طلبت مني صديقتي حضور احد التدريبات التربوية، وكانت قد اتفقت مع مجموعة من المعلمات على الالتحاق بها، لما لها من فائدة في مجال عملهن، وعندما جلست مع زميلاتها لاحظت وجود إحدى المعلمات تتعامل معهن بشيء من الكبر والجفاف، وبالمقابل كن يتحاشينها، ووددن لو لم تكن حاضرة هذا التدريب، لما تسببه من مضايقة في الحديث والتصرفات غير المقبولة معهن، وأثناء الاستراحة جاءتني لتسأل عن نقطة أثرتها أثناء الحوار، وكانت عن ملامح الكرم عند الإنسان، وعندما أجبتها قالت لي: أنا أشك في كلامك هذا، فكثير من الذين يحملون هذه الصفات، يتعاملون بصلافة وبخل، وهناك نماذج كثيرة موجودة عندي في المدرسة، وقد كرهت التعامل مع بعض المعلمات لأنهن يثرن استيائي، هنا تقافزت أمام عيني علامات التعجب والاستفهام، فقلت لها: أنا عندما طرحت تلك النقطة، كنت أريد أن أبين لكم عن بحث من البحوث العلمية القديمة بهذا الشأن، وهذا العلم لا ينجح في التعامل معه إلا إذا فهمت أن كل فكرة تحمل نقيضها، باختلاف الوضع الذي يعيشه الإنسان وتغير أفكاره معه، لذا فأنا ومنذ فترة اتخذت قرارا في داخلي، بالابتعاد بقدر استطاعتي عن أسلوب التحليل والنقد لمن حولي، فبعض الأحيان نحن من نتصرف بشكل خاطئ أو نتعامل مع غيرنا بطريقة غير لائقة، ثم نلوم الآخرين على ردود أفعالهم وأفكارهم تجاهنا.
لا أخفيكم سرا، بأنني شعرت بالشفقة نحوها، فهي لا تعرف إنها السبب في ابتعاد زميلاتها عنها، ولماذا لا يتقبلنها بصدر رحب، فهي التي جعلت من نفسها إنسانة غير مرحب بها من دون أن تدري بنتيجة تصرفاتها، ومثلها الكثير الذين لا يعلمون أنهم لا يعلمون، لأنهم يعيشون فقط بأفكارهم، ولم يحاولوا أن يصلوا إلى الحقيقة في نفوسهم، ومحاسبتها ومعالجتها وهذا أصعب تحد مع النفس، هذا الصنف من الناس، علينا أن نشفق عليه أكثر من أن نجعله محور حديثنا في المجالس، وجلب سيرته بالسوء، فنهديه من حسناتنا ويحملنا من ذنوبه، فهو الذي خسر من حوله وحرم من العلاقات الجميلة التي يتمتع بها الآخرون من حوله، فهو مسكين وعلينا أن نرحمه، وإن لم تكن لدينا القدرة على مساعدته في إصلاح أفكاره، فلا تأخذنا نفوسنا فتغتر بما عندنا من أخلاقيات ومثل!
وقبل أن أختم حواري معها، قلت لها: أذكرك بحديث النبي صلى الله عليه وسلم «أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وأبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما».. فربما كانت أفكارنا تجاه شخص في حياتنا سلبية، ونجد ذلك الشخص الذي كنا نكرهه، في موقف ضعف نحتاج به لمؤازرة حقيقية وصدق وقوة، وقد خذلنا بها من ظننا بهم خيرا وسندا، ثم أطرقت رأسها وسكتت وكأنها تبحث عن جواب في داخلها، وكم تمنيت أن تجد الإجابة التي توقظها، فلابد أن تنطق فطرة الخير يوما ما في داخلها.
[email protected]