كان أحد المدربين العرب يسكن في عمارة بإحدى البلدان العربية، وكانت له عادة يومية حيث كان يخرج كل صباح لشراء الصحيفة اليومية من البقالة القريبة من مسكنه، وفي كل مرة يأتي فيها لشراء صحيفته، كان يلقي السلام على صاحب البقالة ولكن صاحب تلك البقالة لا يرد السلام، ولم يثنه هذا عن الاستمرار في إلقاء التحية وكأن الأمور تسير طبيعية، وفي أحد الأيام قال له صديقه: لماذا تتعب نفسك كل يوم في إلقاء السلام على شخص لا يرد عليك بمثله يوما واحدا؟ فرد عليه هذا المدرب بكل ثقة: أمامي خياران.. علي أن أختار بينهما، إما أن أعلم الناس الذوق، أو أتعلم منهم قلة الذوق.
وهذا الموقف الذي ذكرته لكم أخبرني به معلمي د. عبدالرحمن عن زميله في علم الطاقة، والذي كان يعامل الآخرين بمبدأ عامل الناس بأخلاقك وليس بأخلاقهم، والذي ينبع بإحساس عال بأن التسامح صفة يومية لابد أن ندرب عليها أنفسنا، لتكون أولا درعا لنا من تأثير المشاعر السلبية والتي تأتينا أحيانا من أناس نعرفهم أو لا نعرفهم، ولكن عاملونا بأخلاقهم السيئة، وثانيا تعطينا الإحساس الرائع بالسلام الداخلي والرضا مع النفس، والذي بدوره يجعل النور من أعماقنا يشع حولنا ويؤثر على الآخرين.
وما لا يعرفه البعــض أن هناك قـــانونا إلهيا وهــو قانون العدل والذي يرتبط ليس فقط بالمظالم الكبيرة والعـــظيمة بين البشر أنفسهم، ولكن حتى بأقل المعاملات وأتــفهها كما يسميها البعض، فإن كان هناك شخص يلقي عليك السلام وانت تتجاهله، فسيأتي اليوم الذي تجد به من يتجاهلك وستشعر عندها بقلة ذاتك وسوء تصرفك، وإن سرقت في يوم دينارا سيأتي اليوم الذي يسرق منك ربما في غفلة منك أو أمام عينيك لتتذكر ما كنت تفعل، أو تبتلى بمرض أو أحد أحبابك قد يعجز الأطباء عن علاجه، وإن سببت يوما إنسانا أو حقرته لشيء في نفسك، سيأتي من يجعلك في يوم أصغر مخلوق على الأرض في عينك وعين الناس.
وايضا قانون العدل الرباني يتفرع كالأغصان ويشمل المخلوقات الأخرى، فعندما تقتل طيرا من دون حاجة لطعام، أو تدهس قطة وهي تعبر الشارع من دون اهتمام، أو تقطع نباتات من أجل اللعب، وقس على تلك الأمثلة على مخلوقات أخرى، فإن ذلك عائد إليك لا محالة بطريقة أو بأخرى، لأن في عملك هذا نزعت من قلبك الرحمة، وتدخلت في القضاء على مخلوقات ضعيفة أمرها بيد خالقها، وسترفع أيضا مظالمها في يوم العدل السماوي أمام رب العالمين لتقتص منك، وهناك بعض العلماء قالوا ان حتى في تعاملنا مع الجمادات واحترام النعم التي أعطانا إياها ربنا، فإن هناك قانون عدل وميزان، تخيل انك تسب سيارتك كل يوم لعطل فيها، أو تدخل بيتك كل مساء وأنت تتذمر من قدمه أو صغر حجمه، وأشياء كثيرة نسيء التعامل معها لأنها لا تناسبنا أو تضيق علينا، فإن هذه الاشياء التي تستقبل سلبيتك وسخطك وغضبك منها، ستراها يوما بعد يوم تختل ويكثر العطل فيها وتضيق بك لأنك لم تتقبلها في نفسك أو ترضى عنها، وهذا الأمر نراه يوميا في حياتنا وفي حياة الناس ولكن لا نتعظ أو نتفكر به، لذا علينا أن نصلح حالنا مع البشر والمخلوقات الأخرى وكل ما سخره المولى بين أيدينا، ونحمد الله تعالى على العافية.
[email protected]