأفراد مرة أخرى صباح السبت 4/8 تلبية للواجب، حيث تم أسرنا. كان هذا اليوم بالنسبة لي شديد السلبية التي تصل في درجاتها الى المأساوية.. وكيف لا ونحن أسرى لدى أشقاء لنا في العروبة والإسلام والجيرة!
وفي ذات الوقت أصبح هذا اليوم بعد ذلك إيجابيا بالنسبة لي حيث مكنني من أن أكون شاهدا على الإرادة الصلبة للإنسان الكويتي، على صبره وقوة عزيمته وشجاعته وقدرته على التكيف والصمود، واستغلال ذكائه وموهبته في تسخير الظروف لمصلحته، كل ذلك عشته وشاهدته في الأسر مع إخواني الضباط الأسرى من الجيش والشرطة والحرس الوطني وطوال سبعة شهور.
تم الأسر في ذلك اليوم بعد صلاة الظهر وثلاثة ضباط هم الرائد علي المهنا والرائد أحمد عبدالرزاق وملازم أول بدر الرغيب، حيث تم نقلنا من مديرية امن محافظة العاصمة، الى كلية الشرطة (الذي اتخذ مقرا للشرطة العسكرية العراقية)، وبعد ذلك الى رئاسة الأركان (الذي اتخذوه مقرا للقيادة)، مرورا بمقر الاستخبارات (وزارة الكهرباء في الرقعي)، ثم الى معسكر مؤقت في الزبير وهناك وجدنا المئات من ضباط الشرطة من بينهم (المقدم سليمان الفهد ـ الفريق حاليا)، والرائد عبدالله المهنا (اللواء حاليا) وجميع ضباط وأفراد إدارة امن المنشآت التابعة لوزارة الداخلية تقريبا. بعدها نقل الجميع الى البصرة بالباصات ثم بالقطار الى بغداد وكان ذلك في صباح يوم 5/8/1990. وبقافلة طويلة مكونة من 24 باصا وصلنا الى معسكر الرشيد. وهناك تم عزل الجنود وأفراد الشرطة والذين نقلوا الى مكان آخر. وأدخل جميع الضباط الى قاعة كبيرة كانت غاصة عن آخرها بالضباط من الجيش والشرطة والحرس الوطني الذين تم أسرهم في أول وثاني وثالث أيام الغزو، والذين كانوا ينقلون أولا بأول إلى هذا المعسكر، وهناك شاهدت الكثير من الزملاء أبرزهم العقيد مساعد المشعان (اللواء المتقاعد حاليا) وبصحبته أخاه الصغير حمد. مكثنا في هذه القاعة أكثر من 12 ساعة تقريبا، كانوا ينادون على عدد من الضباط ليتم التحقيق معهم ثم ينقلون الى مكان آخر داخل المعسكر، وبعد انتهاء التحقيق معنا نقلنا الى المكان الذي نقل اليه زملائنا من قبل.
ولاحظنا انهم قاموا بعزل الضباط من رتبة عميد الى رتبة المقدم وكان عددهم 80 ضابطا عن بقية الرتب، كان من بينهم من الجيش العميد عدنان عبدالغفور والعميد غازي العبدالرزاق والعميد يوسف عبيد (رحمه الله) والعقيد سليمان البرجس والعقيد صابر السويدان والعقيد قيس الصالح والعقيد فهد العيسى والمقدم احمد الخالد والمقدم احمد السعد والمقدم إبراهيم العساكر وآخرون، ومن الشرطة كنت والعقيد مساعد المشعان والمقدم سليمان الفهد والمقدم إسماعيل الخالدي والمقدم عبدالله حسين وآخرون ومن الحرس الوطني العقيد ناصر صالح. كان مكان عزلنا عن بقية الضباط، عبارة عن حوش صغير لا تزيد مساحته عن 40 مترا مربعا، محاط بسياج وبداخل هذا الحوش غرفتان صغيرتان وحمام أقل ما يقال عنه انه بدائي الى أبعد الحدود.
كان هذا مكان عزل 80 ضابطا من الرتب والمناصب العليا، 23 يوما ينامون في الحوش في العراء كل في ناحية، والحمام في الصباح كان انتظارا في طابور ممل ومذل، الفطور عبارة عن شاي مكرر الغليان نشربه ببقايا علب المياه الغازية وخبز (صمونة يابسة)، ووجبة الغداء والعشاء عيش ومرق لا يكادان يسدان الرمق. ولكي تغسل ما اتسخ من ملابسك عليك ان تظل بملابسك الداخلية، الى ان يجف ما تم غسله لكي تلبسه، تمهيدا لغسل ملابسك الداخلية بعد ذلك.
ولم يكن بقية الضباط من الرتب الأخرى الذين يزيد عددهم على 500 ضابط والذين كنا نراهم عبر السياج بأفضل حالاً منا، ومع مضي الأيام اتضح اننا لسنا وحدنا في هذا المعسكر الذي اتضح انه يحتوي على عدة سجون، كان هناك سجن به عدد من كبار الضباط العراقيين مسجونين لسبب او لآخر، كان أحدهم مسجون هو وعائلته، وسجن للجنود العراقيين، وآخر به سجناء إيرانيين أطلق سراحهم فيما بعد.
مكثنا 23 يوما في هذا المعتقل، كانت الدهشة والاستغراب والألم والحسرة هي سمة الوجوه، والحيرة والأسئلة التي لا إجابه لها هي زاد الأذهان والعقول، وكانت أياما لمحاولة جمع شتات النفس لمواجهة المصير المجهول.
وكان المتنفس الوحيد في ذلك الجو القاتم هي صلاة الفجر، والتي يؤمها المقدم علي الشطي بقراءته الجميلة المعبرة بصوته الجهوري، الذي كان يهز الوجدان، ويهز جميع أركان المعتقل بدعائه بعد الصلاة، ولاحظنا ان الحراس والجنود العراقيين يخافون من الدعاء، حتى انهم حاولوا ان يمنعوه، ولكن المقدم علي بذكائه غيّر الكلمات وأبقى المضمون.
في يوم 27/8/ 1990 تم نقل الضباط من جميع الرتب بالقطار تحت الحراسة المشددة الى معتقلات في الموصل وهي عبارة عن سجون تسمى لديهم قلاع. وكان نصيبنا ان نسجن في أحدها. وعلمنا فيما بعد ان اخواننا من الجنود وأفراد الشرطة والذي يزيد عددهم عن 6000 أسير سجنوا في القلاع الأخرى.
وفي معتقل الموصل بدأت مرحلة جديدة في حياتنا كأسرى.. كان الهدف الأول لنا ان يكون هناك تماسك بيننا، وان تكون كلمتنا أمام مشرفي ومسؤولي المعتقل واحدة. وان تظل المعنويات مرتفعة برغم قساوة الظروف في ظل الاحباطات وقوة وكثرة الإشاعات، وان تظل شعلة الأمل في عودة الكويت حرة أبية متقدة في النفوس، ولقد كان لنا ذلك بفضل الله، ثم بفضل قوة شكيمة وعزيمة واصرار جميع الأسرى بدون استثناء. بدأنا بتشكيل لجنة من كبار الضباط من الجيش والشرطة والحرس الوطني برئاسة (العميد عدنان عبدالغفور ـ أبو فارس) وكان نعم القائد الصلب الشجاع.
وتم اختيار (العقيد قيس الصالح) منسقا ومتحدثا باسم الأسرى، ولقد تحمل هذا القائد الذكي الصبور الكثير في مواجهته اليومية مع مسؤولي المعتقل. وكان هناك قادة وضباط بارزون بين الأسرى.
كان لهم الأثر الكبير في رفع معنويات عموم الأسرى، ولعل أبرزهم (العقيد سليمان البرجس) القائد الذي فرض احترامه على الجميع بقوة شخصيته وخفة ظله التي كانت تضفي جوا من المرح في محيط لا مجال للمرح فيه.
و(العقيد صابر السويدان) الذي تحمل عبء سماع الأخبار وترجمتها وايجازها للأسرى يوميا خفية عن أعين الجنود الحراس. وزعت الأدوار والضباط كل وفق رغبته وما يحب ان يعمل به في مجموعات للتنظيف وأخرى للطبخ، وثالثة للطبابة، وأخرى للتثقيف الديني، ومجموعة لنقل التعليمات والأخبار لمجاميع الأسرى، وعينت قيادات على كل (عنبر) لنوم الأسرى الضباط تتولى شؤونه، وتكون حلقة صلة يومية مع اللجنة. وسارت حياة الأسر الصعبة في ذلك المعتقل، نتحملها مرغمين، يفترس نفوسنا القلق والخوف على أهلنا في الكويت، والذين هم بالتأكيد أكثر قلقا منا لجهلهم بمصيرنا. وللشهادة بقية! تنويه: ليعذرني الاخوة الضباط رفقاء الأسر، من لم أذكر اسمه او دوره، او ذكرت رتبته خطأ، في هذا الجزء من الشهادة فالذاكرة بعد هذه السنين سلبياتها، مع تقديري للجميع وتأكيدي بأنه كان لكل منهم دور ومساهمة رائعة في ذلك الوقت. وسأكون ممتنا لكل من يذكرني بموقف او حادثة، او دور مهم لأحد الضباط، او يصحح لي بعض ما ذكرته في هذا الجزء، لأتمكن من إضافته في الجزء الثاني من هذه الشهادة.