«النينيو لم تعد مجرد ظاهرة عابرة، بل باتت واقعا نعيشه على كوكبنا وتزيد من حرارته. وما هذا إلا الفصل الأول». (الأمين العام للأمم المتحدة)
تتجلى في قلب المحيط الهادئ الشاسع ظاهرة طبيعية عظمى تعرف بـ «النينيو»، وهي ليست مجرد ارتفاع عابر في درجات حرارة المياه، بل هي محرك ديناميكي يعيد تشكيل أنماط الطقس والمناخ العالمية. تمثل هذه الظاهرة جزءا من دورة مناخية أوسع تعرف بـ «النينيو- التذبذب الجنوبي»، وتخلف تداعيات واسعة النطاق على النظم البيئية والمجتمعات البشرية والاقتصاد العالمي.
تتألف هذه الدورة المناخية من 3 مراحل رئيسية تتبادل الأدوار فيما بينها:
٭ المرحلة الدافئة (النينيو): تتميز بدفء غير معتاد لمساحات هائلة من المياه الاستوائية في المحيط الهادئ، وتستمر عادة حتى 18 شهرا.
٭ المرحلة الباردة (النينيا): وهي النقيض، حيث تنخفض درجات حرارة سطح المياه، وقد تمتد لفترة تصل إلى ثلاث سنوات.
٭ الحالة المحايدة: هي فترة الاستقرار النسبي التي تفصل بين هاتين المرحلتين المتطرفتين.
٭ التحولات المناخية العالمية: يؤدي الدفء السطحي في المحيط الهادئ إلى تغيير مسارات الرياح وأنماط هطول الأمطار، مما ينتج عنه تحولات مناخية متباينة عبر القارات. فبينما تشهد مناطق أميركا الجنوبية وشرق أفريقيا زيادة ملحوظة في الأمطار والفيضانات التي قد تؤدي لدمار البنية التحتية ومخاطر صحية جسيمة، تعاني مناطق أخرى مثل أستراليا وإندونيسيا وجنوب آسيا من جفاف شديد وتراجع في نشاط الرياح الموسمية، مما يزيد من مخاطر حرائق الغابات وتدهور المحاصيل الزراعية.
كما تمتد آثار الظاهرة إلى المسطحات المائية، حيث يرتبط نشاط النينيو بانخفاض ملحوظ في نشاط الأعاصير المدارية في المحيط الأطلسي، مقابل زيادة مطردة في نشاطها وشدتها في المحيط الهادئ، مما يهدد المناطق الساحلية المطلة عليه.
بالإضافة إلى ذلك، تسهم التغيرات في الغلاف الجوي في ظهور أنماط معقدة مثل «أوميغا بلوك»، التي تؤدي إلى احتباس كتل هوائية ساخنة فوق مناطق معينة لفترات طويلة. وقد لوحظ أثر ذلك في أوروبا، حيث ارتفعت درجات الحرارة بمعدلات تفوق المتوسط بـ 18 درجة مئوية، مما أدى لطفرة في الطلب على أجهزة التكييف وتعديل سياسات النقل، مثلما فعلت شركة السكك الحديدية الألمانية (دويتشه بان) بإتاحة إلغاء الحجوزات دون رسوم.
التداعيات الاقتصادية
لا تقتصر آثار النينيو على البيئة فحسب، بل تمتد لتضرب عمق الاقتصاد العالمي عبر عدة قطاعات حيوية منها:
الأمن الغذائي والسلع الزراعية: أكد الخبراء أن أسعار السلع الزراعية شهدت ارتفاعا بنسبة 7% خلال فترات النشاط، مع قفزات تصل إلى 8% في أسعار القهوة والكاكاو والقمح خلال أسبوع واحد فقط. تشير التقارير إلى أن إنتاج المحاصيل قد يتراجع بنسبة تتراوح بين 5% و12%، بينما ينخفض إنتاج الأرز (وهو سلعة استراتيجية) بنسبة تتراوح بين 2% و8%، مما يرفع الأسعار عالميا ويهدد الأمن الغذائي للدول المستوردة.
الضغوط المالية على القارة الأفريقية: كشف البنك الأفريقي للتنمية عن حجم الضغوط الاقتصادية المتوقعة جراء ما يعرف بـ «النينيو الخارقة». تشير التقديرات إلى احتمالية تكبد القارة خسائر مالية تتراوح بين 10 و20 مليار دولار. كما يتوقع أن يتقلص الناتج المحلي الإجمالي للدول الأكثر تضررا بنسبة تصل إلى 2%، مما يعيق جهود التنمية المستدامة.
الرسالة الكوكبية
إن ظاهرة النينيو هي تذكير صارخ بمدى ترابط الأنظمة الطبيعية والاقتصادية على كوكبنا. الذي يتطلب مواجهة هذا الواقع بتعزيز التعاون الدولي في مجالات الرصد المناخي، وتطوير استراتيجيات التكيف الاقتصادي، والاستثمار في البنية التحتية القادرة على الصمود أمام تقلبات المناخ المتطرفة.
HamadMadouh@
[email protected]