منذ تأسيس دولة الكويت، وانضمامها إلى الأمم المتحدة، سارت على نهج ثابت لم يتبدل، بقيادة حكامها المتعاقبين الذين حملوا أمانة الوطن، وصانوا استقلاله، وقادوا مسيرته بحكمة وبصيرة، ولا سيما في أحلك الظروف وأشد الأزمات، حين كانت البلاد بحاجة إلى حسن التدبر، ورجاحة العقل، وثبات الموقف.
وقد التزمت الكويت، قيادة وشعبا، بمنهج قويم يستمد مبادئه من تعاليم ديننا الإسلامي الحنيف، ومن هدي رسولنا الكريم ﷺ، فحظيت باحترام وتقدير دول العالم وشعوبها، لما عرفت به من إيمان راسخ بقيم السلام، وترسيخ الأمن والاستقرار، ومد يد العون للمتضررين والمنكوبين، وتعزيز التعاون الإنساني، والمشاركة في كل ما يحقق الخير للبشرية.
وتجلت هذه الحكمة الوطنية في عهد المغفور له، بإذن الله تعالى، سمو الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد، رحمه الله، الحاكم الثالث عشر لدولة الكويت، الذي واجه محنة الغزو العراقي الغاشم عام 1990 بقيادة حكيمة، فانتقلت الحكومة الكويتية إلى مدينة الطائف في المملكة العربية السعودية، حيث أدار شؤون الدولة، وحشد الدعمين العربي والدولي، وألقى خطابا تاريخيا أمام الأمم المتحدة شرح فيه عدالة القضية الكويتية، فحظيت الكويت بتأييد عالمي واسع، حتى تحقق التحرير، ثم عاد إلى أرض الوطن في مارس 1991 ليقود مرحلة إعادة الإعمار وبناء ما دمرته الحرب.
وكان إلى جانبه بطل التحرير، ولي عهده آنذاك، المغفور له، بإذن الله تعالى، سمو الأمير الوالد الراحل الشيخ سعد العبدالله، رحمه الله، الذي أصبح لاحقا الحاكم الرابع عشر لدولة الكويت، وكان له دور محوري في الحفاظ على استمرارية الشرعية الدستورية للدولة. فقد أصر على انتقال الأمير إلى المملكة العربية السعودية حفاظا على شرعية الحكم، وترأس الحكومة الكويتية في الطائف، وأدار شؤون المواطنين في الداخل والخارج، كما قاد مؤتمر جدة الشعبي في أكتوبر 1990، الذي جسد وحدة الصف الوطني، وأكد التفاف الشعب الكويتي حول قيادته الشرعية. وبعد التحرير عاد إلى الكويت مباشرة حاكما عرفيا، وتولى مسؤولية استتباب الأمن، وإعادة الخدمات الأساسية، والإشراف على إعادة الإعمار، وإطفاء آبار النفط التي أشعلها الاحتلال.
ولا شك أن تلك المواقف التاريخية الخالدة لحكام الكويت ستبقى محل فخر وتقدير ومحبة في قلوب أبناء الكويت، فقد كانت امتدادا لمواقف الشعب الكويتي الأبي، الذي أثبت للعالم أن حب الوطن عقيدة راسخة، وأن أرض الكويت وترابها ليس لهما ثمن.
لقد سطر الشعب الكويتي أروع صور الصمود خلال الغزو العراقي الغاشم، الذي شنه النظام العراقي البائد على دولة عربية آمنة ومسلمة. وتجسد ذلك في رفض شعبي قاطع للاحتلال، والتمسك بالشرعية الدستورية، وترجمة هذا الموقف إلى مقاومة وطنية باسلة، من خلال تشكيل خلايا للمقاومة المسلحة للدفاع عن الوطن، وحماية المواطنين، وإخفاء رجال المقاومة والعسكريين، وإتلاف السجلات المدنية لمنع المحتل من ملاحقة أبناء الكويت.
كما سجل الموظفون الكويتيون موقفا وطنيا مشرفا برفضهم التعاون مع الإدارة المدنية التي فرضها الاحتلال، وامتنعوا عن الالتحاق بأعمالهم، تأكيدا لرفضهم الاعتراف بأي سلطة غير شرعية.
وبرز كذلك التكافل الاجتماعي بين أبناء الشعب الكويتي، حيث وقف الجميع صفا واحدا، يتقاسمون الغذاء والدواء، ويوفرون الاحتياجات الأساسية، ويسهمون في استمرار عمل الجمعيات التعاونية والمخابز والخدمات العامة، في صورة وطنية نادرة جسدت معنى الأسرة الكويتية الواحدة.
وفي الخارج، أكدت القوى السياسية والمجتمعية الكويتية، خلال مؤتمر جدة الشعبي، تمسكها الكامل بالشرعية الدستورية وبأسرة آل صباح الكرام، ليتحد الشعب والقيادة في موقف وطني واحد أثبت أن الكويت أكبر من كل محنة.
لقد كانت أيام الغزو من أصعب الأيام التي مرت على الكويت، وستظل محفورة في ذاكرة من عاشها، كما ستبقى تروى للأجيال القادمة، لتعرف حجم التضحيات التي بذلت من أجل بقاء الوطن حرا عزيزا.
وتعود إلينا في كل عام ذكرى الثاني من أغسطس 1990، ذلك الفجر الحزين الذي استيقظ فيه الكويتيون على أصوات الدبابات والطائرات، وهدير المدرعات، وعلى صرخات جنود الاحتلال الذين لم يعرفوا إلا لغة السلاح، ليؤكد التاريخ أن إرادة الشعوب الحرة أقوى من قوة الجيوش، وأن وحدة الكويتيين والتفافهم حول قيادتهم الشرعية كانت السلاح الحقيقي الذي كسر إرادة المحتل.
ولم تستطع مرارة الاحتلال، ولا القتل والتعذيب، ولا التشريد والإهانة، ولا مرارة الفقد، ولا خيانة الجار، أن تضعف عزيمة الكويتيين أو تثنيهم عن التضحية بالغالي والنفيس من أجل وطنهم.
فانتفض الشعب الكويتي الأبي في وجه الغزو الصدامي الغاشم، رافضا الذل، واغتصاب الأرض، وسلب الحقوق، حتى أثبت للعالم أن الكويت، مهما اشتدت عليها المحن، تخرج منها أكثر قوة وصلابة ووحدة، وأنها عصية على كل من تسول له نفسه المساس بأمنها وسيادتها.
وستظل الكويت، بإذن الله، حصنا منيعا، ورسالة لكل طامع أو معتد، بأن هذه الأرض ليست سهلة المنال، وأن كل من يعتدي عليها لن يجني إلا الخيبة والانكسار، وأن إرادة أهلها، وعدالة قضيتها، ووحدة قيادتها وشعبها، كانت وستبقى سر قوتها.
نسأل الله تعالى أن يديم على الكويت نعمة الأمن والأمان، والاستقرار والطمأنينة، وأن يحفظها من كل سوء، وأن يوفق أبناءها لصونها والدفاع عنها، وأن يرحم شهداءها الأبرار، ويجزيهم خير الجزاء، فهم رمز عزتها وكرامتها، وستبقى تضحياتهم نبراسا تهتدي به الأجيال.
[email protected]