بقلم: أنوار عبدالرحمن
قالت لي إحدى المعلمات، وكانت تعمل في دور تحفيظ القرآن، إنها جاءتها في يوم امرأة كبيرة في السن تريد أن تحفظ القرآن، ولكنها بالكاد تقرأ وتنطق الحروف العربية بشكل صحيح، وكانت تعاني بالفعل من القراءة الصحيحة، فنصحتها بألا تضغط على نفسها، وأوضحت لها أن الله سبحانه يعلم بقدراتها المتواضعة، ولكنها فاجأتها قائلة: لا يا ابنتي لا تقولي ذلك، فأنا امرأة عشت في بيئة بدوية جافة، وربما لم أكن بالقدر الكافي من البر بأمي وأبي رحمهما الله، وقد سمعت بأن من له ابن حفظ القرآن، فإنه يلبس والديه تاج الوقار يوم القيامة على رؤوس الخلائق، وإنني أريد أن أكافئهما على تربيتهما لي بهذا التاج برا بهما بحفظي لكتاب الله قبل أن أموت، تقول هذه المعلمة: ذهلت من إجابتها هذه، ولم استطع حتى أن أرد عليها، فكيف بامرأة في عمرها تفكر هذا التفكير لكي تبر والديها؟! فهي تتحدى نفسها وضعفها ومعاناتها لأنها تؤمن بالهدف الذي تسعى إليه، ولم تتنازل عنه حتى ومعلمتها التي تحفّظها تطلب منها ذلك!
فقد كبرت في عيني هذه المرأة، وكانت المثل الذي أحتذي به والدافع الذي يدفعني للنجاح، كلما تذكرت كيف هي همتها؟! نعم، كم نحتاج إلى همة بقدر همة هذه المرأة العجوز في حفظ القرآن، لكي نبدأ ونستمر في العمل الناجح، ونصبر على ما يصيبنا من إحباط أو ألم أو عثرات في طريقنا حتى نؤتي ثمار هذا العمل، فهناك أمور لا نحصل عليها بمجرد قراءتنا لكتاب أو حضورنا لمحاضرة، فالهمة قرار يوقد من قناعة داخلية لمبدأ عالي القيمة، والصبر على معوقات النجاح لا يوهب أو يدرس، إنما هو تدريب على ترويض النفس التي تختار الخنوع في بعض المواقف الصعبة هربا من مواجهتها، وهناك وقائع وامثلة كثيرة تحفز وتثير دافعية الإنسان للاستمرار في العمل والعطاء والنجاح، ويمكنها أن تكون جزءا من أدوات الهمة التي نحتاجها لكي ننجز ونكمل طريق العمل بثبات، وقد ذكرت في مقالتي هذه المرأة التي كانت همتها تفوق كثيرا من الهمم لأن هدفها كان أعلى قيمة لأنه مرتبط باليوم الآخر.
فهي تتحمل لأنها تدرك أنها تعمل لذلك اليوم الذي يجزى فيه كل عامل بما عمل، وأنها لا تريد الجنة لنفسها فقط وإنما أيضا لوالديها في ذلك التاج الذي تسعى لكي ينالاه بحفظها لكتاب ربها سبحانه، رغم ما تواجه من صعوبات، فما أجمل هذا الهدف.. وما أعلى هذه القيمة!
[email protected]